الأحد 4 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

    الاستثمار الروسي الصيني في إفريقيا .. حلوى مغرية بطعم الحنظل !

    خاص : ترجمة – آية حسين علي :

    تسعى حكومات “روسيا” و”الصين” إلى الاستثمار في البنى التحتية ومنح قروض للدول الإفريقية كي تتمكن من الاستمرار في أعمال التعدين وتوفير الأسلحة وعمل صفقات كبرى، بينما وصفهم رئيس “زامبيا” بأنهم: “أسوأ من المستوطنين الأوروبيين”، بحسب صحيفة (إنفوباي) الإسبانية.

    خلال سنوات الحرب الباردة، (1953 – 1962)، وحتى تفكك “الاتحاد السوفياتي”، (1989)، كان “الكرملين” يتدخل في إفريقيا، وقام بتدعيم الانتفاضات ضد الاستيطان والرغبة في التحرر من الهيمنة الأوروبية على الدول الإفريقية، كما عزز علاقاته بمسؤولين عسكريين ودبلوماسيين في عدة دول إفريقية، وشارك في حروب داخلية في “أنغولا وإثيوبيا وموزمبيق”، لكن بداية من التسعينيات وحتى أوائل القرن الحالي عانت “موسكو” من مشكلات داخلية عدة أكثر من اهتمامها بطموح التوسع، لذا أبتعدت بشكل كبير عن إفريقيا.

    لكن الرئيس الحالي، “فلاديمير بوتين”، أعاد النظر بعين الاهتمام إلى القارة السمراء، خلال السنوات الأخيرة الماضية، بهدف السيطرة على ثرواتها وإمكانية أن تصبح أرضًا خصبة لطموحات التوسع والهيمنة، لكنه هذه المرة لا يتصارع مع “الولايات المتحدة”، كما كان معهودًا، وإنما مع “الصين”؛ التي رأت في إفريقيا أرضًا مناسبا تنهم ثرواتها الطبيعية وتبحث فيها عن السيطرة.

    قروض هائلة..

    لدى حكومة الرئيس، “شي جين بينغ”، القدرة على منح قروض بمبالغ هائلة للأفارقة والاستثمار في بلادهم، وقامت “الصين” بتمويل 3 آلاف مشروع للبنية التحتية على مستويات عالية، ومنحت قروض وصلت قيمتها إلى 86 مليار دولار لحكومات القارة السمراء، كما تتبع دبلوماسية اقتصادية أيضًا مع شركات القطاع الخاص؛ إذ توجد 10 آلاف شركة صينية في إفريقيا، ويبدو أن تأثير “الولايات المتحدة” في العالم يشهد إنحصارًا كبيرًا وأن المنافسين؛ “روسيا” و”الصين”، قادران على مليء الفراغ الذي تركته.

    ويرى المؤرخ في معهد الدراسات الإفريقية بروسيا، “ديميتري بوندارنكو”، أن “الولايات المتحدة” والقوى الأوروبية ليس مرحبًا بها في إفريقيا، بينما على العكس يقابل أي عرض من جانب “روسيا” أو “الصين” بالكثير من الترحاب في أغلبية الدول الإفريقية التي تحتاج إلى تمويل أو أسواق لتعزيز اقتصاداتها.

    إحلال وتبديل..

    شهد حجم التبادل التجاري بين “روسيا” ودول إفريقيا، بشكل عام، تزايدًا كبيرًا خلال 7 أعوام في الفترة من 2010 وحتى 2017؛ إذ ارتفع من 1.6 مليار دولار إلى 4.2 مليارًا، لكنها لا تزال أرقامًا متواضعة إذا ما قورنت بحجم التبادل مع “الصين”، الذي تضاعف خلال نفس الفترة ووصل إلى 165 مليارًا، في حين فقدت “الولايات المتحدة”، خلال السنوات السبع، نصف تجارتها مع إفريقيا حتى وصل حجمها إلى 37 مليار دولار.

    وذكر الكاتب الأميركي، “هاورد دابليو فرنش”، في كتابه (القارة الصينية الثانية)؛ أنه: “بعدما علم الرئيس، جين بينغ، بأن إفريقيا باتت مهملة من الغرب بسبب الحرب الباردة، وجد فيها أرضًا مثالية يمكن اعتبارها قاعدة للاستثمارات الصينية الدولية”، وأضاف أن الثروات الطبيعية والمواد الخام الموجودة في القارة السمراء كانت أمورًا أساسية سمحت لـ”الصين” بتحقيق توسعات كبيرة.

    نشر الثقافة وتعاون في وسائل الإعلام..

    استخدمت “الصين” الثقافة من أجل تعزيز فرصها في القارة السمراء؛ إذ فتحت 50 معهدًا كونفوشيوسيًا لتعليم اللغة الصينية ونشر الثقافة بين الأفارقة، كما أفتتحت شركات تكنولوجية؛ مثل “هواوي” ومدارس وجامعات هناك، وتُعتبر “تنزانيا” مقرًا لإنعقاد جلسات “منتدى الدبلوماسية العامة بين الصين وإفريقيا”؛ الذي يناقش موضوعات تُخص الثقافة وتحسين الأحوال المعيشية ويُعتبر منصة للتفاهم بعيدًا عن الصحافة الغربية، فضلاً عن منتدى التعاون بين وسائل الإعلام الصينية والإفريقية الذي أقيم بالعاصمة، “بكين”، في حزيران/يونيو الماضي، من أجل تعزيز الحوار بين الجانبين والسماح لـ”الصين” بمساعدة إفريقيا على الوصول إلى التميز في الإعلام وتحقيق التنمية المستدامة في الرقمنة.

    وعلى الجانب الآخر؛ تسعى “روسيا” أيضًا إلى تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية في مجال الإعلام؛ فعلى سبيل المثال أطلق وزير الخارجية برنامجًا لتدريب المحررين الأفارقة؛ ودعا عشرات الصحافيين الأفارقة إلى زيارة مقرات وسائل إعلام روسية والحصول على فرصة التدريب بها، كذلك تستثمر “بكين” و”موسكو”، في مجال الإعلام، في عدة دول إفريقية.

    تعاون عسكري..

    وقعت “موسكو”، منذ معاقبتها على ضم شبه جزيرة “القرم”، في 2014، (19) معاهدة تعاون عسكري مع دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ ومن بينها “إثيوبيا ونيجيريا وزمبابوي”، وعلى الجانب الآخر، عندما طالبت “إفريقيا الوسطى”، العام الماضي، الدعم من أجل التمكن من محاربة الميليشيات المسلحة، قدمت لها “فرنسا” أسلحة كانت قد تحفظت عليها في “الصومال”، لكن “روسيا” اعترضت وأرسلت 9 طائرات محملة بالأسلحة، كما قامت بتدريب الجيش، ومن بين المدربين الذين أرسلوا كان، “فالري زاخاروف”، وهو رجل شخصيته غامضة أصبح فيما بعد مستشارًا للرئيس، “فاوستين اركانغ تواديرا”، وبهذه الطريقة تمكنت “موسكو” من الحفاظ على استثماراتها واستمرارية نشاط التعدين، بالإضافة إلى توسيع هيمنتها في البلد الإفريقي.

    صراع “روسي-صيني”..

    في ظل تمكن “موسكو” من تعزيز علاقاتها مع دول إفريقية، خلال السنوات الأخيرة، تجد “بكين”، التي قضت سنوات طويلة في القارة السمراء دون وجود منافس قوي، أنها باتت في حالة صراع معها، وبعدما كانت تستخدم لغة المال من أجل الضغط على الدول الإفريقية، باتت تستخدم لغة أكثر سلاسة ودبلوماسية.

    ومثال على ذلك ما فعلته؛ ردًا على طلب الرئيس الكيني بتعليق واردات “الصين” من “السمك البلطي”، لأن الكميات باتت كبيرة في الأسواق، فهددت بفرض عقوبات على “كينيا”، وحذرت من أنها قد تعلق إرسال دفعات إنشاء المرحلة الثانية من خط السكك الحديدية، الذي يربط “نيروبي” بـ”مومباسا”، وتبلغ تكلفة إنشاءه 3.2 مليار دولار، ويعد مشروع البنية التحتية الأضخم في تاريخ “كينيا”، لكن بعد أيام استخدمت “بكين” أسلوبًا أكثر هدوءًا، وأكدت أن الشراكة الإستراتيجية مع “كينيا” لن تتأثر بما حدث، وأنه لا يمكن ربط صادرات “السمك” بأية مشروعات أخرى.

    النظر بعين الريبة..

    بعد حوالي عقدين من التوغل الصيني الروسي، في القارة الإفريقية، يغلب القلق على مشاعر الأفارقة أكثر من الأمل، ووصف رئيس زامبيا السابق، “مايكل ساتا”، المشاعر التي يبعثها هذا “الاحتلال”، في وثيقة قدمها إلى “جامعة هارفارد”، وذكر أن: “استغلال الاستعمار الأوروبي لموارد القارة، مقارنة بما يحدثه الروس والصينيون يعتبر حميدًا، رغم أن الاستغلال التجاري لكلا منهما كان سيئًا”.

    وأضاف أن الأوروبيين كانوا يستثمرون في مشروعات البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية، وإنما “الصين” و”روسيا” لا ينفقون المال سوى من أجل نهب كل ما يمكن الحصول عليه من إفريقيا دون الاهتمام بأحوال الشعوب.

    حلوى صينية مغرية..  

    تشبه العروض الصينية للدول الإفريقية؛ الحلوى المغرية، التي تقدم لطفل جائع محروم، إذ تقدم عروضًا فريدة تتيح من خلالها الإقراض ومنح مساعدات من أجل التقدم وتمويل مشروعات البنى التحتية؛ مقابل السماح لها بالحصول على الموارد الطبيعية والانتشار في الأسواق الناشئة بالقارة السمراء، وتسيل اللعاب عليها أكثر، خاصة أن “بكين” لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول ولا تطالب باحترام حقوق الإنسان، لكن تلك الحلوى مصنوعة من “الحنظل” شديد المرارة وباهظ الثمن.

    وخلال السنوات الأخيرة؛ قامت “الصين” بتمويل إنشاء خط سكة حديد، وصلت تكلفته إلى 4 مليارات دولار لربط إ”ثيوبيا” بميناء “غيبوتي”، حيث أفتتحت المرحلة الأولى من مشروع إنشاء منطقة التجارة الحرة الأكبر في إفريقيا بتكلفة 3.5 مليارًا، كما تقوم بإنشاء مصنعًا للأسمنت في دولة “زامبيا”، بمبلغ 548 مليونًا، وتسعى دول عدة بتقديم اقتراحات لمشاريع واسعة النطاق لبعثات “بكين” على أمل أن تضخ استثماراتها.

    تدمير كلي للدول الإفريقية..

    على الجانب الآخر؛ تسبب النشاط الصيني في القارة الإفريقية إلى إلحاق كثير من الضرر بها، وهنا يبدأ الطفل يشعر بالمرارة، لكن الجوع يأكل جوفه فيستمر في الأكل دون أن يمنحه الآخر فرصة التوقف أو يقدم له البديل، إذ بنى الصينيون “مدينة الأشباح”، في “أنغولا”، بعدما فر سكانها منها، فضلاً عن الضرر البيئي، ودخلت كثير من الدول الإفريقية في دوامة الديون والعجز، وبلغت تكلفة سكة حديد “إثيوبيا” أكثر من المتوقع بنسبة 30%، لذا كان على الحكومة أن تطلب إعادة جدولة للديون ثمنها باهظ، بينما بلغت ديون “كينيا” مع “الصين”، 72%، من إجمالي ديونها الخارجية.

    وشهدت العلاقات “الصينية-الكينية” تدهورًا، خلال الفترة الأخيرة، على المستوى الدبلوماسي؛ خاصة بعدما وصف مستثمر صيني الشعب الكيني بأنهم “قردة”، ونشرت وكالات صحافية في “نيروبي” سلسلة من التحقيقات تكشف سوء معاملة وصلت إلى حد الإستعباد للعمال الكينيين في الشركات الصينية.

    أما “زامبيا”، الغنية بـ”النحاس”، الذي ارتفع سعره خلال السنوات الأخيرة، أصبحت مدينة لـ”بكين” حتى النخاع، لكن الشعب يرفض استغلال “الصين” لثراوته الطبيعية وخرجت مظاهرات في العاصمة، “لوساكا”، رفع فيها المتظاهرون لافتات مكتوب عليها (الصين = هتلر) و(قل لا للصين).

    طموحات عسكرية وشعور بالحق..

    ساهمت سياسة التوغل الثقافي والاقتصادي الصيني، طويل الأمد، إلى تأجيل التوسع العسكري، لكن في العام الماضي فتحت “بكين” أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في “غيبوتي”، التي تتمتع بموقعًا إستراتيجيًا متميزًا في “القرن الإفريقي”؛ وقريبة من الطرق البحرية الأكبر أهمية في العالم، وتُعتبر “غيبوتي” أيضًا مقرًا لقاعدة فرنسية كبيرة، وللقاعدة الأميركية الوحيدة في “إفريقيا”، والقاعدة الفريدة لـ”اليابان” خارج حدودها، لكن عندما أرادت “روسيا” المشاركة في اللعبة، وإنشاء قاعدة بها، أغلقت القوى الأخرى الطريق أمامها، لذا قامت بإنشاء مركزًا كبيرًا للعمليات العسكرية في دولة “إريتريا”، وقام وزير الخارجية الروسي، “سيرغي لافروف”، بجولة ترويجية مهمة شملت “أنغولا وزامبيا وموزمبيق وإثيوبيا وزمبابوي”، من أجل توقيع عدة اتفاقات لإنشاء مناطق اقتصادية والتنقيب عن المعادن، بالإضافة إلى التعاون العسكري.

    وشارك مدير العمليات العسكرية الروسية في الخارج، “ديمتري شوغوف”، في قمة “البريكس”، وأعلن خلالها عن توقيع مذكرة تفاهم مع “مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية”؛ للتعاون العسكري الذي يشمل تدريب مسؤولين أفارقة في القواعد الروسية.

    وأوضح الباحث في مؤسسة “كارينغي” للسلام الدولي، أن: “روسيا كان لديها دائمًا شعورًا بالحق في لعب دورًا مهمًا في إفريقيا مقابل السنوات التي قضتها في مساعدة عدة دول إفريقية في مواجهة الاحتلال، لكنها عندما تخلصت من مشكلاتها الداخلية وقررت العودة إلى القارة الإفريقية وجدت الصين وقد سيطرت وهيمنت على عدة دول في المنطقة، لذا حاولت التوغل من خلال صناعاتها القوية المتمثلة في صناعة الأسلحة ومشروعات البنية التحتية واستخراج النفط، والآن باتت محتكرة لسوق السلاح في القارة السمراء”.

    روسية متهمة في الحرب الأهلية في “إفريقيا الوسطى”..

    وجهت اتهامات عدة إلى “روسيا” بالضلوع في الحرب الأهلية في “جمهورية إفريقيا الوسطى”، وتشير أصابع الاتهام إلى منظمة “وانغر”، شبه العسكرية، الروسية التي تربطها علاقات وثيقة بـ”الكرملين”، وشكلت بواسطة قوات شبه عسكرية تشارك في الحرب في “سوريا” و”أوكرانيا”.

    لكن “روسيا” لم تقدم الدعم والتمويل للرئيس، “فاوستين أركانغ تواديرا”، بلا مقابل، إذ كان الثمن توقيع اتفاقية من أجل استكشاف إمكانيات التنمية ذات المنفعة المتبادلة للموارد الطبيعية في “إفريقيا الوسطى”، ومن أبرز رجال الأعمال المرتبطين بـ (وانغر)، “يوفغني بريغوزن”، وهو زميل قديم للرئيس، “فلاديمير بوتين”، في الاستخبارات الروسية، (كي. جي. بي)، وأحد المتهمين الرئيسيين في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية ودعمها للرئيس، “دونالد ترامب”، لكن عندما سافر 3 صحافيين روس إلى البلد الإفريقي للتحقيق في دور رجال “موسكو” في الحرب قتلوا جميعًا في ظروف غامضة.

    بينما نفى مستشار الرئيس، “تواديرا”، والعسكري الروسي السابق، “فالري زاخاروف”، كل الاتهامات التي وجهت إلى “موسكو”، أمام الصحافي الوحيد الذي استطاع الإلتقاء به، وصرح بأن: “البعض يقولون بأن هناك 5 آلاف جندي من القوات الخاصة الروسية في إفريقيا الوسطى، لكن السؤال هو لماذا تفعل روسيا كل ذلك ؟.. إننا هنا بموجب اتفاقية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وروسيا متواجدة هنا منذ عام 1964، ساعدنا خلال تلك الفترة في إنشاء بنى تحتية، وهناك مدرسين وأطباء روس في المدارس والمستشفيات”.

    وكشف رئيس منظمة شبه عسكرية أخرى، تابعة لـ”القوازق” تقوم بتوفير مقاتلين لشركات المقاولات الأمنية، أن عدد الميليشيات الروسية في “إفريقيا الوسطى” قد يصل إلى ألف جندي، ويتراوح عدد القوات الروسية في مجمل إفريقيا ما بين 5 و10 آلاف، أغلبهم يتركزون في “السودان وجنوب السودان وليبيا”.