الثلاثاء 9 أغسطس 2022
44.8 C
بغداد

    (النساء والكتابة 2- 33):  من الأجدى السؤال عن إنصاف النقّاد لكتابات الرجال إزاء الاحتفاء المفرط الذي تقابَل به بعض النصوص “الأنثوية”

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    مجددا يشكو بعض الكتاب الرجال من احتفاء بعض النقاد بالنصوص التي تكتبها النساء، لأغراض أخرى غير الغرض الأدبي والثقافي، والتساؤل هنا هل يقع اللوم على الكاتبات أم على النقاد، ولماذا دائما يستخدم البعض الإيحاء باستغلال الكاتبة لأنوثتها كي تجد لها مكانا على الساحة الثقافية، وإذا كانت هناك حالات فردية هل يجوز تعميمها والحديث عنها باعتبارها ظاهرة عامة. وكأن كل الكاتبات يستخدمن الإغواء كوسيلة للوصول؟

    هذا هو الجزء الثاني من تحقيق (النساء والكتابة)، والذي جمعنا فيه آراء الكتاب من مختلف بلدان الشرق عن الصعوبات التي تواجه الكاتبات، وطرحنا هذه الأسئلة:

    1. في رأيك هل مهام الكاتبة من عمل، ومسؤوليات الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل صعوبات تمنعها من التفرغ للكتابة وتقلل فرصها للتواجد على الساحة الثقافية ككاتبة؟
    2. ما رأيك في مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    3. ما رأيك في تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء، والجرأة في الكتابة. وما رأيك فيها يسمى بالكتابة الأيروتيكية؟
    4. هل استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا وأن تجد لها مكانا وفي رأيك هل ينصف النقاد كتابات النساء أم لا ولما؟
    5. هل تعتقد أن هناك اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال وما هي تلك الاختلافات؟.

    الكتابة أسمى من حلم تحقيق النجوميَّة السريعة..

    يقول الكاتب اللبناني “مهدي زلزلي”: “التفرّغ للكتابة حلم بعيد المنال بالنسبة لمعظم الكتّاب العرب من الجنسَين على حدّ سواء، والعمل خارج المنزل وداخله كلاهما عائق يحول بين الكاتب وبين تقديم أفضل ما عنده كمًّا ونوعًا، وإن كان العمل داخل المنزل يبقى أكثر صعوبة- خصوصًا ما يتعلق منه بالأعباء المتصلة الأمومة- من حيث أنَّه غير مقيّد بدوام عمل مقدّس، فلا وقت استراحة بالنسبة للأم، خصوصًا في المراحل الأولى من عمر الطفل، مهما كان الأب متعاونًا وشريكًا حقيقيًّا”.

    وعن مقارنة النصوص رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص يقول: “إذا كان لا بدّ من الحديث عن مقارنة أو منافسة من هذا النوع فهي منافسة ظالمة حتمًا للمرأة الكاتبة حتمًا، إذ أنَّ ثمة تفاوت في إتاحة الفرص كما أشرتُ في الإجابة عن السؤال الأوَّل، ولكنَّه تفاوت محدود وليس كبيرًا على أيّ حال، فالرجل محرومٌ بدوره من التفرّغ المنشود. غير أنَّني – كقارئ – لم أنظر يومًا إلى الأمر من هذه الزاوية، ولم أدخل إلى نصّ من بوابة هويَّة كاتبه الجندريَّة، ولا أظنَّ أنَّ فعلًا كهذا صحيّ ومفيد”.

    وعن تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء يقول: “كل نصّ يسعى إلى تحقيق الإثارة وافتعال الضجة بهدف الوصول والرواج هو خيانة للكتابة نفسها، وغالبًا ما يأتي هذا على حساب المضمون، وغالبًا ما يتصل بانعدام ثقة الكاتب(ة) بإمكاناته وقدرة نصّه على الوصول إلى قارئه المفترض بغير مؤثرات خارجيَّة.

    الكتابة أسمى كثيرًا من أحلام البعض بتحقيق النجوميَّة السريعة، وهذا كلام حقيقي يؤمن به كثيرون وإن بدا للبعض خلبيًّا ومفرطًا في المثاليَّة. أمَّا الكتابة الأيروتيكيّة فهي اتجاه له مريدوه، ولا أجد نفسي منحازًا له قراءةً وكتابةً، وهذا أمر مرتبط بالذائقة الشخصيَّة أكثر من أي شيء آخر، فأنا أرى أنَّه إذا كان لا بدّ من حضور الجنس في نصّ معيّن بحكم موضوعه وسياقه فليكن ذلك الحضور الأنيق الذي نراه في كتابات “حنا مينه” على سبيل المثال، والذي يشكّل إضافة حقيقيَّة للنص لا مجرّد جسر مبتذل إلى شريحة محدّدة من القراء”.

    وعن استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافيَّة في مجتمعاتنا يقول: “هي متواجدة تاريخيًّا وبحكم الأمر الواقع ولا تحتاج إلى اعتراف أو شهادة من أحد، ومن بين الكاتبات المعاصِرات في العالم العربي أستمتع كثيرًا بقراءة “شهلا العجيلي وكفى الزعبي وإيناس العباسي ورشا عدلي وزينة حموي” وكثيرات غيرهنّ.

    أمَّا بالنسبة إلى الشقّ الثاني من السؤال، فلعله من الأجدى السؤال عن إنصاف النقّاد لكتابات الرجال إزاء الاحتفاء المفرط الذي تقابَل به بعض النصوص “الأنثوية” من دون استحقاق أحيانًا، ولمجرّد كونها أنثويَّة، وإن كنت غير موافق تمامًا على هذا التصنيف”.

    وعن وجود اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال يقول: “لعل الاختلاف الوحيد هو في المواضيع التي لم تخرج في بعض الحالات عن معالجة قضايا المرأة ومعاناتها في بلداننا، وإن كانت بعض الكاتبات قد تحرَّرن من هذا القيد وانطلقنَ إلى فضاءات أكثر رحابةً، أمَّا من حيث الأسلوب والمستوى فلا أرى أية اختلافات”.

    كتابات النساء ثورة ضد واقعها المفروض عليها..

    ويقول “جوان زكي سلو” قاص وروائي كردي من سوريا: “تعد كتابات المرأة والقضايا التي تقدمها عبر أدبياتها الأنثوية، قضيةً شائكة ومتعددة الاتجاهات، حيث شغلت الكثير من المنصات والمنابر الأدبية والفكرية وعبرت الحدود واللغات، لما قدمته المرأة من نتاجات أدبية، فسلطت الضوء بذلك على أوجه مظلمة من حياتها وشخصيتها المتوارية خلف أساطير العادات والتقاليد، وأظهرت جزء من  كينونتها التي كانت وما تزال مبهمة لكثير من أجناس الأدب، فقد جاءت هذه الكتابات كثورة ضد واقعها المفروض عليها، ورغبة منها في التغيير نحو الأفضل، هذا ما جعل النقاد يصنفون الأدب على أساس الجنس لا المادة، وهذا هو الجُرم الأكبر بحقها، فهذا التصنيف يقصد به التقليل من قيمة المادة الأدبية، أو التقليل من قيمة الكاتب بوصف جنسه.

    لا يخفى على أحد أن المسؤوليات التي تقع على عاتق المرأة في مجتمعاتنا الشرقية، العائلية منها والوظيفية، تؤثر بشكل كبير على نوعية وكيفية المادة الأدبية التي تقدمها، لهذا نجدها تعلق يوما بيوم في شبكة المسؤوليات التي أفقدتها السيطرة على قلمها، وأفرغت يومياتها من ذلك الوقت المخصص لها للكتابة، ما عدا تلك الكاتبات اللواتي تكيّفن مع الواقع وصنعن عالمهن الخاص وقدمن موادٍ أدبية وفكرية تصنف من الأعمال الخالدة للأدب العالمي.

    ومن هذا المنطلق قام النقاد بتصنيف الأدب على أساس جنسوي لا على أساس الهوية، فالهوية هي التي تحدد قيمة المادة لا جنس الكاتب، والهوية هي التي تقدم القضايا المجتمعية والفكرية للعالم لتسليط الضوء عليها، بغض النظر عن الشخص الذي قدمها، وبحسب هذا التصنيف كان من الأجدى أن يقوم النقاد بتوصيف المادة التي يقدمها الرجل بأدب الرجل، أسوة بأدب المرأة.

    من هذا المنطلق يصبح من الغباء أن تكون هناك مقارنة بينهما، لأننا بذلك نصنع حاجزا عملاقا أمام المرأة تعيق تقدمها وتحجم إمكانياتها الأدبية والفكرية، وتمنعنا من الاستمتاع بأدب عاطفي يتسم بالجمال. لذلك علينا أن نفسح المجال أمامها كي تكسر التابوهات بنفسها، بقلمها، بإرادتها، بعاطفتها وبإحساسها المرهف، وتكتب في كل الأصناف الأدبية التي كان محرما عليها دخولها، كالكتابة في الأدب الإيروتيكي”.

    ويواصل: “يعتبر الأدب الإيروتيكي من الأبواب المحرمة على المرأة الولوج فيها، أو حتى طرقها، حتى وقت قريب، إلا أنها وبجرأتها وثوريتها الحيوية والأدبية، استطاعت أن تلج هذا العالم وترفده بنصوص غاية في الإتقان وملون بالعاطفة والجمال، حيث وجدت المرأة نفسها سيدة هذا العالم لما له من عناصر تثير خيالات القارئ وتزيد من رغبته في قراءتها، إنه الأدب الإباحي والذي يحوي على عناصر تمكنه من الانتشار بشكل أوسع في عالم الأدب، وله الكثير من الأوجه، أكان شعرا أو قصة أو رواية. على الرغم من أنهن يرزحن تحت نير الفكر الذكوري السلطوي”.

