7 أبريل، 2024 10:48 ص
Search
Close this search box.

الشعر الشعبي : هل كان ابو سفيان عضو شعبة ؟

Facebook
Twitter
LinkedIn

عرضت قناة الفيحاء مهرجانا للشعر الشعبي في البصرة. ويدل اشتراك الشعراء في مفردات محددة في المهرجان على انه تم بإشراف جهة حكومية. مفردات حسب الطلب تواتر ذكرها عنوانا او مضمونا تتعلق بالبعثيين والمقابر الجماعية وانتفاضة 1991. ويبدو واضحا تزامن المهرجان مع ما أشيع عن إلقاء القبض على عدد من البعثيين الضالعين او المتواطئين في مؤامرة. وأود استباق التعليق على المهرجان ومضمون القصائد بالقول إن من حق أي إنسان تضرر من عهد البعث او حتى العهد الحالي أن يعلن شكواه ومظلمته، سواء عبر الطرق القانونية او بأي صورة يشاءها عن مظلمته. لكن ما يعد هنا مثار تحفظ هو العودة إلى الشعر الشعبي للترويج لأجندة سياسية، كما هو الحال في زمن البعث الذي عاد إلى الشعر الشعبي في الحرب العراقية الإيرانية بعد أن نبذه لمدة بحكم النزعة القومية للبعث “المزكيّة للفصحى”.

كان بعض العراقيين يتندرون في زمن الحرب مع إيران بان من أدام اشتعال فتيل الحرب هم الشعراء الشعبيون، بسبب ألفاظهم غير المحتشمة وشتائمهم للإيرانيين خلال مهرجانات الشعر الشعبي، فضلا عن مبالغاتهم في توصيف صدام، جنبا الى جنب في هذا الصدد الأخير مع شعراء القصائد العمودية. وفي هذا الإطار أتساءل: من الذي لن يصيبه الغرور والعظمة حين يسمع هذه الأبيات التي قالها شاعر شعبي بحق صدام “مو عجيبه إيلوذ بكتارك ذليل/ أنت ياما تلوذ بكتارك دول/ انته مثل الكاع لو رادت تميل/ الساتر الله من يمر بيك الزعل”؟ أو كيف لا “يتسودن” “القائد المناضل” وهو يسمع شاعرا عموديا يقول: تبارك وجهك الوضاء فينا.. كوجه الله ينضح بالجلال”! هذا الشاعر هو نفسه من قال له “أنت المؤمل فاطحن راس من دهما”، وكان رأس ذلك الشاعر احد الرؤوس التي دهما صدام حسين. وليس قدر الشعراء الشعبيين المداحين لصدام بأقل سوءا من شاعره العمودي الذي لم يشفع له حتى كونه كاتب نشيده الوطني. وربطا بشعرائنا الشعبيين موضع الحديث نقول لا فرق، فما زالوا ملكيين اكثر من الملك، وإن قالت لهم السلطة انتقدوا فإنهم يشتمون.

الحق يقال انه لم يكن في المهرجان المذكور مديح لشخص بعينه. ولكن فيه ذلك الذم والهجاء المبطن لمكونٍ تحت ستار البعث: فأبو سفيان حاضر بضراوة. ويصرخ شاعر بتفجع وبصوت عال (ولا ادري لِمَ هذا الصوت العالي): “حي على العقاب.. عظامنا تصيح”، و”نهد عليك بحيل علي، وعمر ابن العاص يرفع دشداشته”. وآخر يقول “كم سقيفة سنعيش”. وشاعر ثالث يرفع إصبعه متوعدا “حلم ترجع بديكم بعد”. ويقول رابع “لن ينقطع حيدر من الآذان”، وخامس لا يكتفي بكل هذا بل يعرض علينا مشهدا يليق بمحل قصابة أو مجزرة: “اكرههم واقل للروح احقدي.. وآكل من لحمهم لو وقع بيدي”. ان كلاما كهذا لا يستدعي الا مقولة شعبية مشهورة: “يردح حيل الما شايفها”. الرداحون يشعلون الفتيل والكراهية، ثم يختبئون متنادمين على خوف بانتظار انتهاء الوطيس. ماذا تريدون أيها السادة إشعال الفتيل الذي ستكونون أول الهاربين من حريقه؟

الهجاء هنا ليس للبعث فقط، وإلا هل كان أبو سفيان عضو شعبة مثلا، وعمر ابن العاص عضو قيادة قطرية؟ ثم والحق يقال أيضا يستدرك الشعراء بالوحدة الوطنية، ولكنها تظل مرسومة بمفردات الطائفة: (إذا قسمنا العراق شلون نقسم الحسين) كما يقول احدهم. ولا شيء يخص رموز التركمان والكرد وسائر الملل والنحل العراقية. ولابد أن استدرك بالقول إن أسماء أهل بيت النبوة اجلّ وأسمى من أن توظف في أجندة رثة وبائسة لا تشيع سوى الفرقة بين أبناء البلد الواحد. الأكثر بلوى هذا التبرع المجاني بأرواحنا الذي تحدثت عنه غير مرة “وطن نفديلك الآف وآحاد”. في الأول يجب أن يكون هناك وطن أولا نتفق على حدوده وعلى شعبه وبعد ذلك نقرر نفديه بأرواحنا أو لا نفديه. في ذلك استعادة لمفهوم دمر الدولة العراقية منذ نشأتها فالسيادة للأرض وليس للإنسان. آخر مشهد تلقيته، في هذا الصدد، من اليوتيوب وجاء من تكريت وعبر رابط أرسله صديق: شخص يزور قبر صدام، ومعه آخر يصور كل حركاته. جميع من حكمت عليهم المحكمة الجنائية العليا مثل علي حسن المجيد وطه الجزاروي وبرزان التكريتي وغيرهم شواهد قبورهم محفور عليها كلمات المجاهد الشهيد. أما قبر صدام فهو متحف لصوره ويبدو مثل مقام قديس أو ولي. ما يدع السؤال يجد مكانه الوجيه بشأن ما إذا كنا نتحدث عن وطن واحد وتاريخ واحد وعليه إجماع أبناء بلد واحد، كي يتبرع لاحقا شعراؤنا “الشعبويون” بأرواحنا فداء له.

لست بكاره للشعر الشعبي فهو قادر على التواصل مع الناس أكثر من كلماتنا الفصحى. وثمة صور فيه تستحق الإعجاب. لكن لي عتبا اخيرا على الشعراء: لماذا لا تستفيدون من تجربة الراحل عبد الحسين الحلفي ذلك البصرواي الشفيف ذي النقاء الكاسر بسخرية فطنة “قبل جانت رفيق وهسة مولاي.. الشعب باثنينهن ماشاف راحة”، او تجربة حمزة الحلفي العاطر بالنخيل والممانعة الغريزية اتجاه التجيير، وشذرات صباح الهلالي اللماح الشكس. واختم بعتب لشاعر موهوب هو سمير صبيح: يا من عاصرت أزمنتنا الموبوءة بالاحتباس والوجع، مالك تتبرع بادوار غير مطالب بها في زمن رخائك؟

 * صحيفة العالم

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب