أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية يتم بثها داخل المجتمعات النامية تحت لافتات حقوق الإنسان رغم مضمونها الرفاهي !

الجمعة 22 كانون أول/ديسمبر 2017
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : حاوره – محمد البسفي :

“العولمة”.. ذلك الاخطبوط الهلامي الواثق الذي بات يحوطنا بأذرعه الثقافية والاقتصادية وغيرها من عشرات الأذرع التي باتت تسيطر بنعومة وتتغلغل بإصرار قوي على كافة مناحي حياتنا اليومية كأبناء دول العالم النامي أو دول الجنوب – بلغة الأمس –، وأصبحت “العولمة” هي الأيدي الوحيدة التي تشكل لنا مجتمعنا الوطني بمقوماته الحضارية والتأريخية حتى ذائقته الفنية وتذوقه للمأكل والمشرب.. ورغم مئات الدراسات والأبحاث التي كتبت ومازالت تُدرس لفهم وفحص تأثيرات موج “العولمة” الكاسح لنا في دوماته وأعاصيره، أرتأت (كتابات) فتح ملف “مكافحة العولمة”.. وهو مجموعة من الحوارات مع زمرة من المتخصصيين والمثقفين، يدور النقاش خلالها على محورين أساسيين؛ أولهما “هل نستطيع ؟”، أما الثاني فسوف يبحث في: “كيف نستطيع ؟”..

في مقدمة مقالته المتخصصة، (الصراع حول العولمة.. تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس المال عالمياً)، المنشورة خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي، أراد الباحث والخبير الاقتصادي المصري “مجدي عبدالهادي”، إسقاط أسطورة الحداثة الكلية لظاهرة العولمة اقتصادياً؛ قائلاً: “.. فيما الواقع أنها حتى مفهومياً ليست شيئاً يحددونه بدقة؛ فلا غرابة من ثم في سيل الكتابات الذي لا ينتهي مُحاولاً تعريفها ومناقشتها باستفاضة من كافة جوانبها تقريباً، فيما عدا أكثر جوانبها أهمية، بل محورها بالأحرى، الجديد القديم الذي يؤكد أنها ليست ذلك الشيء الجديد تماماً، وهو توسّع رأس المال كقلب مُحرك وكمضمون فعلي لهذه العولمة، وهو ما يدخل أيضاً في باب التشويش على المصالح الكامنة خلفها، أو بالأحرى خلف الشكل المرغوب فرضه منها !”..

ليمضي شارحاً آليات توسع رأس المال داخل تلك المنظومة، الشمولية، وبالتالي آليات بسطها وسيطرتها على مختلف الأصعدة، ويتوقف “عبدالهادي” قليلاً عند صعيد التجارة قائلاً: “نجد تفاوتاً في القدرات الإنتاجية يخلق ويعزز قدرة القوى الأكثر تقدماً على فرض تقسيم عمل دولي يكرّس ويعزز مواقعها المتقدمة في النظام العالمي، وهو ما بدأ باحتكار النشاط الصناعي في المراكز وحصر الأطراف في إنتاج المواد الأولية، ثم مع التطور في القوى والهياكل الإنتاجية، تم الانتقال إلى مستوى وشكل جديد من تقسيم العمل الدولي، يقوم على احتكار تلك المراكز للسلع الصناعية، ولاحقاً المراحل الإنتاجية، المتقدمة عالية القيمة المُضافة وترك السلع الصناعية والمراحل الإنتاجية التي تقادمت وأصبحت متخلفة ومحدودة القيمة المُضافة للأطراف، وهو ما تفسّره نظرية (دورة حياة المُنتج) لرايموند فيرنون، التي تقسّم حياة المُنتج لأربع مراحل؛ (هي: الظهور والنمو والنضج والانحدار)، حيث يتحدد موقع إنتاج المنتج بحسب مرحلة حياته، فالمنتج في طور الظهور والنمو يكون إنتاجه حكراً على المراكز الرأسمالية التي تكون الأقدر على ابتكاره وإنتاجه؛ وتحوز في المقابل أرباحاً احتكارية، ثم في مرحلة نضجه ينتشر إنتاجه بين عديد من المراكز الرأسمالية والدول الوسيطة، فتزداد المنافسة وتتنمط العمليات الإنتاجية وتنخفض الأرباح؛ ثم يصل لمرحلة التدهور بتحوله لمنتج تقليدي لا يحقق أية أرباح احتكارية ولا يتطلب مهارات عمالية خاصة؛ فتنقله الشركات الدولية للأطراف الرأسمالية لتعوّض اختفاء الأرباح الاحتكارية بمزايا انخفاض الأجور وغياب التكاليف البيئية في تلك الدول، وهو ما يمثل العلاقة بين التجارة والاستثمار في عملية تقسيم العمل الدولي؛ حيث تتلاشى مزايا التقسيم على صعيد التجارة السلعية؛ فيتم الانتقال عبر الحدود للاستفادة من مزاياه على صعيد تصدير رأس المال”.

ومع المحور الأول: “هل نستطيع ؟”.. يبدأ النقاش مع “محدي عبدالهادي”:

(كتابات) : هل العولمة مرتبطة بسياسات النيوليبرالية ؟

  • مرتبطة تاريخياً بالطبع، لكن لابد من عكس الترتيب.. فالنيوليبرالية هي المرتبطة في الحقيقة بحركة العولمة، وقبل هذا لابد من ضبط المصطلحات ورفض ما شاع منها لأغراض إيديولوجية وعملية، وهو ما لا يتم بالعودة للقواميس، بل للتاريخ لوعي المفاهيم في مضمونها الواقعي ومحتواها الحقيقي.

فالعولمة لا تعدو أن تكون اسماً مُستحدثاً للعملية التاريخية المُتمثلة في توسّع رأس المال عالمياً، وهي عملية قديمة لم تنشأ فجأة، بل فقط تعود وتجدد أشكالها وأساليبها كل فترة، فضلاً عن اتساع نطاقها، مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية .. إلخ.

أما النيوليبرالية فقد نشأت تاريخياً؛ كتعبير عن العودة للرأسمالية في شكلها الطبيعي، المتوحش، الذي يقدّم المصالح الربحية للطبقات المالكة على ما سواها من طبقات اجتماعية، ما بدأت بوادره مع أزمة المعسكر الاشتراكي وتراجع تهديده، والضعف المصاحب لتنظيمات اليسار وحركات التحرر الوطني على مستوى العالم؛ ما أضعف تسوية “الرأسمالية الشعبية” المزعومة و”الاشتراكية الديموقراطية” في الخمسينيات والستينيات.

وهكذا فالعولمة عملية سابقة تاريخياً على النيوليبرالية، فالأخيرة نتيجة لها، وليست سبباً ولا عملية مستقلة عنها، بل كانت محاولة لحل أزمات ذلك التوسع وآثاره المحلية والعالمية، ما تيّسر فرضه مع تفاقم أزمة المعسكر الاشتراكي وتراجع تهديده، وتفكك معسكر التحرر الوطني.

لكن الرابط بينهما تاريخياً كان أزمة السبعينيات في المراكز الرأسمالية، تلك الأزمة المزمنة التي تلت عقديّ الرخاء التاليين على الحرب العالمية الثانية، هذين العقدين الاستثنائيين المرتبطين بحالتي إعادة الإعمار، (التي وسّعت الطلب الاستثماري والاستهلاكي)، وإعادة التوزيع، (التي وسّعت الطلب كذلك ورفعت كفاءة رأس المال البشري وحققت الاستقرار الاجتماعي)، بما مثلتاه من قاعدة تحتية للكينزية التي أصطدمت سريعاً بالتناقض بين تعزيز النزعة الاستهلاكية من ناحية وتعمق الأوضاع الاحتكارية مع تسارع تطبيقات الثورة التكنولوجية من ناحية أخرى؛ ما خلق تناقضاً بين الطلب والعرض، والسياستين المالية والنقدية، إنعكس في حالة من التضخّم المستمر مع تزايد البطالة، انفصمت معها العلاقة العكسية لمنحنى “فيليبس” بين التضخم والبطالة، (أي قبول رفع التضخم كثمن للبطالة أو العكس)، فتزايد الصراع بين الأرباح والأجور بما له من ضغط على النمو؛ فكان التواطؤ بين الحكومات ورأسماليات المراكز على الإستفادة من الوضع الدولي المواتي والثورة التكنولوجية؛ فكانت الثاتشرية والريجانية في بريطانيا وأميركا، من توجيه السياسات النقدية لتقليص الأجور بالتضخم والسياسات التجارية والاستثمارية بالتوسع الخارجي لكسر النقابات العمالية، ومن ثم تسهيل السياسات المالية لإعادة التوزيع الرجعية لصالح الملاك؛ وكلها كما ترى سياسات لزيادة الأرباح ومقاومة الميل المتأصل لإنخفاض معدل الربح المرتبط بتزايد التركيب العضوي لرأس المال.

(كتابات) : هل العولمة لا تسمح إلا بنمط السوق الإستهلاكي لدول الجنوب/النامية ؟

  • بالطبع، فبحكم طبيعتها كحركة لتوسع رأس المال من المراكز الرأسمالية في الشمال إلى خارجها؛ فإن ما يبقى للجنوب، أو بشكل أكثر دقة وتقنية، ما يبقى للأطراف الرأسمالية، هو ما تنقله معها حركة رأس مال المذكورة من المراحل والعمليات الإنتاجية، فيتعلق الأمر بالحلقات التي تتركها رأسماليات المراكز لرأسماليات الأطراف؛ كونها لم تعد مجدية ربحياً بالنسبة لها؛ فتتركها لصالح حلقات القيمة المُضافة الأعلى، فتحتكر رأسماليات تلك المراكز المراحل الإنتاجية المتقدمة تقنياً عالية القيمة المُضافة، وتترك للأطراف المراحل الإنتاجية التي تقادمت وأصبحت متخلفة تقنياً ومحدودة القيمة المُضافة، وهو ما تفسّره نظرية “دورة حياة المُنتج” لرايموند فيرنون، التي تقسّم حياة المُنتج لأربع مراحل، (هي: الظهور والنمو والنضج والانحدار)، حيث يتحدد موقع إنتاج المنتج بحسب مرحلة حياته، فالمنتج في طور الظهور والنمو يكون إنتاجه حكراً على المراكز الرأسمالية التي تكون الأقدر على ابتكاره وإنتاجه؛ وتحوز في المقابل أرباحاً احتكارية، ثم في مرحلة نضجه ينتشر إنتاجه بين عديد من المراكز الرأسمالية والدول الوسيطة، فتزداد المنافسة وتتنمط العمليات الإنتاجية وتنخفض الأرباح؛ ثم يصل لمرحلة التدهور بتحوله لمنتج تقليدي لا يحقق أية أرباح احتكارية ولا يتطلب مهارات عمالية خاصة؛ فتنقله الشركات الدولية للأطراف الرأسمالية لتعوّض اختفاء الأرباح الاحتكارية بمزايا انخفاض الأجور وغياب التكاليف البيئية في تلك الدول، وهو ما يمثل العلاقة بين التجارة والاستثمار في عملية تقسيم العمل الدولي؛ فعند هذه الحلقة تتلاشى مزايا التقسيم على صعيد التجارة السلعية؛ فيتم الانتقال عبر الحدود للاستفادة من مزاياه على صعيد تصدير رأس المال.

ينتج عن هذا أن تبقى أسواق رأسماليات الأطراف أسواقاً استهلاكية؛ لأنها نادراً ما تنتج منتجاً كاملاً على أرضها؛ فكل ما تساهم به حلقات طرفية محدودة الإنتاجية والقيمة المضافة في نهاية سلاسل القيمة المضافة العالمية، ويتم نزح معظم أرباحها لصالح رأسماليات المراكز المتحكمة بها؛ فيما تضطر للبقاء أسواقاً للسلع الكاملة التي تتحكم في بيعها كسلع نهائية رأسماليات المراكز وفقاً للأسعار التي تقررها وبالشروط التي تناسبها كمحتكر.

ويرتبط بهذا الوضع ميل لإعادة توزيع الثروات والدخول في الأطراف بشكل رجعي لصالح الطبقات المالكة/الغنية على حساب الطبقات العاملة/الفقيرة؛ لتوفير سوق لتلك السلع التي تُباع في أسواق الأطراف الفقيرة بأسعار عالمية لن تتحملها سوى تلك الطبقات الغنية الطفيلية وبعض شظايا الطبقة المتوسطة؛ وهكذا تتكون دائرة الاستغلال من عمالة فقيرة من العالم الثالث يتم إفقارها لتقدم عملها بأقل أجر ممكن؛ فتضخم فائض القيمة المُنتهب، فيما تشارك الطبقات الغنية الوسيطة في الأرباح لتشتري سلع رأسماليات المراكز المذكورة بالأسعار العالمية؛ لتحقق الأخيرة أكبر فائض من تعاملها مع رأسماليات الأطراف، سواء كأسواق عمل أو كأسواق سلع.

وبالطبع يعتمد استمرار ما سبق على  فرض أنماط استهلاكية تدعم استمرار هذا الطلب وتنشره في مجتمعات العالم الثالث الفقيرة، فضلاً عن الأهم، وهو تحطيم إمكانات النمو الصناعي في تلك المجتمعات؛ كون التناقض بين نمط الاستهلاك المتقدم وهيكل الإنتاج المتخلف؛ يخلق فجوة عميقة الغور بين الطلب والعرض، لا تعطي للهيكل الإنتاجي فرصة للتطور التدريجي الضروري، كما يستحيل سدها بالإنتاج المحلي الضعيف كماً وكيفاً؛ فلا يبقى سوى الاستيراد من المراكز، وهو ما يؤكد أهمية مقاومة الهيمنة الثقافية التي تتجاوز بخطورتها المخاوف السطحية للحركات الإسلامية !

(كتابات) : هل ترتبط العولمة بالفعل بالتكثيف التكنولوجي – آلية وركيزة تنفيذ ؟

  • هى نتيجة من نتائجه وضرورة له بشكل ما، تمثل تجسّده الاقتصادي الاجتماعي، وذلك على عدد من المحاور:

فأولاً: أدى التكثيف التكنولوجي لزيادة التركيب العضوي لرأس المال؛ ما خفض فوائض القيمة بالمراكز ورفع الإنتاجية في ذات الوقت؛ وهو ما فرض انتقال فوائض رأس المال إلى الأطراف المتعطشة لرؤوس الأموال بتكوينها العضوي المنخفض نسبياً لرأس المال؛ ومن ثم فوائض قيمتها الأكبر؛ ما يظهر في الانخفاض الشديد في أجور العمالة في العالم الثالث وارتفاع هوامش الربح بها.

ثانياً: ساهمت الإمكانات التكنولوجية بالطبع في توسع رأس المال كقوة إنتاجية؛ ما فرض توسيع أسواقه، بحيث تستوعب إنتاجه من السلع والخدمات، أي فرضت توسيع نطاق السوق وانتقاله من المستوى القومي إلى المستوى العالمي.

ثالثاً: بتعميقها لرسملة العمليات الإنتاجية، أي زيادة المراحل الإنتاجية والتفاوت التكنولوجي فيما بينها، أطالت سلاسل القيمة، وجعلت منطقياً واقتصادياً تقسيمها على المستوى العالمي بين المستويات المختلفة من الرأسمالية من المراكز إلى الأطراف، ما ساهمت فيه هنا تقنيات علمية ورياضية كبحوث العمليات وتقنيات الإدارة الحديثة عموماً.

رابعاً: ساهمت من خلال ثورة الاتصال والمواصلات في وصل الأسواق القومية ببعضها البعض وخلق سوق عالمية، أي وفّرت الرافعة التقنية لتكوين تلك السوق على النطاق العالمي، سواء بتوصيل الأسواق ببعضها البعض أو حتى بخلق أسواق افتراضية.

(كتابات) : كثيراً ما تظهر دعاوى ليبرالية – أغلبها ذات طابع اجتماعي/ثقافي – يتم بثها داخل المجتمعات النامية تحت لافتات حقوق الإنسان رغم مضمونها الرفاهي – إن جاز التعبير – مثل دعاوى حقوق الشواذ جنسياً وغيرها.. هل يمكننا اعتبار مثل هكذا قضايا تخدم اقتصادياً على سياسات العولمة الرأسمالية على مستوى توسيع أسواقها وتنشيط هامش أرباحها ؟

  • ليس بصورة مباشرة بالطبع.. بل لابد من توسيط الحلقة الاجتماعية لفهم المصالح الاقتصادية الكامنة ورائها، والتي قد تكون نتائجها خيراً أو شراً فهذه قصة أخرى، لكن المؤكد هنا أن الرأسمالية لا تدعم شيئاً لوجه الله؛ فكما أطلقت حركة تحرير المرأة لتوسيع سوق العمل وخفض الأجور، فإنها تموّل أيضاً الحركات النسوية المتطرفة وتدعم حقوق الشواذ لتفكيك الأسرة النووية؛ لأن في تفكيكها ما يساهم في زيادة الطلب الاستهلاكي “الجديد” أو “الصافي” في مجتمعات انخفضت معدلات نموها السكاني، بدلاً من الاكتفاء بالطلب “الإحلالي” المحدود القائم، (الذي تزيده هو الآخر بخفض جودة السلع لتسريع دورة استهلاكها أو تعديل منافعها للتعجيل بتقادمها)؛ بما يوفر إمكانات نمو (وربح) جديدة – ولو قليلة – في مجتمعات أصبحت تعاني من ضيق روافد النمو الكلاسيكية من نمو سكاني تباطئ مع التحول السكاني، (ينمي الطلب)، واكتشافات جغرافية انتهت ومواردية شبه انتهت (تنمي العرض)، كما توقع ما بعد الكينزيون منذ الستينيات.

.. والآن.. ننتقل إلى المحور الثاني من نقاشنا: “كيف نستطيع ؟”..

(كتابات) : هل توجد منظومة اقتصادية متكاملة يمكنها أن تصبح بديلاً للعولمة إقليماً أو محلياً لتوسعة رأس المال في إطار قومي، مثل تلك الدعاوى القديمة/الجديدة بشأن سوق عربية مشتركة، أم جميع البدائل – إن وجدت – هي في إطار إشتراكي علمي ؟

  • توجد بدائل مرحلية بالطبع، بل إنه لا غنى عنها في الواقع في ظل حالة الإحتجاز التاريخي عن الاشتراكية بحكم التخلّف، مع سحق الرأسمالية للأطراف وانسداد آفاق التحول الصناعي/الرأسمالي التاريخي فيها، وهكذا فالمتاح من بدائل “محلياً” هو استغلال تقلّص الرأسمالية محلياً في سياق توسعها عالمياً، (بتراجع التصنيع وصعود القطاع غير الرسمي والخدمي حتى في المراكز الرأسمالية)، لإحياء وتوسيع نطاق التعاونيات، أما “دولياً” فبمقاومة هيمنة الشركات الدولية بالدعم الوطني لتلك التعاونيات وللقطاع العام الشعبي، (غير الخاضع لهيمنة البيروقراطية المعزولة عن الشعب)، وبالتكامل الإقليمي بين دول العالم الثالث متقاربة المستوى التنموي، حتى ولو كان ذلك بالتضحية جزئياً بإمكانية الحصول على التكنولوجيات فائقة التقدم من المراكز الرأسمالية، والذي يمثل بذاته حافزاً لتطوير تكنولوجيات وطنية تنطلق من الواقع الاجتماعي المحلي، بما لذلك من مزايا اقتصادية واجتماعية وثقافية على المستوى الإستراتيجي، ما يرجّح كفّتها على الخسارة قصيرة الأجل الناتجة عن عدم الحصول على تكنولوجيات المراكز الأكثر تطوراً.

أما على المستوى الإستراتيجي، فالبديل اشتراكي بالتعريف، فحتى بغض النظر عن المُسميات التاريخية، يتمثل جوهر أزمة الإنسانية حالياً كما كان منذ قرن على الأقل، في علاقات الإنتاج الرأسمالية، مُتمثلةً في التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، الذي يتكثّر في صورة تناقضات عديدة متوزعة على عدد من الأصعدة والمستويات، من تناقضات “عمومية الحاجات وخصوصية النتاجات” و”عمومية الإنتاج وخصوصية الاستحواذ” …. إلخ؛ وبالتالي فالعلاج التاريخي أو الإستراتيجي لابد وأن يقوم على حلّ وتجاوز هذه العلاقات الرأسمالية بتناقضاتها، ما يقوم على تشريك وسائل الإنتاج الأساسية على الأقل، أي جعلها ملكية عامة خاضعة للإدارة الاجتماعية، (الشعبية غير البيروقراطية)، بأي صورة، وهو ما لا نحتاج أكثر منه لاعتباره بديلاً اشتراكياً.

(كتابات) : ما هو الوصف العلمي الدقيق الحالي لسوق المنطقة العربية وأسواق الدول النامية في إطار طغيان العولمة ؟

  • أسواق طرفية.. سواءً كأسواق عمل أو كأسواق سلع، فتقدم العمالة والموارد الرخيصة ضمن الأطراف منخفضة القيمة المضافة في سلاسل القيمة الصناعية، وتشتري التكنولوجيا والسلع النهائية من أطرافها الأخرى مرتفعة القيمة، وما بين الأسعار الزهيدة غالباً لصادراتها في الطرف منخفض القيمة، والأسعار العالية غالباً لورادتها في الطرف مرتفع القيمة، تتكون فجوة العجز التجاري المزمنة التي تضع تلك أغلب تلك الدول تحت ضغط دائم من قصور موارد النقد الأجنبي وضعف الموارد الاستثمارية … إلخ؛ ما يعمّق من الميل للخضوع لبرامج منظمات الهيمنة الرأسمالية، مُتمثلةً في “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي”.

أما أهم سمات هذه الأسواق الطرفية؛ فهي افتقادها للاستقلال الاقتصادي، أي القدرة على التجديد الاجتماعي الذاتي، ما يؤدي لنتيجتين رئيسيتين:

الأولى أهونهما على قسوتها، وهى افتقاد هذه الأسواق للاستقرار، ما يجعلها مكشوفة للتقلبات الدولية والهزات بالاقتصادات المركزية، وبدرجة أكبر حتى من مصادر تلك التقلبات والهزات، مع افتقارها – ليزداد الطين بلة – لأدوات المراكز الرأسمالية وقدراتها على مواجهة تلك الأزمات والتقلبات، وعدم قدرتها على ترحيل ما يتم ترحيله لها من تكاليف للأزمات كما تفعل تلك المراكز، وهو ما يتعزز بفقدان السيطرة على السياسات المالية والنقدية بمصادرتها الصالح المنظمات الدولية المذكورة، ويكفي أن نعرف أن لبلدان النامية خلال الفترة 1945 – 1971، أي قبل تطبيق سياسات التحرير النيوليبرالية، لم تعرف سوى 16 أزمة نقدية ولم تعانِ أي أزمات مصرفية، بينما تعرضت خلال الفترة 1973 – 1993 لـ 57 أزمة نقدية و17 أزمة مصرفية !

أما الثانية الأخطر، فهي فقدان السيطرة على إدارة الاقتصاد الوطني، ومن ثم غياب الأمل في التنمية الوطنية، أي انتهاء قضية التنمية بمُجملها، فاعتماد الاقتصاد الوطني على الخارج في إمداده ببعض المنتجات والمواد الخام والطاقة شيء، واعتماده عليه في إمداده بماكينة استمراره نفسها من سلع القطاع الرأسمالي، (الآلات الرأسمالية)، شيء آخر تماماً، يضع ذلك الاقتصاد كطرف تابع لذلك الخارج، فهو فارق نوعي بين حالة اعتيادية يمكن معالجتها بسياسات تقليدية، وحالة تخلف هيكلي يستلزم ثورة اجتماعية واقتصادية شاملة تشمل تغييراً جذرياً في نمط الإنتاج والتركيب السوسيولوجي وشكل العلاقات الدولية للاقتصاد المعني، أي عملية هندسة اجتماعية شاملة قد تعني في بعض السياقات حرب تحرر وطني أو حرب أهلية كما كان في الثورة الصينية، أو الإثنتين معاً كما حدث في الثروة الروسية !

(كتابات) : هل ترى معي أن التأثيرات الاجتماعية والثقافية للعولمة وشيوع قيمها الاستهلاكية داخل مجتمعات الدول النامية أكثر تأثيراً وخطورة عن كون إمكان تغييرها أو تبديلها ؟

  • طبعاً.. فكما سبقت الإشارة هي تؤثر على نمط الاستهلاك الذي يحدد هيكل الطلب؛ ما يخلق فجوة بينه كهيكل طلب متطور وبين هيكل الإنتاج المحلي المتخلف، بل وبشكل أوسع يخلق فجوة بين هيكل السلوك العام، (الذي يمثل نمط استهلاك أيضاً في التحليل الأخير)، وهيكل القيم الاجتماعية العام، (المرتبطة بإمكانات هيكل الإنتاج القائم في علاقته بالسياق الاجتماعي التاريخي الموروث)، فالأنماط الغربية من الحياة التي يجري تصديرها للأطراف ليست مجرد منتجات ثقافية محلية لذلك الغرب، بل هي مستويات استهلاك ترتبط بمدى تقدمه الاجتماعي/الإنتاجي، ونقلها العشوائي يضعها في حالة صدام مع إمكانات مجتمعات الأطراف، ويدخل في هذا حتى أبعد الأنماط السلوكية الفردية والجماعية عن التصور، كالحريات الجنسية وغيرها … إلخ.

هذا التناقض يخلق إنفصالاً اجتماعياً بين الأهداف النخبوية للطبقات العُليا الراغبة في مضاهاة تلك الأنماط السابقة على مستوى التطور الاجتماعي للمجتمع، وبين القضايا الحقيقية الحالّة تاريخياً للطبقات الشعبية؛ ما يفسّر – وهنا جوهر إعتراضنا – الظاهرة التنويرية مثلاً بما تمثله من وجه اجتماعي وثقافي لنيبوليبرالية منعزلة عن قضايا مجتمعاتنا وحتى عن إنتمائاتها، من فئات ترغب في فرض بعض الحريات الشخصية وما شابهها، ولو كان الثمن تعزيز الشمولية لقمع المجتمع كله با يحمله من قيم تقليدية، يتصور أولئك التنويريين قدرتهم على قمعها بالعنف القانوني، بدلاً من تطويرها بالتقدم الاجتماعي/الإنتاجي !

وهكذا تأتينا العولمة النيوليبرالية بقيم تحريرية تنتهي بتعزيز الشمولية !

(كتابات) : لماذا اقترنت دائماً العولمة بقيم الحرية الاجتماعية/السياسية والديمقرطية ؟.. وإن كان ذلك مجرد خداع – كما أرى – فما السبيل إلى هدم تلك الخزعبلات مجتمعياً وسياسياً ؟

  • علينا تعريف الحرية والديموقراطية نفسهما أولاً.. ما نراه من قيم حرية مُعولمة لا يعدو مجرد نقل للأنماط الغربية في نطاق الفرد لا الجماعة، فتجد النيوليبرالية المُعولمة تلك تزأر لحقوق المرأة البرجوازية ولا تبالي بحقوق المرأة العاملة، وتثور لأجل حقوق المثليين فيما لا تهتم بتوفير التعليم والصحة للأغلبية الفقيرة، وتغار على الحرية الفكرية للملحد، فيما تصيبها الدياثة إذا تعلق الأمر بحرية نقد الأنظمة الحاكمة التي تنفذ أجنداتها !

ولا يتطلب هدم تلك الخزعبلات سوى فضح تناقضاتها على ما سبق بيانه، ومواجهتها بالأولويات الاجتماعية الحقيقية !



الانتقال السريع

النشرة البريدية

الانتقال السريع

النشرة البريدية

User IP Address - 2001:8f8:1127:6377:d55f:6601:7140:bae4