الجمعة 2 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

    مع (كتابات) .. السيد “جعفر الصدر” : عند المواجهة مع المؤامرة العالمية يجب أن تكون في تقية (1 – 2)

    خاص / كتابات : حاوره في بيروت – هاشم الشماع :

    منذ صار يتيمًا، وهو صغير، تحول إلى لغز وسر غامض.. وكثرت حول مصيره الحكايات المتلهفة لمعرفة أين يكون ؟.. وهل هو في مأمن ليستمر ذكر أبيه الذي أودعه في ضمير محبيه وقلوبهم ؟

    وكبُر، رويداً رويداً، وفُرضت العزلة على حياته فرضًا خلال سني دراسته التي قضى معظمها في البيت يزوره معلم أو مدرس ليؤدي امتحانًا خارجيًا، في نهاية السنة الدراسية، وفي دراسته الجامعية كان زملاؤه يتجنبون الحديث معه خوف التهمة والعقاب.

    هذا الرجل هو السيد، “جعفر”، بن الشهيد الأول السيد، “محمد باقر الصدر”، الذي فتح قلبه لـنا ليجيب عن أسئلة ظلت تبحث عن إجابات عقودًا طويلة.. أسئلة طالما تاق إلى سماع أجوبتها محبو أبيه الشهيد، ولكن ما يلفت النظر في أجوبة السيد “جعفر” أنها إمتازت بموضوعية عالية جدًا، فهو لم يبالغ في رواية الأحداث ولم يظلم ظالميه.

    وفي هذا الجزء الأول، من الحوار معه، سنكون أمام قصة درامية صاغها القدر وصنعتها سنوات رعب وأيام شقاء وساعات إنتظار لفجر جديد..

    إرعاب وأذى..

    طلبت من السيد “جعفر”، خلال لقائه في العاصمة اللبنانية، “بيروت”، أن نبدأ من الساعات الأولى لاستشهاد والده السيد الشهيد، قدس سره، وعودته إلى مدينة “الكاظمية” المقدسة بعدها بأيام، حسب كتاب (وجع الصدر)، الذي لم يسلط عليه الضوء لأن عمره كان عشر سنوات، لكن الكتاب أشار إشارة سريعة إلى دخوله الحوزة في حياة السيد الشهيد “الصدر الثاني”، قدس سره، وخروجه إلى “طهران” سرًا، وفي الكتاب تقول والدته الكريمة: “أن السيد جعفر عندما غادر سرًا إلى إيران صبت عليّ مصائب من قبل النظام”، لكن الكتاب لم يبين مصائب “العلوية”، أم “جعفر”، وسألته أن يوضح لنا نوع الأذى الذي وقع على والدته الكريمة بسبب مغادرته العراق.

    تدفق السيد “جعفر” بالحديث؛ وهو يجيبني عن سؤالي.. وقال: عندما كنا في “النجف الأشرف”؛ كنا بحماية السيد الشهيد “الصدر الثاني”، قدس سره، ورعايته، وعندما تركت “العراق” بقيت والدتي لوحدها مع أخواتي. والمصائب التي ذكرتها الوالدة يبدو أنها تشير إلى وجود المتابعة والسؤال الأمني لوضعي الخاص، فبين مدة ومدة؛ يطرق رجال الأمن باب البيت لهذا الغرض ويطرحون الأسئلة ويطلبون الإستبيان عني وعن وجودي، وكانت أغلب هذه الإستفسارات تصدر من الاستخبارات والأمن والحزب، ومن بين هذه الأسئلة: “أين جعفر الصدر ؟.. أين اختفى ؟.. أين سافر ؟”.. وأسئلة أخرى من قبيل: “هل وصل خبر منه ؟”.. هذا الأذى الذي كانت تشير إليه الوالدة، وهو محاولة لإرعابها ومعرفة هل يوجد تواصل من عدمه، وكانت هذه المحاولات تتكرر لمعرفتهم أنها وحدها، خاصة بعد استشهاد السيد الشهيد “الصدر الثاني”، مسؤولة عن عائلتنا.

    إقامة جبرية..

    (كتابات) : عندما كنت في بيت سماحة السيد، “الصدر”، كان عمرك عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة.. هل كونت صداقات مع أقرانك ؟.. هل أطلعت على المجتمع “الكاظمي” ؟.. هل عشت الطفولة التي يعيشها أي إنسان ؟.. أم أن مأساة السيد وألم العائلة ككل أثر على شخصية السيد “جعفر” ؟

    • في “الكاظمية” كانت سلوتي وصديقي وزميلي هو الكتاب.. كانت هناك مكتبة سماحة السيد، “حسين الصدر”، وكنت أحاول قضاء الوقت بالمطالعة اليومية؛ مثل الكتب الدينية والثقافية، فلم أكن أستطيع الذهاب إلى المدرسة ولم يكن أحد يأتي إلى بيت السيد، “حسين الصدر”، وأشبه لك الأمر بأننا كنا في شبه إقامة جبرية، ولم أكن أدرك تفاصيلها إلى هذه الحدود، ولكن الوضع الأمني كان صعبًا، عندما كان عمري عشر سنوات، أي في سنة 1980 إلى 1989، كنت جليس البيت ولم أرَ أحدًا إلا أهل بيتي، ولهذا لم تتكون عندي صداقات أو رفقة إطلاقًا.

    الطلاب كانوا يتحاشونني..

    (كتابات) : عندما دخلت الابتدائية والمتوسطة والإعدادية وكلية الحقوق، أيضًا، لم تنشأ لك صداقات مع الآخرين ؟

    • بالنسبة لدراستي قبل دخولي إلى الجامعة؛ كنت أمتحن بما يعرف بالامتحان الخارجي، فكان يأتي إلى البيت مُدرس يعينني على المواد العلمية، خاصة الرياضيات والإنكليزي، وفي العام 1994 دخلت إلى الجامعة لمدة سنة واحدة في كلية الحقوق، ولم أستطع إكمال الدراسة في “العراق”، حدث أن تعرف الكثير من الطلبة على شخصيتي ومن أكون وما هو ظرفي، لكنهم تحاشوا التقرب مني، ومجموعة أخرى من الطلبة كان بيننا السلام والحديث عن المواد الدراسية والمحاضرات لا أكثر، كما أني لم أقم علاقات وتواصل مع الطلبة بسبب الوضع الأمني في التسعينيات؛ على الرغم من أن أفضل تلك السنين كانت أفضل من فترة الثمانينيات، والشخص الذي لا يقبل عليّ أنا لا أحاول التقرب منه، فلم تكن هناك علاقات بذلك المعنى المعروف للكلمة.

    لم أنتمِ إلى الحزب..

    (كتابات) : هل واجهت مشكلات في الكلية مع النظام كالمراقبة والمتابعة ؟

    • كانت هناك قضية الإنتماء الحزبي وإجبار الطلبة على الإنتماء للحزب، ولم أكن منتميًا، فكان هناك سؤال يُلح عليّ به.. لماذا لم تنتمِ إلى الحزب وما السبب ؟.. وبالتالي أمضيت سنة واحدة وتركت الجامعة وتوجهت إلى الحوزة في “النجف”.

    دعمت مرجعية الشهيد الثاني..

    (كتابات) : لماذا انتقلت إلى “النجف” ودراستها الحوزوية.. ولم تكمل الدراسة الأكاديمية ؟

    • إنطلقت في ذلك الوقت.. كانت مرجعية السيد الشهيد “الصدر الثاني”، قدس سره، وكنت متابعًا لها من أول إنطلاقها، في 1991 – 1992، ومتواصلاً مع السيد الشهيد، وشعرت أن من الواجب أن أدعم هذه المرجعية وأساندها وأقف إلى جانبها، لأني وجدتها تخدم الإسلام وفيها أمل للأمة وخدمة للوطن وللدين، وأنها راية حق رفعت، وواجب على أي شخصٍ قادر بأي نحو أن يدعم هذه المرجعية، بالإضافة إلى رغبتي السابقة في دراسة الحوزة وإكمالها التي منعتني عنها أمور كثيرة مع الأسف، فرأيت أن الظرف مناسب للعودة إلى “النجف” والعيش في الأجواء الحوزوية والإسهام في حركة السيد ونهضته، قدس سره، ووجدت أن البقاء في “الكاظمية” وإكمال الدراسة الأكاديمية لن يخدمني، أضف إلى ذلك معاناتي من المضايقات التي أتعرض لها، خصوصًا وكانت نتيجتي، الثاني على كلية الحقوق في السنة الأولى، كون العشرة الأوائل يأخذونهم لمقابلة المسؤولين في الدولة وتخلفي عن الحضور إلى مثل هذا، “التكريم”، وعدم الحضور يسبب إحراجًا ليَ لظرفي المعروف، لكن الأساس كان رغبتي في الدراسة الحوزوية ومواكبة نهضة السيد، قدس سره.

    الشهيد الثاني شجعني..

    (كتابات) : بماذا كان يتحدث معك السيد الشهيد، “الصدر الثاني”، بشأن الدرس والقضايا الاجتماعية الأخرى ؟

    • كان السيد الشهيد، “الصدر الثاني”، منذ الثمانينيات يأتي إلى مدينة “الكاظمية”؛ ويزور بعض الأقارب في المدينة، وكان يزورنا أيضًا، فكنت أسعد كثيرًا بلقائه، فلقاؤه مترع بالعلم والفقاهة، كما كنا نتحدث في بعض جوانب العرفان وأستزيد منه الكثير من المعلومات القيمة، فكان يشجعني منذ ذلك الوقت على الدراسة الحوزوية. وفي إحدى الزيارات قال لي: “أنا أفتح لك بيتي وأخصص غرفة لك لتدرس بها وأنا أشرف عليك مباشرةً”، لكن للأسف كانت هناك ظروف تمنع من إتخاذ هذه الخطوة، وعندما طرحت على السيد الشهيد، في سنة 1994، الدراسة في الحوزة سُرّ كثيرًا بالموضوع.

    درست في العراق وإيران..

    (كتابات) : ماذا درست في الحوزة.. وعلى من ؟

    • درست “المقدمات” وقسم من “مرحلة السطوح”، وكانت “المقدمات” هي العربية والمنطق والبلاغة وغيرها، ودرست أيضًا أصول المظفر والشرائع واللمعة وقسم منها درستها في “النجف” والقسم الآخر في “إيران”، وكان من أساتذتي السيد “حسين الصافي” والشيخ “علي الإبراهيمي” والشيخ “عمار الخزاعي” والشيخ “محمد اليعقوبي” والشيخ “علي سميسم”، ودرست بعض المواد عند سماحة السيد، “مقتدى الصدر”.

    قلدت السيد “الخوئي”..

    (كتابات) : من قلدت من المراجع بعد أن بلغت سن التكليف الشرعي ؟

    • قبل سن البلوغ.. كنت صبيًا مميزًا؛ فقلدت السيد الشهيد الوالد، قدس سره، وبعد مدة عدلت إلى السيد، “الخوئي”، قدس سره، وبعد ذلك إلى السيد الشهيد، “الصدر الثاني”، قدس سره.

    مؤامرة عالمية كبرى..

    (كتابات) : لديك تجربتان في مواجهة النظام.. الأولى مع السيد الشهيد الأول والثانية مع السيد الشهيد الثاني، قدس سرهما، هل لديك ملاحظة على أداء المرجعين من الناحية التكتيكية وعدم الإستعجال وزيادة التنسيق.. أم أن الظروف حتمت أن تكون المواجهتان بهذا النحو ؟

    • احترامًا وإكرامًا وتقديرًا للمرجعين الكبيرين؛ لا نستطيع أن نوجه النقد لعملهما، والذي أعتقده أنهما أعرف بتكليفهما وبالتأكيد إنهما عملا بما يرضي الله، ولكن لدي ملاحظة حول الظروف التي عجلت بالمواجهة عندهما، فبالنسبة للسيد الشهيد الأول، قدس سره، كان للثورة الإسلامية في “إيران” دور كبير في تعجيل المواجهة مع النظام، والسيد الشهيد لم يكن في حسبانه مواجهة النظام في هذه المرحلة، لأنه كان واعياً بأن الوضع العام والمستوى الفكري للمجتمع لم يكن مهيئًا للمواجهة، خاصة وأن النظام في أوج قوته، وأعتقد أن الموقف الذي إتخذه “الصدر الأول” في تأييده للثورة في “إيران” كان له أثر في تسريع المواجهة بينه وبين النظام، بالنسبة للسيد الشهيد، “الصدر الثاني”، قدس سره، فقد قلت لسماحة السيد، “مقتدى الصدر”، رأيي الخاص ولا أدرك مدى صحته، إذ أعتقد أن السيد الشهيد لم يكن هدفه الإستراتيجي مواجهة النظام، ولكن كان مواجهة المؤامرة العالمية الكبرى التي تحاك ضد الإسلام وضد المنطقة، والتي نعيش نتائجها وآثارها، الآن، كان الشهيد يعتقد أن النظام آيل إلى الزوال لا محالة ولا يمكن الإلتفات إليه مقابل الخطر الأكبر، فكان يعبر عنه بالسكين، والسيد كان يواجه اليد التي تحمل السكين، فكان هدف السيد تثبيت ركائز على الأرض لمواجهة تلك المؤامرة وتلك اليد، وبعد ذلك النظام ينتهي أوتوماتيكيًا، ولكن هناك بعض الأمور عجلت في المواجهة؛ أحدها إستعجال بعض أئمة الجمعة في مواجهة النظام، التي أجبرت السيد على أن ينخرط في هذه المواجهة دفاعاً عنهم ومطالبة بإطلاق سراحهم.

    كسر التقية..

    (كتابات) : بمعنى أنه نزل إلى المواجهة ؟

    • لا.. بل صعد درجة في المواجهة، وكان يقول إن التقية واجبة والإنسان كم يستطيع أن يتقدم إلى الأمام يجب عليه أن يتقدم لكسر هذه التقية؛ على أن تكون الخطوة التي تقدم بها ثابتة لا يتراجع بعدها، فعند المواجهة مع النظام أو مع المؤامرة العالمية يجب أن تكون في تقية؛ كي لا تذهب على حين غرة، وينبغي أن تكون خطواتك مدروسة ومحسوبة، وعندما تتقدم خطوة يجب أن تفكر بعدم التراجع عنها، لكن من كان حول السيد الشهيد تعجلوا وقدموا خطوة قبل أوانها مما اضطر السيد إلى الدفاع عنهم وتخليصهم مثل بعض أئمة الجمعة الذين سجنوا، وإلا فإن مشروعي السيدين، قدس الله سريهما، مشروعان إستراتيجيان وعلى المدى البعيد، ويبدو أن “ناسنا عجولين بعض الشيء”.

    منعوني من الكتابة..

    (كتابات) : عندما ذهبت إلى “النجف” للدراسة واعتمرت العمة لماذا خرجت من العراق ؟.. وما هو السبب الرئيس ؟.. هل بنية تأسيس مكتب للسيد الشهيد “الصدر الثاني” في “قم” وإدارته ؟.. أم أن السبب كان أمنيًا ؟

    • عندما كنت في “النجف” كان النظام يفرض حظرًا عليّ ويمنعني من ممارسة أي نشاط إعلاميًا كان أم ديني، فكنت مثلاً؛ ممنوعاً من الكتابة عندما تأسست مجلة (الهدى)، وكانت تطبع في المكتب في “النجف”، كما مُنعت من المشاركة في “صلاة الجمعة”.

    فتحت مكتبًا في “قم”..

    (كتابات) : ولكنك حضرت في بعض صلوات الجمعة ؟

    • نعم صحيح.. ولكن بصفة مصلٍ لا بصفة خطيب أو إمام للجمعة، لأن الأمر كان ممنوعًا عليّ، ووصلت معلومات إلى السيد الشهيد أن هناك مجموعة من الأشخاص المشاركين في نهضة السيد مستهدفون، ومن ضمنهم أنا، ونوع الإستهداف هو الاغتيال، كما وصل ذلك الأمر عن طريق السيد “مؤمل”، قدس سره، وفرض عليّ نوع من التضييق، فشعر السيد الشهيد “الصدر الثاني” بالخوف عليّ ومن بقائي في “النجف”، وتزامن هذا الحدث مع وجود فكرة لفتح مكتب للسيد الشهيد في “قم”، فكلفني بالذهاب إلى “قم” وافتتاح المكتب وتمثيله هناك، ووافقت على ذلك.

    …………………………

    المُحاور: “هاشم الشماع”.. صحافي وإعلامي عراقي، وباحث في الشأن السياسي.

    عمل في قناة (السلام) الفضائية، من سنة ٢٠٠٦ إلى ٢٠١٣، بصفة مراسل، ورئيس القسم السياسي، معد ومقدم برامج سياسية، تولى رئاسة تحرير مجلة (الهُدى)، التابعة للسيد “مقتدى الصدر”، للفترة من ٢٠١٤ إلى ٢٠١٦.

    عمل لصالح قناة (الأضواء) الفضائية معدًا ومقدم برامج سياسية، له تحقيقات صحافية في عدة مواقع وصحف عراقية، وله مقالات في الشأن السياسي العراقي، كما أدار “منتدى الهُدى للتبادل المعرفي”، و”ملتقى بغداد للحوار الوطني”.