السبت 26 نوفمبر 2022
20 C
بغداد

    هيكل .. ” الجورنالجى ” صانع الأكاذيب !

    بقلم محمد مختار ( باحث وكاتب ) 

    تقترب ذكري ميلاد الكاتب المصري الأشهر في الحقبة الناصرية بمصر محمد حسنين هيكل أو لنقل الأوحد بحكم أنه كان مسيطرا على كل الصحف بمن فيها من بشر وورق .  ومع اقتراب ذكرى ميلاده يغامرني شعور مؤلم بأني انفقت حياتي في وهم كبير،  لقد كنا في صبانا ونحن طلاب فصل المتفوقين في المدرسة الثانوية الخديوية نسمع اسم هيكل من اساتذة لنا، عرفنا بعدها أنهم مخدوعين أو غير قادرين على تحمل مخاطرة معرفة الحقيقة ، كنا نفتش عن مقالاته في الصحف التي كانت تصدر في مصر خلال ثمانينيات القرن الماضي ولا نجد له مقالا منشورا، لكن بعضنا افتتن بجلال الدين الحمامصي، وكلنا اعجبنا بمقالات انيس منصور في البداية قبل ان نكتشف انه يكتب كلام فارغ وأنه ليس هو الذي يكتب عموده كل يوم بل يوكل ذلك لواحدة من جيش سكرتيرات يحتفظ بهن بدون سبب مقنع، والقليل منا اعجب بأحمد بهاء الدين على الرغم من اننا في هذه السن لم نكن نفهم كثيرا ما بين سطور مقالاته، كانت تفصل بين جدران المدرسة الخديوية وحزب العمل الاشتراكي وجريدته الناطقة باسمه حائط واحد، فكنا ننتهز الفرصة لنحضر ندوات الحزب وتعرفنا على اسماء كتاب آخرين غير هيكل لكن لم يكن لهم نفس الصيت، وأخيرا عرفنا ان هناك كتبا تجمع مقالات هيكل بعد توقفه عن الكتابة في الصحف بزعم أن صحفا أجنبية تحتكر قلمه ومقالاته فزاد هذا في انبهارنا بالرجل الذي يكتب بالانجليزية في صحف عالمية وبحثنا عن كتبه لم نكن نملك ثمن شراءها لكن في نهاية المطاف حصلنا علي نسخ منها بالاستعارة أو حتي باقتراضها بدون أن نعيدها أبدا إلى اصحابها.

    وفي كلية الإعلام لم يكن هناك أى اختلاف بين أساتذتنا على أن هيكل هو ” الجورنالجى ” الكبير، ولكن عندما قرأت كتابه خريف الغضب حزنت بعد أن وصف هيكل والدة الرئيس المصري الراحل انور السادات بأنها  ” عبدة سوداء تزوجها لتخدمه في السودان وعندما عادت لمصر كان السادات يرى امه تتعرض للضرب من أبيه ومن زوجات أبيه البيضاوات المصريات ” ! الحقيقة اني لم أحزن فقط بل صدمت لأخلاق هيكل الذي لم أظهر في هذا الوصف حقارة غير مسبوقة لا تتسم أبدا مع مظهره وطريقة حديثه التي تتصنع الرقى وتنتقي الألفاظ.

    ونسيت الأمر برمته ولكن مع مادة بحوث الصحافة انغمست بين مجلدات الصحف القديمة ذهلت عندما رأيت صحيفة الأهرام وباقي الصحف التي كانت تأتمر بأمر هيكل وهى تدعم انقلاب السادات على رفاق عبد الناصر ، عبد الناصر الذي لولا رغبته في الدفع بشخص يثق به للسيطرة على الصحف في مصر لظل هيكل في مكانه صحفي حوادث يكتب عن بيوت البغاء لا تؤهله شهادات المتوسطة في التجارة إلا لوظائف المحررين المتعاونين كما بدأ لولا أن القدر رتب له لقاء بعبد الناصر في حرب فلسطين .

    كانت عناوين صحيفة الأهرام برئاسة تحرير هيكل في يوم 15 مايو 1971 تشي بأن هيكل نفسه هو صانع انقلاب السادات ضد رفاق عبد الناصر الذين ذهبوا كلهم للسجن ولم يبق إلا هيكل في مكتبه ، كتب هيكل في صبيحة هذا اليوم :

    “الرئيس يضع الشعب أمام تفاصيل أخر مؤامرة دبرت ضد وحدة جبهته الداخلية”.
    “أسرار اللجنة التنفيذية العليا التي في يدها مستقبل الوطن كانت تذاع وتستغل لصالح صراع السلطة”.
    “جهاز الأمن الذي يتبع الدولة يتلقى أوامر لحصار الإذاعة لمنع رئيس الدولة من التوجه للشعب إذا أراد”.
    “أجهزة للرقابة على التليفونات عند شعراوي جمعة وعند سامي شرف وفى المخابرات العامة وآلاف الأشرطة المسجلة””حتى في غرفة مكتبي وبيتي .. كان فيها جهاز تسجيل للتجسس على كل اجتماعات ومقابلاتي”.
    “استقالات الوزراء الخمسة وصلت إلى رئيس الجمهورية لحظة إذاعتها””أرادوا باستقالاتهم المفاجئة إحداث انهيار دستوري في البلاد فلم يصنعوا إلا زوبعة في فنجان”.
    “مصر لن تنهار أبدا، وكفاياتها ورجالها لن ينتهوا، وقد أتممنا تشكيل وزارة جديدة من خيرة الأكفاء”.
    “لن أفرط في مسئوليتي أمام الشعب ولن أسمح بقيام مراكز للقوى تستبد به وتمارس إرهابه”.
    “واثق بالله ملئ بالأمل موقن بالنصر مهما كانت الصعاب التي تواجهنا على طريق المعركة”.

    ولم يخفي هيكل دوره في تمكين السادات من السلطة في مصر بدعم انقلابه ضد رفاق عبد الناصر، بل هيكل حتى وفاته يفتخر بدوره فى أحداث مايو 1971، وهنا نشير لانتحار المنطق عند الناصريين الذين لا يزالون يعتبرون هيكل كاتبا وطنيا والسادات رئيسا خائن لتراث ثورة يوليو، أكثر من هذا فطوال الفترة من 28 سبتمبر 1970 حتى 7 نوفمبر 1973- تاريخ لقاء الرئيس السادات ووزير الخارجية الأمريكى هنرى كيسنجر فى قصر الطاهرة بالقاهرة، كان هيكل مؤيداً ومدافعاً عن الرئيس السادات وسياساته بكل قوة. 

    ولكن بعد أقل من شهرين من لقاء السادات وكيسنجر، قرر السادات التخلص من هيكل، فأطاح به من عرشه فى الأهرام فى 1 فبراير 1974،وقام بتعيين عبد القادر حاتم رئيساً لمجلس إدارة الأهرام، وعلى أمين رئيساً لتحرير الأهرام، كما أصدر الرئيس السادات قراراً بالإفراج الصحي عن مصطفى أمين المدان بالتجسس للأمريكيين، وأعاده للعمل بدار أخبار اليوم، وهنا وجدنا هيكل في ثوب جديد، ثوب معارض لين الجانب وليس معارضا شرسا، يكتفي بالمعارضة في أحاديثه مع العاطلين الذين يلتقيهم في نادي الجزيرة الذي لم يكن لمثله أن يلتحق به لولا لحاقه باشتراكية عبد الناصر المزعومة، ولكن حتى هذه المعارضة الناعمة قادته للسجن، ليخرج منه بعد اغتيال السادات يرتكب اكبر جريمة ليس في حق السادات فقط بل في حق عشرات الآلاف من شهداء مصر في حروبها مع إسرائيل، حدث ذلك عندما أسس هيكل مؤسسته التي لا نعرف مصيرها اليوم للعلاقات العامة وألبسها ثوبا صحفيا، وبدأ في استقدام سياسيين أجانب  ليتحدثوا في محاضرات عامة عن أن حرب أكتوبر هي هزيمة للجيش المصري وليس انتصار وأن السادات خدع الشعب المصري وادعى لنفسه انتصار لم يحدث، وفي ذكرى حرب أكتوبر سنة 2009 استقدم هيكل وزير الخارجية البريطانى الأسبق اللورد ديفيد أوين. قال أوين، وهو يجلس إلى جوار «الأستاذ» ضيفًا على مؤسسة هيكل : «إن إسرائيل هَزَمتْ مصر هزيمةً منكرة فى حرب أكتوبر 1973، وإن الدبابات الإسرائيلية كانت على أبواب القاهرة، ويسجِّل التاريخ هزيمة مصر فى هذه الحرب». 

    وعلى الرغم من أن ديفيد أوين لا يمثل أي قيمة علمية في علوم الحروب الاستراتيجية، وهو طبيب نفسى فاشل، كل قوته أنه من أبرز رجال إسرائيل فى بريطانيا.. وكل إنتاجِه قصص مسليّة عن أمراض الرؤساء.. يكتبها لأجل جذب انتباه الصحافة الصفراء. قام  هيكل بتقديم ضيفه بفخرٍ كبير باعتباره «أصغر وزير خارجية» ولم يثير انتباه هيكل ولا غضبه أن ضيفه يصدم 100 مليون مصري في مشاعرهم الوطنية عندما يأتي خصيصا في ذكري انتصار جيشهم على اسرائيل ليصف هذا الانتصار بأنه هزيمة.

    ولم تكن مصادفة أن هذه الأكاذيب التي ابتدعها هيكل هي نفسها التي أصبح المتحدث باسم جيش العدوان الاسرائيلي يرددها في كل عام مع ذكرى حرب أكتوبر مستشهدا بقول هيكل وغيره ممن جلبهم على نفقة مؤسسة مجهولة لا نعرف من يمولها ولا من دفع لهم نفقات السفر والفنادق وثمن إلقاء أكاذيبهم عن حرب يونيو التي انتصر فيها عبد الناصر وحرب أكتوبر التي انهزم فيها السادات !

    وكان هيكل بذلك هو الكذاب الأشر الذي فتح باب الأكاذيب حول حرب أكتوبر نكاية في السادات الذي طردته من عرش الأهرام، لكن المفاجأة كانت بالنسبة لجيل كامل منا أكثر ألما ، فقد قال   الفريق سعد الدين الشاذلي، في لقاء مع مؤرخي حرب أكتوبر المعروفين باسم ” مجموعة  73 مؤرخين ، وهو رئيس أركان الجيش المصري خلال حرب أكتوبر ولا يشك أي شخص في خلافه مع السادات ”   قال الشاذلي (  لم أكُن أثق فى هيكل، وأَمَرْتُ بعدم دخوله إلى الجبهة.. وقال كثيرون من قادة الجيش: إن هيكل كان يقوم بدورٍ إحباطي مؤلم.. وكان يقود عملية تيئيس واسعة.. باسم التحليل السياسى )، بعد هذه الملاحظة يمكن أن يعود أى باحث أو حتى أى طالب في بحوث الإعلام لكل ما كتبه هيكل عن حرب اكتوبر لتحويلها من نصر إلى هزيمة ليكتشف بجهد قليل أن  كل ما كتبه عن حرب أكتوبر.. وكأنها مترجمة من مراكز البحث الإسرائيلية أو الأمريكية  أو قصاصات من صحف أوربية معروفة بولائها للحركة الصهيونية.

    وبعد وفاة السادات عمل هيكل بجدية وإخلاص في سبيل القضاء على الطابع الأسطوري لحرب أكتوبر.. ثم للقضاء على قادتها من أساطين العسكرية المصرية.. فجاء على الرئيس أنور السادات فراحَ يكتب ضد زعيم تاريخي كبير بوزن السادات.. محاولاً تجريده من السياسة والسلاح.. ثم الهبوط الصادم.. إلى الإساءة الشخصية لامه ووصفها هذه المرة ليس في كتاب بل في لقاءات عامة بأنها عبدة سودانية سوداء .

    بعدها لم يتردد هيكل في الاساءة للمشير أحمد إسماعيل القائد العام للجيش المصري خلال حرب أكتوبر وبعد خلع الرئيس المصري الراحل حسني مبارك وحتى قبل وفاته  وَاصَلَ إلى القوات الجوية فأهالَ التراب على دور قائدها الفريق طيار حسنى مبارك.. ثم أهال التراب على أداء القوات الجوية بكاملها.. فأنكرَ أى دورٍ مهم لها فى الحرب، وقال هيكل  «الضربة الجوية لم تكن أساسية.. وكانت غير ضرورية، وعدد الطائرات التى خرجت فى الضربة (6) طائرات فقط» ولا نعرف من أين جاء بهذه المعلومة الصادمة عن الضربة الجوية التي قدم فيها السادات شقيقة شهيدا لمصر وكان من الممكن أن يلحقه كضابط عمليات في أي غرفة عمليات بدلا من الدفع به في أول ضربة جوية يقوم بها جيش عربي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي!