عندما يعيد الجنوب اختراع العالم

الخميس 18 حزيران/يونيو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

الكاتب: حسن صعب
إن النظام الدولي يتحوّل تحوّلاً لا مناص منه، من دون أن تدرك الدول حجم ما يجري. فهو يستوعب عناصر فاعلة جديدة ويعيد كتابة جدول الأعمال الدولي.

في كتابه “عندما يعيد الجنوب اختراع العالم: بحثٌ في قوّة الضعف” الذي نقله إلى العربية جان ماجد جبّور ونشرته مؤسسة الفكر العربي في بيروت، يبيّن الباحث الفرنسي برتران بادي كيف أن الجنوب (أو العالم الثالث)، الذي انبثق إلى حد كبير من إنهاء الاستعمار، يتفاعل مع النظام الدولي الذي دهمته العولمة، ويمسك بزمام الأمور، ويعيد تشكيل هذا النظام الدولي.

ففكرة هامشية الجنوب لم تعد تتوافق البتّة مع الواقع الدولي المعاصر؛ بل إن هذا الجنوب بات يمتلك القدرة على إعادة تشكيل المشهد الدولي بشكلٍ يجعل من الأنماط التي يعتاش عليها أسياد الشمال (أو العالم الأوّل) نماذج قد تخطّاها الزمن.

وحتى نهاية الحرب الباردة، كانت المنافسة بين القوى العظمى هي التي تصنع التاريخ. أما اليوم، فإن هذه المنافسة لا تعاني الفشل فحسب، بل إن الضعف الذي هو في أساس معظم النزاعات (من خلال ضعف الدول، والأمم التي انضوت تحت لواء منظومات مؤسسية، أو الروابط الاجتماعية)، هو الذي يحدّد الرهانات الدولية ويُنتج معظم الهواجس التي تُلقي بثقلها على المستقبل.

إن النظام الدولي يتحوّل تحوّلاً لا مناص منه، من دون أن تدرك الدول حجم ما يجري. فهو يستوعب عناصر فاعلة جديدة ويعيد كتابة جدول الأعمال الدولي، وصولاً إلى جعل القضايا الاجتماعية من أهم القضايا المصيرية في عصرنا (الديمغرافيا، عدم المساواة، الأمن البشري، الهجرات).

يستنتج المؤلّف أن تسمة العالم الثالث لم يعد لها اليوم أيّ معنى. أوّلاً، لأن الثنائية القطبية لم تعد موجودة؛ وقد أودى انهيارها في طريقه بـ«عامّة الدول» غير الموجودة في الحياة الدولية. ثم لأن الاختراع المفاهيمي، ومهما كانت دوافعه الحقيقية، أثبت أنه مقيت، لأنّنا نصنّف ثلثي البشرية في باب فضلات التاريخ، ونراهن على التجانس الناجم عن ذلك.

في الفصل الأول (فشل إنهاء الاستعمار)، يقول الباحث إن فرصة ضاعت في العام 1945، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد فشل إنهاء الاستعمار في الانتقال من نظام “دولي” إلى نظام “عالمي”. فإنهاء الاستعمار كان يجب أن يوصل إلى عالم يقرّ بالاختلاف، والشمول، والمساواة، ويكون مستعداً لمواجهة التحدّي الجديد الذي سيُطلق عليه في ما بعد اسم العولمة.

كان إنهاء الاستعمار عنيفاً لأن الاستعمار كان قبله كذلك عنيفاً وفي العمق. وقد حصلت تعبئة اجتماعية مضادّة من خلال الإسلام، الذي أصبح في هذا المناخ الاستعماري، السبيل الوحيد لبناء “الغيرية” في وجه أصحاب الهيمنة. ولم يكن هذا الدين يمثّل بحدّ ذاته عامل حرب، بل هو مجرّد وسيلة للوجود خارج الشبكة الاستعمارية، وخارج وصاية جيوش الاحتلال وحلفائه المحليين.

كما نشأت تعبئة اجتماعية مضادّة فاعلة في جميع أنحاء العالم، أي في الهند وإندونيسيا واليابان، وفي الدول العربية، وغيرها.

وفي المحصّلة، برز تناقض مؤسّسي كبير لعملية تصفية الاستعمار نتحرّر من النظام الاستعماري؛ ولكن من أجل وضع هذا التحرر موضع التطبيق، نقوم بنسخ نموذج دولة المستعمر. ونحن نفعل ذلك من دون قناعة، ومن دون سند تاريخي أو شرعي. ومن هنا المأساة المستمرة لمجتمعات الجنوب.

في الفصل الثاني (كيف يقاوم العالم القديم العالم الجديد؟)، يشرح المؤلف كيفية مقاومة العالم القديم (القوّتان العظميان بالخصوص) العالم الجديد، أي الدول الجديدة التي دخلت متعثرة إلى النظام الدولي.

وقد تمّ التعبير عن التوتر الدولي الناشئ عن سوء الفهم هذا على ثلاث جبهات:

أوّلاً، من خلال إرادة الفاعلين في نظام الثنائية القطبية بعدم التنازل عن أي شيء مع ظهور قوى جديدة، حيث أصبحت الدول المحرّرة حديثاً من الاستعمار بطريقة ما رهائن لدى القوّتين العظميين.

ثمّ برز عدم تجاوب المؤسّسات الدولية التي وجدت صعوبة كبرى في التكيّف مع ظهور هؤلاء الوافدين الجديد.

وأخيراً، نلاحظ التحوّل السريع حكماً، وإنما الخطر جداً، لأنماط الهيمنة التي تعيد القوى القديمة استنساخها قرناً بعد قرن منذ ظهور الدول في عصر النهضة.

وبعد تحليله لنماذج حول كيفية إدماج النظام الدولي للدخلاء عليه، مثل مصر عبد الناصر، والذي رفض فكرة «الانحياز»، والاختيار بين واشنطن وموسكو، يتوقف عند مقاومة المنظمات الدولية (مثل هيئة الأمم المتحدة) لدخول فاعلين جدد إليها، أو منعهم من الاندماج الكامل فيها.

ففي العام 1954 اندلعت المعركة الأولى الحقيقية حول مسألة حق الدول في الحصول على السيادة الكاملة على مواردها الطبيعية؛ فيما تمحورت المعركة الرئيسية الأخرى حول مجلس الأمن، في جلسته العامة لخريف العام 1963، حيث كان توسيع المجلس أمراً حتمياً، لأنه في وقت صياغة ميثاقه كان عدد الدول المستقلة في أفريقيا وآسيا محدوداً جداً.

في مرحلة جديدة، يتحدث الباحث عن توتر آخر ارتبط بما سمّاه «الانكفاء» و«الانعزال» اللذين لحظا لدى القوى الكبيرة آنذاك فبقدر ما يسيطر الجنوب على أغلبية أعضاء منظومة الأمم المتحدة، بتنا نرى في الشمال ظهور «أندية» تجمع الأقوياء الذين يمكنهم، بعيداً عن مشاركة «العامة» اتخاذ القرارات الحقيقية بحريّة.

وقدّم المؤلف مثال «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، ومجموعة الستة – 6، (وتضم ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، وصولاً إلى مجموعة العشرين، والتي ضمّت إضافة إلى الدول الصناعية الكبرى وروسيا، الأرجنتين وأستراليا وكندا والهند وإندونيسيا والمكسيك وروسيا والسعودية وجنوب إفريقيا وتركيا…).

ومن ثم يحلّل المؤلّف المصدر الثالث للتوتر بين العالم القديم والعالم الجديد، والذي تمثّل في الأسس الإيديولوجية للنظام المؤسّسي الذي سيمارس في نهاية المطاف سيطرة قوية على عملائه، إلى أن يطبّعهم بقيم لم تكن من طبيعتهم؛ أي قيم القوّة في أبعادها الأكثر تسييساً، وقيم الاقتصاد الليبرالي.

ويخلص المؤلف إلى أن العالم بات أمام شكل جديد تماماً من ممارسة الهيمنة، لأنها كانت تستند إلى عدم التكافؤ بين السلطة القائمة شكلاً في البلدان المستقلة حديثاً والحكومات المستعمرة، مثل حالة فرنسا والدول التي كانت تستعمرها، والتي تم تقييدها باتفاقيات حدّت من سيادتها على مواردها وقراراتها المستقلة.

في الفصل الثالث (سياسة الضعف)، يقول الباحث إن القوّة تغذّي النظام الدولي؛ ولتلافي تسبّبها بالحرب بصورة متواصلة، لم يكن هناك من وسيلة سوى محاولة إيجاد ضوابط لها. من هنا، برز مفهوم أساسي عُرف بـ«توازن القوّة»؛ وهو شكّل ضماناً لاستقرار النظام الدولي.

وفي هذا السياق برز سلاح جديد للدول الضعيفة قبالة الدول القوية والمهيمنة: الإيذاء. ومن وسائله، استخدام الدعاية التي أدّت، حتى في صورتها البدائية، دوراً مهماً في الأزمنة الأولى للاستقلال.

إن مقولات الأمّة، والسيادة، والتنمية، التي تمحورت حولها قضية الضعيف على أنها بالتأكيد أكثر عدلاً وأكثر إلحاحاً من قضية القوي، حُشِدت ضدّ قوّة لم تُهزم بعد بشكل كامل.

وبالنتيجة، فقد حصل انقلاب، ولأوّل مرّة في التاريخ، بات بسببه الأقلّ قوّة يفرض شيئاً على الأكثر قوّة، حيث أصبح اللاعب الإقليمي في الوقت الحاضر صاحب قدرة أكبر من اللاعب العالمي. كما أن اللاعب المحلّي بدا أقوى من اللاعب الإقليمي.

فالقوى الإقليمية في الشرق الأوسط – إيران والسعودية وتركيا – ولكونها الأقرب، والأكثر انغماساً من الناحيتين الاجتماعية والسياسية، تتمتع بقدرة أكبر على التحرك في الصراع السوري من القوى العالمية، روسيا؛ ومن باب أولى الولايات المتحدة.

في الفصل الرابع (مجتمعات في حرب ومجتمعات حربية)، يلفت الباحث إلى أن سياسة الضعف، كما عرّفها آنفاً، أحدثت تحوّلاً جذرياً في النظام الدولي، إلى أن غيّرت تماماً من طبيعة النزاعات، لدرجة أنه أصبح أكثر عقلانية الآن حين نتحدث عنها؛ الكلام على «النزاعات الدولية الجديدة» أكثر من الكلام على الحرب.

في الفصل الخامس (تدخلات الأمس، تدخلات اليوم)، يقارن «برتران بادي» بين التدخلات التي ارتبطت بعملية إنهاء الاستعمار، والتي سمّاها تدخلات «الجيل الأوّل»، وتدخلات «الجيل الثاني» التي ظهرت بعد نهاية الثنائية القطبية.

فتدخلات «الجيل الأوّل» ارتبطت بعملية إنهاء الاستعمار، والتي لجأت إليها القوّة الاستعمارية السابقة لتدعيم سلطة النافذين الذين تسلّموا مقاليد الحكم عند نيل الاستقلال؛ فيما سعت تدخلات «الجيل الثاني» للاستجابة للأشكال الجديدة من الصراعات الإقليمية والمحلية؛ وللعلاقات الصدامية التي ترسخت بين الشمال والجنوب، بالدرجة الأولى.

ويخلص الباحث إلى إعلان فشل التدخلات، لأن الأشكال الجديدة للصراع «تفلت في جوهرها من لعبة القوّة، وبالتالي من العلاج «التقليدي». كما أن التدخل يؤجّج دائماً الصراع بدلاً من إخماده.

ويتحدث «بادي» عن ضرورة إبداع ابتكار جديد لنمط حلّ النزاعات يجب أن يجيب عن ثلاثة أسئلة: من؟ كيف؟ لماذا؟

فمن يحق له التدخل في يومنا الحاضر؟ المجتمع الدولي بأسره، أو الدول التي تمتلك الإمكانات، ما يعيد إدخال عنصر القوّة؟

أما مسألة «الكيف»، فيقصد بها كيفية التمكن من وقف الآثار العنيفة للتفكك الاجتماعي والسياسي والمؤسّسي؛ أي بمعنى أن نعرف كيف نتدخل ضدّ القوّة، ولكن ليس ضدّ الضعف.

ويقصد الباحث بمسألة الـ«لماذا» أهمية تحديد الأهداف الحقيقية للعمل العسكري: احتواء العنف واستئصاله، أو تغيير النظام، أو عزل حاكم غير مرضيّ عنه، أو إعادة توجيه سياسات عامة، أو تعديل العقد الاجتماعي، أو الحدّ من نفوذ أجنبي منافس، مثل الرغبة في إبعاد الصين عن أفريقيا التي قد تكون تغلغلت فيها أكثر مما يجب؟

في الفصل السادس والأخير من الكتاب (إعادة اختراع النظام الدولي)، يعدّد الباحث ثماني ركائز لإعادة تثبيت حياة دولية جديدة، أبرزها:

الركن الأول هو أن السيادة تخضع لإعادة نظر وبناء بالكامل. فالمفهوم البسيط وإنما الغامض في البناء الوستفالي، يتخذ الآن صيغة التعدّد.

والركن الثاني هو الركيزة «الإقليمية»؛ فقد خسرت الحدود من أهميتها؛ وصار الانغلاق الأكثر إحكاماً، من خلال تشييد الجدران أو التخطيط لها.

ويتجسد الركن الرابع في تخلّي الهيمنة والقوّة تدريجياً عن الاستقطاب مع فقدان منطق السلطة. فتحت ضغط التحوّلات الآتية من الجنوب، دخلنا في عالم بعيد عن الاستقطاب، لا يختلف عن العالم الذي سبق الحرب الباردة.

والركيزتان الأخيرتان في بناء النظام الدولي الجديد تنبعان مباشرة من الحاجة الجديدة للحكومة (إدارة المؤسسات). وإحدى هاتين الركيزتين تدعونا إلى التفكير في أشكال جديدة من «الأقلمة»، والتي من شأنها أن تجعل من الممكن الحدّ من ضغط العولمة. فيما تتولّد الركيزة الأخيرة من إعادة النظر بالدولة وبالمفاهيم التقليدية للسيادة؛ وهي تتمحور حول العودة الحتميّة لـ«الفاعل المحلّي»، ففي مواجهة عولمة تبالغ في طموحاتها ودول تعاني الوهن، تكتسب هذه الركيزة الأخيرة معنى على عدّة مستويات.

في الخاتمة، يتحدث المؤلف عن معضلة في العصر الحالي: إما أن تهيمن القوة ويكون الضعيف لا شيء، وهو أمر أصبح مستحيلاً؛ وإما أن يمسك الضعيف بخيوط اللعبة ويقود العالم إلى التدهور الحتمي؛ وهو أمر ليس في مصلحة أحد.

وهذا هو السبب في أن إدارة «العولمة» أصبحت مؤثرة بشكل حاسم، وذلك لناحيتين: فهي تسمح من جهة بإعادة تقييم القوّة، وتؤدّي إلى تحوّلها؛ كما تقود، من جهة أخرى، إلى إدارة الضعف واندماجه الكامل في اللعبة العالمية.

وبعبارة أخرى، إن العولمة تعيد صياغة التاريخ الدولي، وتُرجعه إلى مستوى المجتمعات، وتحدّ من القوّة ومفاعيلها، وتقود إلى تصوّر حوكمة جديدة. إنها تفتح الباب أمام طريقة جديدة لتقييم القدرات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الميادين نت
حسن صعب باحث لبناني.



الانتقال السريع

النشرة البريدية