    وعن وجود اختلافات ما بين كتابات النساء وكتابات الرجال يقول: “إن الأدب بمفهومه العام لا جنوسة فيه، وإنما يعتمد على التصنيف العمري والفكري والنوعي بشكل عام، كأدب الطفل، والمسرح وغيرها الكثير، ومن هذا المنطلق تستطيع المرأة أن تستثمر قلمها وفكرها في تقديم مواد أدبية ترتقي إلى مصاف العالمية. فلا توجد عناصر أو اختلافات أو قواعد يصنف الأدب على أساس الجنس، بلا هناك قواعد لتصنيف نوع الأدب”.

    معايير النقد باتت مشوّشة صعوداً وهبوطاً..

    ويقول الكاتب العراقي “على الحديثي”: “يقينًا، نحن ما زلنا نعيش تبعات التقسيم الجنسي للعمل في مجتمعاتنا الذكورية، حيث يرتبط وجود المرأة تقليديا بالفضاء المنزلي لتقوم بدور الأم والزوجة والمربية والمدرّسة والممرضة، وإذا ما أضفنا إلى ذلك تشظّي المرأة الموظفة بين المجالَين العام والخاصّ من دون مساعدة تذكر من الرجل/ الزوج، حينها ستضعف حتماً أمام المرأة الكاتبة فرصة الكتابة والإنتاج المعرفي، كما تقلّ فرصة وجودها في الساحة الثقافية”.

    وعن مقارنة النصوص يقول: “أنا رافض لفكرة المقارنة بكلّ متغيراتها، إن على صعيد الجنس، العصر، الجنسية، الطبقة ….الخ، فلكلّ كاتب بصمته الخاصّة ونهجه وأسلوبه وأفكاره الذي يروق لجمهور معين من القرّاء”.

    وعن تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء يقول: “أي نصّ لا يفتح كوّة في جدار التابوهات لا يعوّل عليه، سواء كان التابو في إطاره الاجتماعي أو الديني أو السياسي أو حتى الجنسي، وسواء كان الكاتب رجلاً أو امرأة.

    فيما خصّ الكتابة الأيروتيكية فهي تعرض الحميمي، فأين الغرابة كما يقول “إيريك فروم” في الجمع بين الحياة الحميمة الجنسية (السر) والمعرفة؟! أليست فكرة الخطيئة بكل ما فيها من مدلولات جنسية مقترنة بالمعرفة؟! ثم إن هناك كمًّا هائلًا من المراجع العربية الأيروتيكية، ومنها على سبيل المثال “ألف ليلة وليلة” الذي شكل فيه خطاب الجنس علاجاً كما كان مأساة”.

    وعن استطاعة كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا يقول: “السؤال يتضمن شقّين وفي كليهما لا يمكننا التعميم.. إن تواجد المرأة (الكاتبة العربية) يختلف من دولة عربية إلى أخرى، كما يختلف بين كاتبة في الوطن وأخرى في المهجر، ذلك أن تمكين المرأة من الإنتاج والإبداع الثقافي عامة والأدبي خاصة يرتبط بالبنية المجتمعية التي تحتضن الكاتبة، بكل ما تشتمله تلك البنية من مؤسسات عائلية واجتماعية ودينية وسياسية وغيره، وفي كل الحالات هناك أسماء نسوية استطعن أن يثبتن حضورهن الأدبي.

    أما فيما خصّ النقاد فأنا لا أنكر وجود قلة يشكّل النقد لديها رسالة أدبية ومعرفية وإنسانية راقية محورها النص لا الكاتب، لكن لما كانت الذهنية السائدة هي الذهنية الذكورية التي تختزل المرأة عامة في جسدها (الجسد الأنثوي الشاب- الجميل – المغري….) فإني أخشى أن معايير النقد باتت مشوّشة صعوداً وهبوطاً”.

    وعن وجود اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال يقول: “برأييّ لا يوجد أدب نسوي، أو رجولي؛ هناك أدب إنساني جيد أو سيء مع نسبية مفاهيم الجودة والسوء حسب المجتمع وحسب الذائقة الأدبية للقارئ/ المتلقي، وإذا كان هناك اختلاف بين كتابات النساء والرجال، فأنا أظن سببه يعود لحكم الواقع والتقاليد، فالقيود المفروضة على المرأة ظلمًا في مجتمعاتنا جعل كتاباتها، في أغلبها، تأخذ منحى محدّدًا، وهو تحطيم هذه القيود بكلماتها، وهذا ليس عيبًا ولا خللًا، فهو ردّ فعل طبيعي لواقع متردٍّ، متى ما أعطينا المرأة حقّها في الحرية والكتابة والبوح، متى ما كانت المرأة كالرجل في مجتمعنا، حينها سأنتقد هذا المنحى المحدّد إن بقي محدّدًا”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا