28 فبراير، 2024 6:20 م
Search
Close this search box.

الثالوث المحرم والمنتهك ” الدين – الجنس – السياسة ” في الفضاء العربي الافتراضي – مدخل سايكواجتماعي 

Facebook
Twitter
LinkedIn

” الحرية أثمن ما في الوجود, ولذلك كان ثمنها باهظا ” – ميخائيل نعيمة

لقد تمكنت الثورة التكنولوجية والمعلوماتية من خلق ظروف جديدة للتواصل مع العالم الداخلي ضمن الحدود الجغرافية التقليدية للبلد الواحد من جهة ومع العالم الخارجي من جهة أخرى, وبكل ما في الأخير من أفكار وسلوكيات وثقافات وإيديولوجيات, وانجازات في مختلف الأصعدة, العلمية, والأدبية, والمهنية, والتقنية, بل ومع كل ما أنجزته البشرية في ارثها وحاضرها المدون و ألتماس آفاق مستقبلها. وكان ذلك بفضل الشبكة العنكبوتية الانترنيت وما يتبعها من شبكات التواصل, كالهواتف الذكية, والفيسبوك, والتوتير, اليوتوب وغيرها, مما اختزل ضرورات المكان والزمان في التواصل ألمعلوماتي.

وعلى خلفية الإحساس بالحاجة المتزايدة إلى هذا الانجاز انطلقت رحلة الانترنيت في البلاد العربية وانتشاره, ومن ورائه شبكات التواصل الاجتماعي, حيث يصل عدد مستخدمي الانترنيت إلى أكثر من 75 مليون مستخدم “حسب موقع نقودي كوم 2010 “), و إذا حسبنا الذين يربطون الهاتف الجوال بشبكة الانترنيت فأن عدد المستخدمين للانترنيت يتضاعف, وقد حققت البلاد العربية طفرة في نمو استخدام الانترنيت في السنوات الأخيرة بلغت 1200% ” حسب مؤتمر عرب نت 2010 ” , ولكن مع هذا النمو المطرد لا تزال نسبة استخدامه متدنية, حيث تتجاوز في أحسن الأحوال 2% قياسا بالاستخدام العالمي. وعلى العموم هناك اتجاهات نمو متصاعدة لاستخدام شبكة الانترنيت في العالم العربي !!!.

وقد جرت العديد من التجارب العربية لاستخدام الانترنيت وتوسيع نطاق عمله, كمحاولات لبناء الحكومات الالكترونية, ونشوء فضاءات معلوماتية مختلفة, علمية, وتعليمية ـ تربوية, وإدارية, ومهنية تخصصية: تجارية ومالية وصناعية واقتصادية, وقد سهلت نشوء بعض من التجارب فيما يسمى “بالمجتمعات” الافتراضية استنادا إلى أهدافها واهتماماتها المشتركة. ولكنها في البيئة العربية لا تزال أسيرة لمعوقات ذات طابع كمي وكيفي, والمتمثلة في تخلف البنية التحتية الاقتصادية والتكنولوجية الداعمة, والبنية السياسية وما يرتبط بها من حريات عامة وديمقراطية تؤمن سيولة نقل المعلومات وتبادلها والحد من الرقابة عليها واحتكارها, ثم العوامل الثقافية والتربوية وما يتعلق منها بالموقف من قبول التغيرات في القيم والاتجاهات السلوكية العامة الناتجة من استخدام التقنية, وكذلك الانتشار الواسع للامية في الوطن العربي الذي يحد من شيوع الانترنيت , ثم الموقف من المرأة والحيلولة دون مساهمتها في الانتفاع من خدمات الانترنيت أسوة بالرجل !!!!.

وفي الوقت الذي نشأت فيه الفضاءات والمجتمعات الافتراضية في البلدان الأم للشبكة العنكبوتية على خلفية التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والإيديولوجي والثقافي والصناعي والتكنولوجي, الذي ضمن مستويات من العدالة الاجتماعية والحريات العامة والفردية والديمقراطية لازلنا نفتقدها, وكان الفضاء الافتراضي نتاج لها وامتدادا لثقافتها, أي بمعنى آخر أن المجتمع الواقعي هو الذي أنتج المجتمع الافتراضي بما فيه من ايجابيات أو سلبيات, فأن المعادلة في مجتمعاتنا معكوسة تماما, حيث الافتراضي يحاول أن يخلق الواقعي, ولكن الافتراضي يدخل في صراعات عنيفة وصعوبات ميدانية مع الواقعي ناتجة من البون الشاسع بينهما, ويحاول الواقعي إبقاء الافتراضي معلقا في فضاءه الالكتروني دون أن يسمح له بأن يكون الأخير امتداد طبيعيا له, لأن ذلك يعني ممارسة النقد للبنية الفكرية والإيديولوجية والعقائدية لما هو سائد وهذا ما لم يسمح به الفضاء الفيزيقي الواقعي, بل هو يحاول النفاذ إلى الفضاء الافتراضي وفرض أجندته وإفساد الايجابي منها !!!!!.

و على هذا الأساس لا نستغرب أن يستحوذ الثالوث المحرم” الدين ـ الجنس ـ السياسة ” على مساحات واسعة في شبكات التواصل الاجتماعي العربية, بسبب من تابوية هذا الثلاثي وسريته الممقوتة من جهة, ومن جهة أخرى فأن تعديل العلاقة أو إعادة رسمها بين المكونات الثلاثة لهذا المحرم تشكل نقطة الانطلاق لكل تغير ايجابي مرتقب. فلا تزال الحريات العامة, من حرية الرأي والتعبير والمشاركة في صنع القرار مقموعة في بلادنا, وبالتالي تشكل حيزا كبيرا في الفضاء الافتراضي السياسي, كما أن الحديث عن الدين وعلاقته بالسياسة, وهل يجوز فصل الدين عن السياسة وما هي آفاق العلاقة بينهما ومن ثم العلمانية وسبل ومناخ ممارستها في الوطن العربي لا تزال من الموضوعات الساخنة في شبكات التواصل الاجتماعي, وكذلك العلاقة بين الجنسين وطبيعتها وآفاقها لا تزال من الموضوعات الشائكة ضمن موضوعات التواصل الاجتماعي ويعبر عنها بمظاهر مختلفة في الفضاء الافتراضي, كما أن الجنس والمرأة بشكل خاص وهي تقع في المنتصف, بين تفسيرات الخطاب الديني لحقوقها والتزاماتها وحدود تصرفاتها, وبين الخطاب السياسي وفهمه لحرية الفرد, رجلا كان أم امرأة, وهكذا على ما يبدو فأن كل ممنوع في الفضاء الواقعي هو مسموح و يمكن تداوله والحوار فيه في الفضاء الافتراضي !!!!.

وعلى خلفية الفهم المتباين للثلاثي المحرم ” الدين ـ الجنس ـ السياسة ” وفي ضوء انتفاء مجتمع واقعي يحمي الحريات الدينية والجنسية والسياسية ينشأ في الفضاء الافتراضي تجسيد لها بأشكال تثير الإعجاب أحيانا, وفي أحيان أخرى تثير التحفظ على محتواها ومصداقيتها, وتلعب شبكات التواصل الاجتماعي في هذا الميدان المجال المناسب لحالات تفريغ المكبوت لما يعانيه الفرد من ضغوطات وصدمات في المجتمع الواقعي في الدين والجنس والسياسة وغيرها دون اكتراث لنتائجها وتحمل تبعاتها بسبب من انعدام كينونتها الواقعية في المكان والزمان !!!.

لقد أتاح الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي فرص واسعة للحديث عن الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية, وتعبئة الرأي العام في نبذ قيم الدكتاتورية والعنف والاضطهاد, وعزز من مكانة الأفكار الديمقراطية وضرورتها في إدارة الشأن العام, مما ساعد ذلك كثيرا على تجاوز الثقافة التقليدية ومعاييرها  وزعزعة وضرب الثقافة ” الأبوية ” وسلطتها في العمق والمتمثلة ” براعي ” الشعب, وقائد الأمة, والملهم الأوحد, وقائد الضرورة, والمنتخب مدى الحياة, وغيرها مما تجلت به الثقافة العربية بوجهها المتخلف, كما أن هناك حديث مفعم بالمساواة بين الجنسين وضرورة مشاركة المرأة كاملة بالرجل في الشأن العام, وأن تقرر مصيرها بيدها دون وصاية تذكر, وهناك أيضا خطابا طموحا لرسم ملامح العلاقة بين الدين والسياسة. ولكن إلى أي حد يستطيع الفضاء الافتراضي ببعده الايجابي إيقاف تأثير مد الإيديولوجيات المتخلفة والفكر المتشدد والشمولي, الديني منه والسياسي, في ظل ضعف البدائل االايديولوجية والأفكار التحررية على ارض الواقع !!!.

في جانب مغاير وجد التطرف الديني في الثورة التكنولوجية والمعلوماتية ساحته المناسبة في خلق فضاء افتراضي متطرف يصعب الإمساك بخيوطه أو السيطرة عليه, فأنطلق بكل حمولته الإعلامية الخبرية والفكرية والفقهية عبر المجلات الالكترونية والصفحات المختلفة والأندية وغرف الدردشة لنشر الأفكار الهدامة والفتنة الطائفية والدينية بين أبناء الوطن الواحد وكذلك مع العالم الخارجي, مما حول هذه المواقع إلى ساحة حرب مكشوفة لترويج الفكر المتشدد وتكفير أتباع الديانات الأخرى السماوية منها وغير السماوية وتهديد النسيج الاجتماعي بمزيد من التشرذم والانقسام مما يعرض استقرار الوطن إلى مخاطر جدية غير محسوبة النتائج والآفاق, ومستندا إلى المتخصصين في “الفتاوى الشرعية”, التي تحلل الحرام وتحرم الحلال وتعث في الأرض فسادا لا حصر لحدوده ومظاهره, وتجد في جيوش الشباب المظللين في الشبكة العنكبوتية وقودا سريع الاحتراق عبر استمالتهم وغسل أدمغتهم وزجهم كمشاريع قتل في دائرة صراع ديني اجتماعي عقيم لا يحمل أي قيمة ايجابية لا لله ولا للوطن. أما الحديث عن دين وسطي يجنب الفتنة والتعصب الديني والطائفي في الفضاء الالكتروني كما هو على الأرض يبقى طموحات مشروعة لمحبي الإنسان والدين والوطن, إلا أن إمكانياته محدودة وغير مؤثرة, إلى جانب ما يثيره من تساؤلات حول مفهوم الوسطية في الدين وما هو سقفها, وخاصة عندما يتحول الدين إلى مشروع سياسي على الأرض, فأن تبادل المواقع بين ما هو وسطي وما هو متطرف يصبح سهلا, بل تنتفي فيه الحدود الفاصلة عندما يدعي الجميع الحكم باسم الإله المطلق وخلافته في الأرض, حيث يكون تكفير الآخر وإزاحته سيد المشهد السياسي على خلفية تفسير الخطاب الديني للتشبث بالسلطة !!!!.

أما على صعيد العلاقات بين الجنسين عبر الفضاء الافتراضي فقد وفرت شبكة الانترنيت فرصا واسعة ” للعشق ” الالكتروني الذي أماط اللثام عن المحرم الجنسي الذي يغص به المجتمع العربي الواقعي, بل يكاد هذا الموضوع البكر ينتقل بكامل قدراته الكامنة إلى الفضاء الالكتروني ليعبر جزئيا عن نفسه بمختلف مظاهر ممارسة ” الحب ” من غزل ودردشة واستمتاع تصل في أحيان كثير إلى الإحلال محل الإشباع المباشر للدافع الجنسي عبر تقنيات الالتقاء بين الجسدين عن بعد, وبعيدا عن ضغوطات البيئة المباشرة المتمثلة في البيت والشارع والثقافة السائدة والقبيلة والدين وكل الموروثات المانعة للعلاقات المباشرة بين الجنسين على الأرض, مما يهدد بنشوء عالم آخر منافي بكليته للأعراف السائدة, مما حدي برجالات الدين والمفتين كعادتهم الدخول على خط التحريم واعتبار ذلك من المحرمات ولكنها لاتصل إلى حد الزنا, باعتبار أن الزنا يثبت بوجود ” الإيلاج “, واعتبروا العشق الالكتروني حرام يجب التوبة عنه, فهو محرم لديهم في الأرض كما في السماء الالكتروني !!!!.

وقد صاحب العلاقات الافتراضية بين الجنسين الكثير من النصب والتحايل بل والتنكيل بين أطراف العلاقة, وإخفاء الوجه الحقيقي لكلا طرفي العلاقة عبر إعطاء صورة مزيفة وغير واقعية عن كلاهما, وصلت إلى حد أن كلا طرفي العلاقة من جنس واحد ذكور أو إناث وهم لا يعلمون, ولكن أيضا هناك فسحة محدودة من النجاح في هذا الجانب قد تصل إلى حد الزواج لاحقا, طبعا إلى جانب ما يؤديه هذا النوع من العلاقات في التخفيف من شدة الكبت والعزلة الاجتماعية بين الجنسين. ولعل أفضل ما تم التوصل إليه من حلول توفيقية في هذا الجانب هو إيجاد مكاتب الزواج الإسلامي الالكترونية, عبر ترك معلومات موثقة عن الرجال والنساء لكي تسهل مهمة اختيارهم لبعضهم, وقد نشطت هذه المكاتب في الكثير من الدول العربية وخاصة مصر لمعالجة ظاهرة العنوسة التي بلغت أكثر من 10 ملايين امرأة والعزوبية في أوساط الشباب, وقد أجيزت هذه المكاتب شرعيا, وقد نشأت في أحضان هذه المكاتب تجارب زوجية ناجحة وأخرى فاشلة. وتبقى تنظيم العلاقات بين الجنسين تتجاوز حدود إنشاء مكاتب شرعية أو الإفتاء بعدم صلاحية الفضاء الافتراضي, فهي أولا وأخيرا مرتبطة بإعادة صياغة العلاقة بين الجنسين على ارض الواقع على أسس اجتماعية تضمن المساواة بينهما, وذلك مرتبط بوضوح أفكار العدالة الاجتماعية وسقفها في هذه البلدان !!!!.

وفي السياسة لعب الفضاء الالكتروني دورا كبيرا في فضح وكشف الأنظمة الرجعية والدكتاتورية وثقافة الاستبداد والانفراد بالسلطة, سواء من قبل سلطة الحزب الواحد أو سلطة العائلة المالكة, مما هيأ ظروفا مواتية للتعبة الحشدية العارمة, ولعل أفضل حالات تجسيدها هو الثورات العربية الالكترونية التي انطلقت في بعض من العواصم العربية مسقطة فوبيا الخوف من الأنظمة العربية, والأجهزة المخابراتية والأمنية التي لا تقهر, ونقلت الخوف إلى ملعب الأنظمة السائدة, ووضعها أمام مسؤولية وضرورة الإصلاح الجذري في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, كما استطاعت هذه الثورات أن تحييد شرائح واسعة من النظام ومؤسساته وأجهزته وتعطيلها عن العمل القمعي, إن لم تنظم إلى صفوف الثوار في بعض منها, كما عززت إمكانية قيام الثورات دون الانتظار إلى النضوج التام للعوامل الذاتية للثورة المتمثلة بأحزاب المعارضة, كما روجت هذه الثورات لأفكار العدالة الاجتماعية وضرورة بناء نظم قائمة على الديمقراطية والتعددية الحزبية. ويبقى مستقبل الثورات على الأرض رهن القدرات الذاتية للأحزاب والقوى الفاعلة على الأرض لاستقراء مستقبل الثورات ونجاحها في تحقيق أهدافها في الحق والعدل والمساواة !!!!.

أن إعادة النظر في العلاقة بين عناصر الثالوث المحرم ” الدين ـ الجنس ـ السياسة ” يعني مما يعنيه إعادة النظر بصياغة الإنسان المعاصر ومكانته الحقيقية باعتباره مصدر للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية, وإعادة صياغة العلاقة بين الدين بالسياسة بما يضمن مكانة متميزة للدين في حياة الناس ويهيئ ظروف أفضل للسياسة أن تعالج هموم الناس وانتشالها من الفقر والتخلف الاجتماعي, وأن إعادة النظر في العلاقة بين الدين والسياسة يعني في المحصلة النهاية التصحيح الجذري للعلاقة بين الجنسين وإعادة تشكيلها على أسس سليمة تضمن التطور المتكافئ لكلا الجنسين في الحقوق والواجبات والعلاقات العامة. أن ذلك يعتمد بشكل كبير على مدى قدرة أفكار وإيديولوجيات التمدن والديمقراطية والمساواة للمساهمة في التغيرات الثورية الجارية على الأرض العربية, وهي القادرة على تهذيب الافتراضي وعنفوانه واندفاعاته كي يصبح نموذجا أكثر واقعية !!!!!.

مقالات اخري للكاتب

أخر الاخبار

كتابات الثقافية

عطر الكتب