“ماكرون” .. هل يستطيع حلم شاب فرنسي إحياء النيوليبرالية ؟

    كتب – محمود زين :

    قدم “مانويل ماكرون” الفائز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية نفسه على أنه مرشح “النيوليبرالية” ومؤيد وحدة الاتحاد الأوروبي خلال الحملة الدعائية للسباق نحو الإليزيه.

    في المقابل، كانت هناك مرشحة حزب الجبهة الوطنية “ماريان لوبان” التي تنتمي إلى اليمين المتشدد وتدافع عن الحمائية في الاقتصاد والانفصال عن الاتحاد الأوروبي، على نفس خطى بريطانيا فيما يسمى بـ”بريكسيت”.

    مستقبل فرنسا في الاتحاد الأوروبي..

    حظيت الانتخابات الفرنسية بمتابعة عالمية لأنها كانت أيضاً تمثل تصويتاً سيحدد مسار المراحل المقبلة من مستقبل الاتحاد الأوروبي، الذي تأثر سلباً بقرار البريطانيين خلال الاستفتاء الذي أجري في حزيران/يونيو 2016، وأفضى إلى انفصال بريطانيا عن التكتل الأوروبي.

    وكانت احتمالية فوز اليمين المتشدد في الجولة الثانية من شأنها أن تمثل خطورة كبيرة على حلم الوحدة الأوروبية والعكس صحيح في حال فوز ماكرون.

    وإزاء هذا الوضع، كان أمام الناخبين والمتابعين باهتمام لمجريات الأمور في فرنسا دعم أحد المرشحين وتحمل تبعات ذلك.

    مفاجاة الجولة الأولى..

    على غير العادة ولأول مرة في تاريخ الجمهورية الفرنسية، مُني التكتلان السياسيان الكبيران في فرنسا، الاشتراكي واليميني، بالهزيمة في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

    الجولة الثانية اختبار وعي..

    باتت الخيارات المتاحة في الجولة الثانية للانتخابات الفرنسية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى وعي وثقافة وإدراك الشعب الفرنسي، إذ باتت الخيارات محصورة ما بين سياسات النيوليبرالية التي يدافع عنها المرشح الشاب والأفكار اليمينية المتشددة التي تطلع لتطبيقها لوبان.

    المنافسة بنكهة أميركية..

    الصورة كانت تماثل ما حدث في السباق الأميركي نحو البيت الأبيض، عندما تنافست “هيلاري كلينتون”، ممثلة عن التوجهات الليبرالية والديمقراطية و”دونالد ترامب” ممثلاً عن اليمين  والحمائية.

    رجل دولة..

    نجح ماكرون في اقتناص رضا وإعجاب الناخبين لأنه يمثل “رجل دولة”، عمل وزيراً لواحدة من أهم الحقائب الوزارية (الاقتصاد) في عهد الرئيس الاشتراكي “فرانسوا هولاند”.

    في المقابل، كانت مرشحة اليمين المتشدد تمثل الحمائية على المستوى الاقتصادي والانفصال عن النادي الأورووبي على المستوى السياسي والكبت والتقييد للحريات على المستوى الاجتماعي.

    السيدة الأولى.. رومانسية خارج نطاق التاريخ..

    على المستوى الاجتماعي، كان الناخبون معنين أيضاً بمن سيقف إلى جانب رئيس فرنسا لأنه سوف يمثل بلادهم أمام المجتمع والعالم.

    الأمر يتخطى نطاق المعقول والمعتاد أمام المجتمع الذي يطل من نافذة السياسة على حالة نادرة من الحب تجمع طالباً (ماكرون) ومعلمة (بريغيت)، يفصل بينهما فارق زمني يبلغ 24 عاماً، في ظاهرة حب لا تعرف الحدود والفوارق، أو ما يمكن توصيفه بأنه أحد أنواع “الليبرالية العاطفية”.

    بعد فوز زوجها ماكرون (39 عاماً) بالرئاسة في فرنسا، صارت بريغيت (64 عاماً) سيدة فرنسا الأولى، ليكونا بذلك أول ثنائي خارج إطار المألوف يدخل الإليزيه لفارق السن الكبير بينهما، ما أثار فضول الصحافة في فرنسا وخارجها.

    بدأت قصة حب “ماكرون” و”بريغيت” بين تلميذ ومدرسته، فقد كان فتى في الـخامسة عشرة من العمر حين ألتحق عام 1993 بدروس المسرح في مدرسته في أميان، المدينة الهادئة في شمال فرنسا. هناك كان ينتظره لقاء قلب حياته رأساً على عقب، إذ أغرم بمعلمة المسرح بريغيت، وكانت متزوجة وأم لثلاثة أولاد، وتكبره بنحو 24 عاماً.

    في العام التالي، كان في الصف الثاني الثانوي، حين تحدى المحرمات وأعلن لها عن حبه.

    تروي زوجته المنحدرة من عائلة (من صانعي الحلويات) تحظى بالاحترام في أميان، “في السابعة عشرة من عمره، قال لي إيمانويل: مهما فعلت، سوف أتزوجك !”.

    وتشرح أيضاً، في وثائقي مصور مؤخراً، عن زوجها “لم يكن كسائر الشباب، لم يكن فتى.. كنت مفتونة تماماً بذكاء ذلك الشاب”. وتضيف: “شيئاً فشيئاً، هزم مقاومتي”.

    ارتأت عائلة الشاب أن ترسله إلى باريس سعياً منها لإخماد نار تلك العلاقة، فباشر دراسة جامعية ناجحة. لكن “ماكرون” لم يبدل رأيه، وقال في كتابه (ثورة / ريفولوسيون): “كان يتملكني هاجس.. فكرة ثابتة: أن أحيا الحياة التي اخترت مع المرأة التي أحببت.. أن أبذل كل ما بوسعي لتحقيق ذلك”.

    وتمكن من تحقيق هدفه في تشرين أول/أكتوبر 2007، فتزوج حبيبته. وكتب مشيداً بشجاعة زوجته: “كان ذلك التكريس الرسمي لحب بدأ سراً، وغالباً ما كان خفياً، غير مفهوم من الكثيرين، قبل أن يفرض نفسه على الجميع”.

    تولي حقيبة الاقتصاد..

    خلال عام 2014، اتخذ الرئيس الإشتراكي الفرنسي المنتهية ولايته “فرانسوا هولاند” قراراً بالتحول نحو الليبرالية في سياسته، وقام بتعين “ماكرون” وزيراً للاقتصاد خلفاً لـ”ارنو مونتبورغ” الذي كان يتبع سياسة أكثر حمائية.

    إلا أن “ماكرون” قرر في عام 2016 ترك الحكومة لاعتبار أنه لم يحقق تقدماً سريعاً بشكل كاف يرضي طموحه ليتفرغ بعد ذلك لخوض الانتخابات الرئاسية.

    مع احتدام المعركة الانتخابية بين اليمين المتطرف والنيوليبرالية، دعى العديد من الزعماء إلى تأييد “ماكرون” في الجولة الثانية.

    “هولاند” يدعو الناخبين لدعم “ماكرون”..

    طالب “هولاند” المواطنين بالتصويت في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية لصالح وزير الاقتصاد السابق بهدف مواجهة الانقسام الذي سينجم عن فوز اليمينية المتطرفة، “لوبان”.

    وقال الزعيم الاشتراكي، في خطاب متلفز، من قصر الاليزيه: “الصمت أو اللامبالاة لا يساعدان إزاء المخاطر التي يمثلها فوز لوبان. يجب الحشد. سأدلي بصوتي لصالح ايمانويل ماكرون”.

    “أوباما” يعلن تأييد “ماكرون”..

    أعرب الرئيس الأميركي السابق “باراك أوباما” – على غير العادة – عن دعمه للمرشح الليبرالي في السباق نحو الإليزيه، معتبراً إياه مدافعاً عن الحقوق الفرنسية والأوروبية.

    وأوضح أوباما في شريط مصور، نشر على حساب ماكرون على شبكة التواصل الاجتماعي “تويتر”، إنه لا يرغب في التدخل في حملات انتخابية، لكنه يعتبر أن الانتخابات الفرنسية “مهمة للغاية” لابداء رأيه.

    وقال الرئيس السابق الذي انتقد تدخل “روسيا” في السباق الرئاسي الأميركي إن “الانتخابات في فرنسا تتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة لمستقبل فرنسا والقيم التي نحميها. نجاح فرنسا يهم العالم بأسره”.

    وأكد أوباما، الذي لم يشر قط إلى خصمة ماكرون في الجولة الثانية، على أن المرشح دافع عن القيم الليبرالية وأبرز الدور المهم الذي تلعبه فرنسا في أوروبا وفي العالم وتعهد بمستقبل أفضل للفرنسيين.

    وأوضح أنه تحدث مؤخراً مع ماكرون عن “حركته المستقلة (إلى الأمام) ورؤيته حول مستقبل فرنسا في محادثة جرت في 20 من نيسان/ابريل الماضي.

    وأكد ماكرون على أن دعم أوباما أسعده لأن الرئيس الأميركي السابق “يدعم الحركات الديمقراطية والجهد الأوروبي”.

    فوز ماكرون..

    أعطى الفرنسيون في السابع من آيار/مايو الجاري ظهورهم للقومية الحمائية ومعاداة الأجانب التي تتجسد في شخصية “لوبان” بمنح الثقة لمرشح يحظى بأفكار ليبرالية والذي تقدم دون دعم حزب تقليدي لمنح مزيد من المصداقية لاقتراحه الإصلاحي.

    وقوبل فوز ماكرون بترحيب واسع النطاق بعد أن حصل على دعم 66.06% من إجمالي الأصوات في الجولة الثانية مقابل 33.94% لمرشحة اليمين المتشدد.

    ويكمن السر في نجاح ماكرون في السباق الرئاسي في قيامه ببناء رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية، ترتكز على فكر وتحركات أسلافه من الإصلاحيين في اليسار واليمين على حد السواء.

    ويعد فكر ماكرون بمثابة رؤية عملية للغاية، مستمدة في الأساس من فكر أسلافه على الساحة السياسية.

    ولعل من أبرز السياسيين الذين مثلوا مرجعاً لماكرون، الإصلاحيين اليساريين “بيير منديس فرانس”، و”ريمون بار”، والليبرالي المحافظ “فاليري جيسكار ديستان”، والاشتراكي “فرانسوا هولاند”.

    تحديات المستقبل..

    من المتوقع أن يواجه زعيم حركة “إلى الأمام” الكثير من التحديات خلال فترة حكمه التي تمتد 5 سنوات.

    ويرجع ذلك إلى أن ماكرون يطمح في إنشاء “نظام سياسي جديد” في فرنسا، ويأمل في أن يجعل من حزبه أول قوة سياسية وطنية على الساحة الفرنسية، التي ستعمد إلى تبني مبادئ “الجمهورية التقدمية”.

    وسيقود ماكرون جملة من الإصلاحات الرمزية في البلاد. وسيكون الإرهاب بمثابة التحدي الأكبر الذي ستواجهه فرنسا خلال العقد القادم.

    التنافس المقبل في الانتخابات البرلمانية..

    يبدو “ماكرون” واثقاً من قدرته على الفوز بغالبية مطلقة في مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان)، خلال الانتخابات التشريعية المقررة في حزيران/يونيو المقبل.

    السعي لتكوين نظام سياسي جديد..

    في حال تفوقت الحركة الوليدة التي بات اسمها بعد الفوز في الرئاسة “الجمهورية إلى الأمام” في الانتخابات التشريعية المقبلة، سيتمكن ماكرون من تشكيل غالبية متكافئة تضم مختلف الأطياف السياسية.

    وسيتوجب على الاشتراكيين والمحافظين والوسطيين الذين يرغبون في العمل مع ماكرون التخلي عن أحزابهم القديمة في سبيل الانضمام إلى الغالبية التي ستحدد ملامح النظام السياسي الفرنسي الجديد.

    وأوردت صحيفة (آيه. بي. سي) الإسبانية أن ماكرون قدم مشروعاً ليبرالياً تطوعياً، لم تشهد له فرنسا مثيلاً منذ عهد “ريمون بار”.

    وفي هذا الصدد، أعرب الرئيس المنتخب في مقالته “الثورة” عن تأييده للعقيدة الليبرالية الفرنسية التي أسسها “فرانسوا غيزو”، وهو واحد من رموز الليبرالية الوطنية في فرنسا.

    وبينت الصحيفة أن الرئيس الجديد قد أبدى من خلال برنامجه الاقتصادي الفريد من نوعه ثقته في المهارات الإبداعية والريادية للفرنسيين، علماً بأن هذا البرنامج يعد بمنأى عن تدخل اليمين واليسار.

    وتعد هذه الليبرالية الاقتصادية الأقرب إلى توجه “بيير منديس فرانس” الاقتصادي، مقارنة بغيرها.

    ماكرون وأوروبا..

    وضع ماكرون أوروبا في قلب مشروعه الرئاسي، خاصة وأنه أبرز دعم وحدة القارة خلال الحملة الانتخابية عكس لوبان.

    وبات ماكرون من أكثر الرؤساء الموالين لأوروبا، منذ عهد الرئيس الفرنسي “فاليري ديستان”.

    وأضافت الصحيفة أنه على المستوى الدبلوماسي، يحظى ماكرون بدعم واسع النطاق على الصعيد الوطني.

    أما على الصعيد الأوروبي، تعد النخب الحاكمة أفضل حليف لماكرون. وفي الوقت ذاته، يعمل ماكرون على تعزيز العلاقات الدبلوماسية الوطنية، والأوروبية والأطلسية والغربية، على التوالي.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا