رواية شتات نينوي.. الاحتفاء بالمكان الذي انعجن بحياة الأشخاص

الأربعاء 08 أيار/مايو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص: قراءة- سماح عادل

رواية “شتات نينوى” للكاتبة العراقية “غادة رسول” تتناول سقوط الموصل في يد داعش، من خلال قصة مليئة بالعلاقات الإنسانية، وبلطف ونعومة كاتبة لم تتعمد إبراز مشاهد وحشية بقدر ما لعبت على العلاقات الإنسانية والمعاني السامية، وارتباط الأشخاص بالمكان الذي تربوا فيه أطفالا وحمل ذكرياتهم وحياتهم على جدرانه.

الشخصيات..

أحمد: البطل، يحكي عن حياته منذ كان طفلا صغيرا، ويحكي عن باقي الشخصيات الأخرى، طفل يتيم توفى والده قبل أن يولد، تضطر أمه إلى أن تعمل تعوله هو وأخيه، ويكاد يفقدها عندما تتعرض لحادثة، لكن الحياة تنقلب فجأة ويحضر خال لأمه من سوريا ميسور الحال، وتتغير حياة “احمد” وتصبح طبيعية ثم يتزوج وينجب ويشهد أحداث كثيرة تمر على بلاده.

الأم: سيدة طيبة، يتوفى زوجها السائق في حادث سيارة وهو شاب، وتضطر لإعالة ولديها ثم تعيش مع خالها الغني وتربي ابنته، وتظل مع ابنها “احمد” ترعاه وترعى أولاده ثم تموت بعد سقوط الموصل.

عباس: أخو البطل، أصيب بمرض نادر بعد وفاة والده جعله لا يبصر، ولم تكن أمه تملك الإمكانيات لعلاجه مما اضطره إلى الالتحاق بالكتاب ثم بمدرسة ملحقة بجامع، ويتلقى تعليما دينيا يؤثر عليه فيما بعد، لكنه شرير يوقع بأخيه غيرة منه ثم يقاطعه في النهاية، وحين تسقط الموصل ينضم لداعش ويشي بأخيه لكي يقتل، كما يشي بجيران له ساعدوه حين كان طفلا عاجزا.

الخال: كان رجلا طيبا رعى ابنة أخته وولديها لكنه استجاب لوشاية “عباس” لكنه عاد إلى صوابه.

فاتن:  زوجة “احمد” وهي ابنة خال أمه التي تربيت معه وهي صغيرة، وقع في غرامها وشاركها كثير من حياته، وبعد وشاية أخوه كاد أن يفقدها لكنها تصرف بمكر لكي يستعيدها.

الخالة شكرية: جارة للبطل وهي والدة صديق عمره، سيدة مسيحية طيبة كانت تعيش في نفس المحلة التي يعيش فيها البطل وأهله وتعامله كابن لها.

خضر: ابن “الخالة شكرية”، وصديق عمر للبطل، عاشا سويا وهاجرا سويا من العراق، وحين ماتا قررا أن يدفنا في مقبرتين متجاورتين.

رمضان: صديق الطفولة الثاني للبطل، لكنه لم يكن بمستوى ذكائه وكان منصاعا أكثر للمجتمع المحيط، حتى أنه عند دخول داعش الموصل كان موافقا ومرحبا.

عزيز: رجل منعزل كان يعيش في نفس المحلة، وله شقيقان، يعيشون جميعا في بيت واحد ومعروف عنهم مداواة المرضى ومعالجة الحالات الصعبة، و”عزيز” كانت له مواقف خارجة عن المألوف حيث يتواصل روحيا مع الناس ويعرف أشياء كثيرة، وفي النهاية ذبحه داعش.

الراوي..

الراوي هو البطل “احمد” الذي حكي معظم الرواية وكان يحكي بضمير المتكلم، عن نفسه ودواخله وأحاسيسه وأفكاره والأحداث التي تمر بحياته، كما حكى عن باقي الشخصيات من خلال تفاعلهم معه، وهناك طريقة حكي أخرى في صورة رسائل بين عدة أشخاص، رجل سعى لنشر مخطوطة البطل “احمد”، وناشر الدار، وابنة البطل، ومقالة عن “خضر” و”احمد” كتبها حانوتي تركي، هذه الرسائل والمقالة تشي بأن الرواية حقيقة ووقعت بالفعل، مما يعطي للرواية طعم التوثيق وهذه خاصية تتميز بها الكاتبة في كتابتها للرواية.

السرد..

السرد محكم البناء يعتمد على الحكي الشخصي عن المكان، وهو مدينة الموصل، وخاصة محلة الشيخ فتحي، وارتباط البطل بهذا المكان وبالناس الذين يعيشون فيه، وبأطوار حياته التي قضى معظمها في مكان واحد هو مدينة الموصل، الرواية تحتفي بالمكان من خلال تأثيره على الأشخاص الذين يعيشون فيه ويحبونه، تقع الرواية في حوالي 380 صفحة من القطع المتوسط، وأهم ما يميز السرد بعده عن رصد مشاهد واقعية وتفصيلية قد تكون قاسية على القارئ، واستعوض عن ذلك بسبر أغوار نفس البطل كشف تأثير الأحداث عليه، وعلى الشخصيات الأخرى.

الاحتفاء بالمكان الذي انعجن بحياة الأشخاص

أهم ما تتناوله الرواية رصد متصاعد للحياة في العراق منذ الخمسينات وحتى الوقت الحالي، وخاصة الحياة في مدينة الموصل في محلة الشيخ فتحي، حيث رصدت بعيون الطفل كيف كانت العراق بلدا رحبا يضم أعراق واثنيات مختلفة بتسامح وود، وكيف أن المحلة كانت تضم المسيحي والمسلم والأعراق المختلفة دون الاهتمام بتلك الاعتبارات، وكيف أن الناس كانوا متحابين ثم جاءت أحداث تموز وموت الملك، وفترات الستينات والسبعينات كلها والبطل مهتم أكثر بالحكي عن نفسه وتطورات حياته.

إلى أن يصل إلى الثمانينات وأهم حدث والذي يعتبر إشارة البدء للخراب الذي حدث فيما بعد، وهو حرب العراق مع إيران يتبعها الحرب عل الكويت، ثم الحصار الاقتصادي وغزو العراق، وكيف أثرت كل تلك الأحداث على نفسية البطل، الذي يعد نموذجا للمواطن العراقي المنتمي للطبقة الوسطى المتعلم، الذي استطاع أن يجد عملا في مؤسسات الحكومة ويوفر لأسرته حياة مناسبة.

بعد غزو العراق تدخل البلاد في مرحلة أخرى مغايرة تماما، مرحلة الفساد والاقتتال الطائفي، وكثرة الأحزاب والكيانات الطائفية وانتشار الإهمال والفوضى وانفراط عقد الدولة، لكن البطل يظل متمسكا بوطنه رغم قدرته المادية على الرحيل والهجرة إلى الخارج، يتمسك بالمكان الذي ولد فيه وبأصدقائه وأحبابه، لكن تسوء الأوضاع أكثر وتحتل الموصل من تنظيم داعش الوحشي، بالتواطؤ مع القيادات السياسية وبمباركتها، لتدخل الموصل في مرحلة أكثر وحشية، يطرد المسيحيون وتنهب أموالهم وتسبى الازيديات ويقتلن بعنف ووحشية، وتهدم الأضرحة والأماكن الأثرية الهامة ومعالم المدينة القيمة، ويتم ترهيب الناس وقتلهم بطرق وحشية، من يعترض أو يثبت علاقته مع الحكومة يقتل بطرق متفننة في الوحشية مما يضطر البطل إلى الهرب من الموصل بعد أن خانه أخيه ووشى به. وتؤثر كل تلك الأحداث المأساوية على نفسية البطل فيقرر الهجرة إلى تركيا هو ورفيق عمره لكنه لا يعيش طويلا هناك.

يعبر البطل مرارا عن عشقه للمكان الذي تربي فيه، والذي انعجنت حياته به، محله الشيخ فتحي ومدينة الموصل والعراق ككل، ويتحسر على الخراب حتى أنه يشبه العراقيين في محنتهم ومآسيهم المتواصلة باليهود أيام النازية، والفلسطينيين بعد احتلال الصهاينة لأراضيهم وتعرضهم للشتات، وهذا ما حدث لأهل الموصل ونينوي فقد ذاقوا الشتات وتعرضوا لمحن قاسية.

الرواية مكتوبة بلغة سلسلة محملة بمعاني إنسانية سامية، وأهم ما يميزها أنها لا تزعج القارئ بمشاهد دموية وتفاصيل دقيقة، بقدر ما تنقل له دفقات شعورية هامة وتأثيرات تلك الوحشية على الناس أصحاب الموصل أنفسهم، تخاطب مشاعر القارئ دون صدمات مفاجئة.

كما أنها ترصد أحداث الحياة في المجمل وتأثيراتها على نفسية البطل، مشاعر الطفل اليتيم المتعلق بأمه، ومشاعر المراهق الذي وقع في الحب، ومشاعر الرجل الذي يدخل مرحلة الشيخوخة ويشعر أنه لم يستمتع بشبابه بعد، والطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة وكيف يرى الحياة ويتعامل مع الأزمات غير العادية بقلب ملاك. كما قدمت شخصية المتشدد دينيا في شخصية “عباس” أخو البطل، والذي انطفأت روحه وكان يحقد على الجميع، وكان طماعا وعنيفا وخائنا، فمن ينضم لتنظيم متشدد يقتل الناس بوحشية لابد وأن يكون عير متوازن نفسيا ولديه مشاكل نفسية كثيرة لم يحلها.

وأخيرا يتسم حكي “غادة رسول” بالثراء، لغة آسرة سلسة ومحملة بالمعاني، وتعتمد على الحب كرابط بين البشر، والعلاقات الإنسانية كأساس، تحتفي بكل معاني الحياة وتفاصيلها السلام والحب والصداقة والارتباط بالبيت والوطن، والعلاقة بين الأم وابنها والأخ وأخوه والأصدقاء التي تقربهم الأزمات وتقوي روابطهم. الحياة باشتباكاتها المختلفة وتعقيداتها الإنسانية، كما يتسم الحكي بتفاصيل كثيرة تحافظ على شغف القارئ وتبقيه مهتما حتى آخر الرواية، ليخرج من الرواية بمتعة واشباع.

الكاتبة..

“غادة صديق رسول” كاتبة عراقية، من مواليد 1969، حاصلة على ماجستير في البيولوجي- جامعة بيروت العربية، بكالوريوس في علوم الحياة/ جامعة الموصل. عملت في جامعة الموصل- كلية التمريض وكذلك في المركز الطبي لجامعة الموصل وحالياً تعمل في جامعة الموصل- كلية طب نينوى.

صدر لها: (رمادية، مجموعة قصصية، 2010- الموت للحياة، رواية، 2011- بياض الليل سواد النهار، رواية، 2012- أجمل كابوس في العالم، رواية، 2014- شتات نينوى، رواية، 2016).



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.