الجمعة 2 ديسمبر 2022
16 C
بغداد

    “حسب الشيخ جعفر”.. الشعر لديه كالسعادة أو كالتعب بعد عمل مضن

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    “حسب الشيخ جعفر” شاعر عراقي، ولد في مدينة العمارة. تخرّج في معهد غوركي للآداب في موسكو عام 1966 وحصل على ماجستير آداب. عين رئيساً للقسم الثقافي في إذاعة بغداد بين عامي 1970 – 1974، ومحرراً في جريدة الثورة، وعضو في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.

    حياته..

    ولد عام 1942 في ناحية هور السلام بمدينة العمارة، جنوب العراق وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في محافظة ميسان. انتقل وهو في سن الثامنة عشرة إلى موسكو على نفقة من قبل الحزب الشيوعي العراقي ليدرس في معهد غوركي للآداب عام 1959، فحصل على درجة الماجستير في الآداب عام 1965. ثم عاد إلى وطنه وعمل في الصحافة والبرامج الثقافية الإذاعية، كما عمل محرراً في الصحافة الثقافية البغدادية.

    عين عضو في الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء في العراق في 1969 حتى بداية التسعينات.

    الجوائز..

    – جائزة السلام السوفيتية 1983

    – جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية للشعر، الدورة الثامنة 2002 – 2003.

    مقاييس الشعر..

    في حوار معه نشر في مجلة (نزوى) أجراه “محمود الرحبي” يقول “حسب الشيخ جعفر” عن مقاييس الشعر العظيم: “حقيقة الشاعر هي إضافته لما سبقه، سواء كانت هذه الإضافة واهنة في عصرنا هذا أو تلك الإضافات التي أضافها عظماؤنا القداس، وأن سر خلودهم وأهميتهم التي نستشعرها الآن بقوة رغم بونها الزمني. هي في مدى إضافتهم وليس في كمية ما كتبوه.

    الانطلاق من التجربة الشخصية أساس الشعر العظيم، ولكن يجب أن يحاذيه خلق لمفردات ورؤى جديدة، تستطيع أن تقرب الأحاسيس وترقى بمحتوياتها، فالشاعر إن لم يضف شيئا آخر، شيئا غير مشابه، لم يكن إلا تكرارا أو إعادة لما سبقه، فعمر بن أبي ربيعة، سر بقائه ليس في صدق ترجمته لأحاسيسه فقط، وإنما في اقتحامه لأماكن شعرية غير سائدة،وهذه إضافة عمر بن أبي ربيعة،وعندها ننظر الى شعر أبي تمام مثلا نجد إضافة من نوع آخر، وقس على ذلك المتنبي. وأبا نواس. لكل من هؤلاء اضافته التي تختلف عن إضافة من سبقه، سواء في اللغة أو في الصياغة أو في اختيار المواضيع”.

    قصيدة النثر..

    وعن رؤيته لقصيدة النثر في العراق يقول: “أستطيع التأكيد على أن لتجربة حسين مروان وسركون بولص دورا في وضع حجر الأساس لقصيدة النثر في العراق. وأنا حقيقة من المشدودين لقصيدة النثر. رغم أني لا أزاولها. لأن الرؤية الجمالية لدي لا تؤطر بإطار معين. فلا تمييز لدي بين اللوحة الخلابة والقصيدة الخلابة. التأثر واحد، قصيدة النثر في العراق أصبحت الشكل الأكثر الحاحا لدى الاقلام العراقية الجديدة”.

    الحنين..

    وعن الغربة والحنين والفقد وكونهم التيمات الأكثر بروزا في تجربته الابداعية يوضح: “الشاعر الفذ والحقيقي يعيش غربتين غربة مكانية وغربة زمانية. لأن الشاعر لا ينتمي الى مكان جغرافي بعينه. إنما ينتمي الى العالم ككل. وانتماؤه الى العالم ككل يجعل منه غريبا، فأنا شخصيا انتمى الى العالم ككل أو في الأقل الى بقع جغرافية محددة هي التي أجد نفسي فيها منسجما وعندما أجد نفسي في بقعة لست على اتفاق معها فهي ليست بالنسبة لي وطنا، كما أن القرية الطفولية أو المدينة الطفولية هي المنطلق الأول لغربة الشاعر، فأنا عندما انتقلت من العمارة الى موسكو أي من العراق الى بلد أجنبي.

    لماذا أصبحت موسكو بالنسبة الي كشاعر تشكل الرعشة الفنية أو الخفقة الفنية التي ظلت ترافقني أكثر من ثلاثين سنة، بقوة تلك الخفقة أو الرعشة التي ابتعثتها في نفسي القرية الطفولية، فأنا أنتمي روحيا الى مكانين في الآن نفسه، الى مكان قروي طفولي وهو العمارة ومكان روسي ثلجي غابي سهوبي عواصفي، فأجد نفسي ممزقا بين منطقتين وهما منطقة الطفولة التي تشكل بالنسبة لي الهور والطيور البرية والجواميس والفلاحين والخضرة العراقية والتلال القديمة وتشكل أيضا امرأة معينة، امرأة قروية كانت الحلم الجمالي الذي استطعت من خلاله أن أنتمي جماليا الى الرؤى الجمالية الأخرى، أي مازلت الى الآن أنظر الى أي امرأة انطلاقا من الرؤية الجمالية الأولى التي شكلت ملامحها امرأة قروية معينة اسما وجسدا، فقد كانت السنوات الأولى من حياتي في موسكو هي مجرد حنين أو انشداد عنيف الى مكان آخر وهو العمارة، كنت طيلة السنين التي عشت فيها بموسكو اتطلع الى العودة الى هذه القرية الى هذه المرأة القروية الى تلك التفاصيل التي حفرت أخاديدها في روحي، ولكن بعد أن عدت جغرافيا الى هذه القرية الأولى وجدت نفسي أعيش حالة أخرى وهي الحنين المعاكس أو الردة الحنينية الى موسكو التي كنت غريبا طيلة أقامتي فيها ومشدودا بوتر عنيف الى القرية، وعندما عدت الى القرية وجدت أن ذلك الوتر الحنيني قد رافقني وانشد محولا اتجاهه الى موسكو وظلالها وغاباتها وثلوجها وهكذا، فالآن عندما أعود الى موسكو سأعيش تلك الغربة التي اجتاحتني فور اطراقتي الأولى الى سمائها الشاسعة هذا ما كنت أعنيه بالغربة المكانية للشاعر.

    أما فيما يخص الغربة الزمانية فإن الفنان مثلما هو ينتمي الى بقع مكانية متعددة فهو ينتمي كذلك الى بؤر زمانية متعددة وهذه البؤر أو المدارات لا تحدد بقرن أو عقد أو فترة معينة، أنا قد أجد نفسي مثلا قريبا الى المدار العباسي أو المدار الخيامي الفارسي أو الى المدار الاغريقي فحنيني وتشكلي الروحي يدفعانني لأن أعيش مراحل زمنية غابرة، فحفنة السنين التي عشتها الآن بجسدي لا تشكل بالنسبة الى إشباع فنيا أو حياتيا كما تفعله تلك الحقب والسنوات الماضية التي تشكل طموحي الجمالي فقد تشكر مثلا إحدى الشخصيات النسائية الروائية من القرن التاسع عشر الجمال الجسدي أو الجمال الا نسوي بحيث أظل أبحث عن هذا الجمال الضائع رغم معرفتي أنه لم يعش زمننا، وما أنشدادي الى هذه النماذج الفائرة في الزمن إلا لكونها تشكل بالنسبة الي رؤيا جمالية مطلقة”.

    السرد..

    وعن تجربته السردية خاصة عمله “الريح تمحو والرمال تتذكر” يقول: “إن النواحي السردية شائعة أيضا في كتاباتي الشعرية، فمثلما أجد نفسي في كتابي الأخير “الريح تمحو” أمام رؤيا جمالية قد أقول أنها جديدة، فأنا كذلك في قصائدي أقف أمام نفس الرؤيا، لأن ما كتبته في “الريح يمحو” ينطلق من خلال نفس المؤثرات الشعرية أو نفس ذلك الرفق السحري الغامض الذي تولد منه قصائدي الشعرية، وهذه النقلات التي تفضلت بذكرها سبق وأن مررت عليها عبر التكثيف الشعري من تجربتي، ولكن يبقى الفارق وهو انه في حالة كتابة القصيدة أكون محاطا بالضبابية محاطا بالغموض، ومقيدا بدفقاتي الروحية الوميضة الخاطفة أما في الكتابة النثرية فإنني أسبح في مساحات ورقع واسعة وغير محددة بالقانون أو الدفق الشعري”.

    وعن تحقيقه لمشروعه الشعري يقول: “إنني لم أحقق طموحي الشعري. لم أحقق الا جزءا بسيطا منه ولو أن الصحة والزمن قد لا يسعفانني بتحقيق هذا الطموح فمازال مشروعي الشعري مشروعا مستمرا، أما الاتجاه الى الرواية أو السيرة فهو محاولة أخرى للامساك بحفنة الصفاء الأزرق، كما أسماها صلاح عبدالصبور، أنا الآن انتهيت من انجاز رواية جديدة، حاولت فيها أن أطبق أصابعي على حفنة الصفاء هذه. وهذه الرواية تختلف عن “الريح تمحو”، منحى وتكنيكا، ففي هذه الرواية اقترب من الطرح التراثي البعيد كمرصد أصيل أو كنافذة هامة للتعبير”.

    طفولة أبناء القري الجنوبية..

    وفي حوار ثان أجراه “عادل كامل” والحوار مميز فهو حوار بين صديقين يعرفان بعضهما جيدا ويأخذ طابع الأسئلة والأجوبة التي تتكامل  وقد اجري في أوائل الثمانينات من القرن العشرين، وجاء فيه عن طفولة الشاعر “حسب الشيخ جعفر”:

    – طفولتك الخاصة أم طفولة ابناء الهور والانهار..؟

    ـ لا فرق، ان طفولتي لا تختلف في شيء مهم عن طفولة أبناء القري الجنوبية: القري المتناثرة كالاعشاش عند حافة الهور: النخل، الماء الازرق الجميل، والقش، الذهاب الي المدرسة مبكرا ً مرتجفا ً من البرد في الثوب الهزيل وحده، حافي القدمين.

    – أعتقد أنك عشت طفولة فقيرة، أو انك من هؤلاء الفقراء الذين يمتلكون سر حضارة سومر؟

    ـ لكننا لم نعرف سومر إلا في الكتب والاثار، غير انني اظن معك انها جزء من النسغ الحضاري نفسه الذي يتمشي في عروقنا جميعا ً.

    – كيف تصف لي والدك وأنت في الخامسة من العمر؟

    ـ العمامة البيضاء، وطلع النخل، باختصار سأحدثك عن طفولتي: أكواخ من القصب والبردي، والجاموس سابحا ً في الغدران، والبقر نسوقه الي الحقول والمواقد المتوهجة في الشتاء. الجوع، والبلهارزيا، والملاريا، وحماها تزورك كل ليلة، ثم وقوفي مرة في ساحة المدرسة في التاسعة او العارة من عمري، ولم يكن معي من الدفاتر والكتب إلا اوراق ممزقة، وقد أوقفني المدير امام التلاميذ المصطفين بصفتي نموذجا ًللاهمال والجهل والخيبة!

    – ماذا تكن من ذكري لهذا المدير؟

    ـ كان قاسيا ًفي تلك اللحظة كالاب الحنون!

    – لو لم تكن شاعرا ً، ازاء هذه الطفولة، ماذا كنت ستختار؟

    ـ لقد تذكرت اجابتي الاولي عن سؤالك هذا.. وأظن انها كانت الشعر هو الذي اختارني.

    – إذا ً، هنا، بالضرورة، نعود الي قرانا الاولي..؟

    ـ “مريم الزنارية” و “المياسة والمقداد” ثم “غوركي” في السنة الاولي من المتوسطة. وبالطبع كان المنفلوطي وجبران وطه حسين وتوفيق الحكيم، وأظن ان القائمة ستطول كثيرا ً إذا ما حاولنا التعداد وفي القلب، من هذه الأسماء، الجواهري الذي قرأته قبل غيره من الشعراء. لقد جاء لي والدي بديوانه في اجزائه الثلاثة الاولي، وكنت في السنة الاولي من المتوسطة.

    – الآن أود أن تحدثني عن أقدم ذكري تحملها عن والدك؟

    ـ لا أستطيع، لأن الام بالنسبة لنا هي الام نفسها. ربما أتذكر بشكل ساطع أن والدتي كانت تساعدني في نقل أو كتابة الوظائف المدرسية، وأظنك تتذكر اننا كنا مطالبين، مثلا ً، بكتابة الخروف العنيد، أكثر من اربع مرات. ربما كان هذا عقابا ً ما، أو مجرد واجب.

    – أنا حزين لأنني لم ابق طفلا ً، ما هو شعورك؟

    ـ لا أود استعادة الطفولة ، إنما أود كثيرا ً أن أعود طالبا ًأجنبيا ً في موسكو.

    – لكن طفولتك هي دمك الشعري، أو السحري؟

    ـ ما الفائدة من استعادتها ثانية.

    لقد اعطت ما شاءت أو شئت من الصور والتجربة، وقد أود أن أستعيد تلك لليلة المقمرة وأنا اجذف في زورقنا. الفضة تتألق علي النخل والماء، أو أن أستعيد تلكم المسافات الذهبية الشاسعة في ظهيرة ريح عالية: الرز في أوج نضجه، أو إذا شئت تلك الحفنة الفضية أو السمكة أصطادها بالشص، والصورة هنا من (نيرودا) كما أتذكر.

    – الشعر يقود إلي الإنسان.. إنه يعود بنا للسير فوق ألغام الماضي، وأنت تفعل هذا في الغالب؟

    ـ ما أن انتهينا منه لم يعد الغاما ً،إنما هي الذاكرة التي تتوهج في لحظات ما، عن ثراء هائل لم نكن نتصور انه كان رهن اشارة منا لكي ّ يتفتح عن كل مداه، أو هي الذاكرة وقد انفتحت عن أسرارها كلها في ساعة ما، ربما تتذكر هنا (بروست) ورائحة الكعكعة. وبالنسبة لنا نحن القرويين قد تكون صيحة (بطة) في منتصف ليل..! (يتابع بعد صمت) أتذكر أنني في فجر موسكو الجليدي كنت أسمع صوت المجرفة وهي تكتسح الثلوج فأتذكر أمي وهي تحلب البقرة، حيث يتعالي ارتطام الحليب بالانية النحاسية فافيق كأنني قد عدت طفلا ً، وسرعان ما تعيدني أشياء الي حقيقتها.

    – الماء، أليس كذلك؟

    ـ الماء ذكري طويلة، غير إنما يهزني من الماء هو بلوره الرائق في الكوز، وبالطبع أحب من الماء امتداده الازرق في الانهار العريقة الكبيرة. لقد قال ت. أس، أليوت ذات مرة (ولم أعد أتذكرالنص إنما ظله): لقد كانت الانهار الكبيرة تعني بالنسبة له أهمية خاصة في تجربة الشاعر، والذي يهمني من هذا هو الزرقة الابدية وطائر الشطوط الابيض.

    – أنا تجاسرت علي الصمت طوال هذا الوقت ولم أسألك: لماذا زرقة الماء؟

    ـ ربما هي الطفلة الغرقي، أو الطفل الذي عثرت عليه مخنوقا ً بحبل وردي في يومه الثاني أو الثالث من عمره وقد حملته مياه نهرنا مفتوح العينين الخضراويتين، فأسرعت بأنباء الفلاحين عنه.

    العذاب الإنساني..

    وعن الشعر:

    – والشعر؟

    ـ ربما يكون هو الموت، علي مراحل، أو أن الشعر أو الكلمة شأنها شأن المغامرات الانسانية المتعددة: هو جزء ـ الشعر ـ من الأسلحة يرفعها الإنسان في وجه الموت. وهنا أتذكر (دون كيخوت) مرة ثانية: إنك تتحدي الموت وتعرف جيدا ً انه هو القهر غير انك في لحظة من اللحظات أو في وهم من الاوهام تشعر انك المنتصر. ولنتذكر هنا قول السياب: كان موتي إنتصاراً. هل تسمح بان أطرح عليك هذا السؤال: لماذا ترهق نفسك في العمل غير المجدي الذي هو عملنا جميعا ً، أعني الكتابة؟

    ـ ربما كي لا أسأل نفسي هذا السؤال، أي أنني ارهق نفسي كي لا أعرف أنني أفعل ذلك، أو ربما بسبب هذا الخوف الذي ولدنا فيه، أو ربما لاستئناف ومضات طفولتنا، بدل أن نرغم ـ تحت ثقل الخوف ـ أن نتحول الي أوثان!

    – الشعر، لديك، عذاب: هل هذا ما أردت أن تقوله في شعرك؟

    ـ لم يكن الشعر يوما ً ما عذابا ً، إنما كان في أغلب حالاته نتيجة عذاب هائل: أقصد عذابا ً روحيا ً. غير أنه أي الشعر ـ كلما أتفق الشاعر معه كان شيئا ً كالسعادة أو كالتعب بعد عمل ٍ مضن ٍ. إنما هو في الأحوال كلها عمل الشجرة في ازدهارها وإثمارها، عمل الحقل في نضوجه.

    – الشعر ثمرة أجيال، أي ثمرة زمن..؟

    ـ أستطيع أن أجيبك بكلمة واحدة هي القمح أو حبة القمح.. أليست حبة القمح خالدة، أليست حبة القمح الواحدة بداية حقل كبير؟

    – أنت تتحدث هنا عن خلود النوع، وأنا لا أقصد الأنواع، وإنما أقصد الشعر…؟

    ـ ألم ْ يعش الشعر مع نشوء الحضارات وكسوفها، ألم ْ يعش القمح مع الحقل في اخضراره واصفراره، والاصفرار هنا هو عطاء وطريق الي ولادة جديدة؟ إذا ً لأكن واضحا ً فانا أعني بهذا المثل سيرورة الشعر.

    – البذرة تموت، لكن الشاعر يلامس الخلود؟

    ـ البذرة الرديئة لا تنتج سنبلة، أي لا تمتلك اتصالا ً بعملية الحياة الخالدة.

    – هل تفكر البذرة؟

    ـ مادامت حية، ومادامت تمتلك الطاقة علي أن تتحول الي سنبلة فهي إذا ً تفكر بعصارة الحياة فيها.

    – لكني أعرف انك لست شاعرا ً من شعراء الطبيعة؟

    ـ هل تتصور أو تعتقد بأن الطبيعة هي المنظر الطبيعي أيها الناقد الفني؟ أليست الطبيعة في جلستنا هذه تكاد أن تدخل الينا عبر هذا الزجاج؟ ألم ْ يكن قلبك أو روحك مترعين في ليلة ما، أو في يوم ما، بهذه الطبيعة كلها…؟

    – الشعر إذا ً إبن الروح: الطبيعة التي هي خارج الانسان وداخله؟

    ـ أتفق معك في الكلمات الاخيرة، أي أن حقيقة الطبية في الشعر أو الفن عامة هو ما تحيا به الروح، أي خضرتها. إذا ً أنا هنا في هذا الركنمن المقهي، غير أنني انطوي علي كل ما أستطعت أن أمتصه من تقلبات الطبيعة في الازمنة والامكنة التي عشتها. أنا هنا الطبيعة التي عشت بكاملها، وحين أكتب عن يوم ما وعبر عشر سنين أو عشرين سنة فانني ممتليء تماما ً بطبيعة ذلك اليوم: أي بتحوله الخاص.

    – لكن الطبيعة قاسية، فهل الشعر قاس ٍ ايضا ً؟

    ـ الشعر صعب.

    – لكن الطبيعة جميلة ايضا ً؟

    ـ أتذكر لوحة لـ (انجر)، أي الوجه..

    – تقصد لوحة الحمام التركي؟

    ـ ابدا ً.. إنما هي لوحة امرأة فاتنة كانت أشبه بالايقونة.

    – لم ْ أفهم شيئا ً من هذا الكلام ..؟

    ـ ان طريقي الي جلجامش قد يكون عبر الملكة السومرية، عبر التاج، أو القيثارة الذهية، كما ان طريقي الي فن العالم قد يكون لوحة لماتس أو كويا.

    – حسنا ً إذا افترضنا أن هناك حرية في الاختيار، فلماذا أخترت الشعر؟

    ـ قلت في جواب سابق، وكما أستطيع أن أتذكر: ان الشعر هو الذي اختارني. أي كما أتذكر لم اتعمد اختيار الشعر. لقد وجدت نفسي مكبلا ً وحرا ً في الوقت نفسه الي هذه اللعنة.

    – إذا ً أنت تتفق معي بأن مهنتنا هي صياغة عذابات الانسان، بشكل ما من الاشكال؟

    ـ ليس فقط التجسيد الشعري أو الفني في العذاب الإنساني، إنما الانطلاق من خلال العذاب الي تصّور الفرح أو السعادة الممكنة، غير انها في الفن عامة هي المستحيلة، إنما في هذا التجسيد الفني يكمن التقريب بين الروح العذبة التائهة وحلمها.

    جدلية الإنتظار..

    وفي مقالة بعنوان “حسب الشيخ جعفر يتشكل روحياً.. جدلية الإنتظار بلا جدوى” كتب “حمدي الساعدي”: “الشاعر حسب الشيخ جعفر، شاعر أمَدَّ تجربة الشعر العربي عموماً والعراقي خصوصا بالكثير من سمات التطور والتجديد، ورغم الجهد الأدبي الذي درس جوانب عديدة من أشعاره، إلا أن هناك جوانب كثيرة ما زالت تستحق التأمل والدراسة ولو على جزئيات متباعدة.

    إن قراءتي لشعر حسب الشيخ جعفر ، كانت مع بواكير قراءاتي الشعرية التي كنت اتنقل فيها على محطات كبرى في الشعر العربي، كالمتنبي وابي نواس والجواهري والسياب والبياتي وشكلت أشعاره تحولا في طبيعة الذائقة الشعرية بالنسبة لي، وفي ظل أشعار حسب الشيخ جعفر، بدأ يتشكل سر روحي يجمع بين الغربة والتوحد وفرادة التجربة التي كلما اقتربت منها، كلما زادتك بمعين يتجدد في كل قراءة لاحقة لقصائده التي تميزت باكتمال دائرة تجربتها وتموضعها في مكانة رائدة من تجربة الشعر العربي والعراقي على حد سواء.

    إن تجربة حسب الشيخ جعفر، تشكل امتداداً زمنياً متدرجاً وتصاعدياً، حيث جاءت مجموعاته الشعرية الأربع الأولى واحدة ترفد الأخرى بتجربة غنية بدءا من (نخلة الله) إلى مجموعته الرابعة (عبر الحائط في المرآه) يضاف إلى هذه التجربة الروحية والشعرية، ذلك العمق الحياتي الذي اغتنت به تجربة الشاعر من خلال سفره في بعثة دراسية الى موسكو للدراسة في معهد غوركي للآداب”.

    ويضيف: “وقد تستثيرنا هذه الإيماءات والومضات التي تطبع شعر شاعر ما ، وترافق تجربته وتشكل جزءا من معجمه الشعري، ووسائله الفنية والتعبيرية التي تغني التجربة الشعرية ، بما يترافق وامتدادها أفقياً وعموديا ً(زمنيا ًوابداعيا ً) لتشكل هاجس الشاعر الدائم في علاقاته مع حالاته الشعرية التي يحف بها التلاؤم بين ماهو كائن وما يكون ، بين الماضي والمستقبل، وبينهما حاضر شاسع ترفده التجربة الآنية بمفردات التعامل مع جزئيات الحياة احدة من أهم جزئيات الحياة التي تكتنف هم الشاعر هي انتظاره الدائم وبحثه الدائب عما يمكن توصيفه ، بما ورائية الحضور، الذي يمتزج فيه عاطفياً وشعرياً، يضاف إليه التراكم الكمي على مستوى التجربة الذاتية، الأمر الذي أدى إلى أن يكون الانتظار هاجساً دائما للشاعر، ذلك ان الشاعر في انتظار دائم وبحث مستمر عن حالات التوحد بالجمال الهارب ومحاولة الإمساك والقبض على شيء منه ، والتأكيد على تلك العلاقة غير المتكافئة، بين اثنين، حاضر غائب ذاهل بما حوله ينتظر الغائب القادم، وقادم يفجع المنتظر الحاضر، بحضوره الغائب المتلاشي في اعماق الأبدية”.

    وفاته..

    توفي “حسب الشيخ جعفر” يوم الإثنين 11 أبريل 2022 في مدينة العمارة ودفن بمقبرة وادي السلام.