15 فبراير، 2024 10:09 ص

مكتوب غير ملوث بالحنين

Facebook
Twitter
LinkedIn

هو أحساس متعاظم بفقدان شهية الكتابة . حدث الأمر بغتة . ألمعرقلات كثيرة ، وليس بمقدوري حسابها الآن . باردة هذه الليلة ، ومأوى العائلة على سكون عظيم . ثمة محاولات مرهقة لسد بعض ثقوب الوجع . مدفأة النفط المحمرة ، تجلب الكثير من مناظر الفرح العتيق ، لكن المرأى سيكون أجمل ، مع استتباب قوري شاي مهيّل فوق يافوخها . عندي قوري شاي معمول من مادة الفرفوري العزيزة . هو من الصنف الذي تحبه مثل أول حب . في باب قوري وقارورة الفرفوري ، أحنّ الى مشهدين قديمين : مشهد رجل كهل يشيل عدته ببطن سلة مصنوعة من سعف النخيل ، ويدور على بيوت المحلة ، مموسقاَ صوتاَ عذباَ ، يدخل الطمأنينة الى روح الأم التي سقط من يدها ، ماعون عرسها البديع ، وتفلّش الى خمس قطع وكمشة شظايا ، حتى بزغ من أخير الزقاق ، خياط الفرفوري العظيم ، فلملم حطام الماعون العزيز ، وبث فيه الحياة من جدة وجديد . أما المشهد الثاني الذي وعدتكم بالمجيء على ذكره قبل سبع دقائق ، فأظنني نسيته الآن . مخّي الليلة يتقلى فوق معمعة مرهقة . قلت في مفتتح الحكي ، أن معرقلات الكتابة الليلة ، عديدة . ثمة صفير حلو ينطلق من قوري الشاي ، يزيد على دفء المكان ، دفئاَ وحناناَ ، لكن عليّ أن أنزع نظّارتي كل مائة ثانية ، لأمسحها من حفلة بخار ترقص فوق زجاجها ، فتضببها ، فأعيدها مسندة فوق عظم خشمي الذي سيطلق بعد دقيقتين ، نفثة من بخار جديد ، فأنزعها ثانية ، فتضيع الفكرة ، كما ضاع من قبلها ، الخيط والعصفور وسلة العنب ، والبلاد . سأستميحكم عذراَ ، وأشيل من مكتوبي الليلة ، مفردة البلاد ، لأن نيتي كانت شديدة الوضوح ، وسطعت من خاصرة أول سطر مبين ، أن أكتب مكتوباَ غير ملوث بالحنين . عندي قدرة مهولة على تيبيس منابع الحزن . لا داخل حسن ولا سلمان المنكوب ولا عبادي العماري ولا نسيم عودة ، صديق خالي الحميم ، ولا ياس خضر في ” ألبنفسج ”  ولا حسين نعمة في ” يا حريمة ” ولا فاضل عواد في ” حاسبينك ” ولا ” سلامات ” حميد منصور ، ولا مقالي حنجرة رياض أحمد ، ولا مقام المنصوري المذهل من المغني العباسي المجيد يوسف عمر ، ولا نشرة أنباء وشالة الليل ، ولا رسائل عادل كامل . سينمو كأس العرق السمين الآن وبعد الآن ، فوق تلة من أغاني سخيفة ، وردحات يؤديها مغنون سخفاء ، وكلمات ينتجها شعراء سخفاء وطايح حظهم ، تنصت اليها بشغف ، من دون خسائر عاطفية كاسرة . أنا الليلة فرحان ، وغير مكترث ، وعايش أحسن عيشة ، وقدامي أطيب مزة ، وبلادي التي جارت عليّ ، مخلوعة من رأسي ، وصاحبي الذي قال لي الأسبوع الفائت : موت الكرفك علي ، عاد وطشّ فوق جبيني ، خمسة آلاف بوسة . فرحي الليلة بلا حدود . حبوري لم ينثلم حتى بعزف ناقوط الحنفية الخربانة ، الجاي من وجه المطبخ . أفكر اللحظة بشراء عشر بقرات سمان ، فأسمعهن موسيقى باخ وموزارت وبتهوفن – وقع هذا ببلاد الدانيمارك –  فتصير ضروعهن النازة ، بحر حليب دسم ، وضلوعهن ، ملابد لحم عظيم ، وعيونهن ، مثل عيون المها بين الرصافة والجسر . بقراتي لا يشبهن أبداَ ، بقرات صاحبي العمارتلي الحميم الذي زقّ آذانهن المشنفة ، بمصطفيات مميتة من طور المحمداوي الدامي ، حتى صبح الصباح على سبع فطائس ، وربع دبّة حليب ، وخيبة أبدية . انتهى المكتوب . دامت مسراتي . فيمالله .

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب