جدولة انسحاب القوات الأميركية من العراق .. هل هي مناورة واستغلال أم تمنح إيران ما تريده ؟

السبت 17 تشرين أول/أكتوبر 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : كتبت – نشوى الحفني :

في خطوة ظاهرها ينبيء بسير الأوضاع نحو الهدوء وتؤكد أن الحكومة العراقية تحاول اتخاذ خطوات جادة لإحتواء الأمر، أعلنت “وزارة الخارجية” عن تشكيل لجنة للتنسيق مع العاصمة الأميركية، “واشنطن”، لجدولة انسحاب القوات الأميركية من العراق.

وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية، “أحمد الصحاف”، في بيان؛ إنه: “تشكلت لجنة فنية تضطلع بمهمة التنسيق مع الجانب الأميركي لجدولة إعادة انتشار قواته خارج العراق (أي انسحابها)”.

وأشار إلى أن: “اللجنة من مخرجات الحوار الاستراتيجي المستمر بين الحكومتين، العراقية والأميركي، الذي جرت أعماله في واشنطن، في 19 آب/أغسطس 2020”.

ولم يذكر البيان الكثير من التفاصيل حول موعد محدد أو ما هو عدد الجنود المراد انسحابهم.

يأتي ذلك بعد أن كان وزير الخارجية العراقي، “فؤاد حسين”، وصف سحب القوات الأميركية من بلاده في الوقت الحالي؛ بأنه قد يؤدي إلى: “كارثة، داعيًا لعقد حوار وصفه بالشفاف مع طهران، يبنى على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق”.

وفي وقت سابق؛ أعلن الجيش الأميركي في بيان، في أيلول/سبتمبر الماضي، أنه سيخفض من عدد جنوده في العراق من 5200 إلى 3 آلاف.

بينما يأتي ذلك في إطار مساعي الرئيس الأميركي، “دونالد ترامب”، للإلتزام بتعهداته الخاصة بإنهاء “حروب بلا نهاية” التي تخوضها الولايات المتحدة الأميركية.

تعهد بطرد القوات الأميركية..

وكان العديد من المشرعين العراقيين قد تعهدوا بطرد القوات الأميركية من بلادهم؛ بعد أن تسببت غارة جوية أميركية بالقرب من مطار “بغداد”، في أوائل كانون ثان/يناير الماضي، في مقتل قائد (فيلق القدس) الإيراني، “قاسم سليماني”، وقائد الميليشيات المدعومة من إيران، “أبومهدي المهندس”، ومعظمها من الميليشيات الشيعية التي تعرف مجتمعة باسم قوات (الحشد الشعبي)، هذا لم يحدث… إلا أن إدارة الرئيس الأميركي، “دونالد ترامب”، قد تكون في منتصف عملية إجلاء نفسها.

توقف الهجمات بعد التهديد بإخلاء السفارة..

الخبير بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، “ماكس بوت”، قال إن: “الولايات المتحدة أعلنت مؤخرًا عن خطط لخفض عدد القوات الأميركية في العراق، من 5200 جندي إلى 3000 جندي، وفي أواخر أيلول/سبتمبر، هدد وزير الخارجية، مايك بومبيو، بإخلاء السفارة الأميركية بالكامل في بغداد؛ إذا استمرت الهجمات التي تشنها قوات تعمل بالوكالة لحساب إيران”.

وأضاف: “ومنذ ذلك الحين، يبدو أن الهجمات الصاروخية على السفارة الأميركية والمنشآت العسكرية الأميركية في العراق قد توقفت، إلا أن الهجمات بعبوات ناسفة على القوافل التي يديرها العراق والتي تزود القوات الدبلوماسية والعسكرية الأميركية بالإمدادات استمرت”.

وتابع “بوت”، في تقرير نشره “مجلس العلاقات الخارجية”؛ إن: “خفض التصعيد هذا ربما يرجع إلى رغبة إيران في تجنب أزمة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية قد تساعد في إعادة انتخاب الرئيس ترامب. والآن، عرضت الميليشيات تعليق الهجمات الصاروخية على القوات الأميركية إذا قدمت الحكومة العراقية جدولاً زمنيًا لانسحاب تلك القوات”.

عمل متهور يمنح إيران ما تريده..

وبحسب الخبير الأميركي، أنه: “في هذا الإطار، قد يكون من المنطقي بالنسبة للولايات المتحدة تقليص بعثتها الدبلوماسية في بغداد، حيث أنها تعد الأكبر في العالم، إلا أن سحب كل قواتها أو دبلوماسييها من العراق، سيكون عملاً متهورًا. وسيتسبب، في الواقع، في منح إيران ما تريده بالضبط. وطالما ظلت القوات الأميركية في العراق، ستتمكن من مواجهة النفوذ الإيراني، الذي لا يزال كبيرًا وغير منقوص على الرغم من كل العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على طهران”.

مناورة وعملية استغلال..

فيما رأى الخبير في الشأن العراقي، “محمد الساعدي”، في حديث الولايات المتحدة عن نيتها سحب قواتها من العراق مناورة، وعملية استغلال للأوضاع الاقتصادية الصعبة فيه وخلق لحالة إرتباك.

ولفت “الساعدي”، إلى أن جدولة خروج القوات الأجنبية من العراق لا تعدو كونها مجرد محاولة لتهدئة الشارع وورقة انتخابية ومسألة غير واقعية، لأن الحكومة نفسها هي من طلبت بقاء القوات الأميركية، خلال رئاسة، “حيدر العبادي” لها.

تحاول لبننة العراق..

وحذر “بوت” من أن إيران تحاول “لبننة” العراق، حيث تسعى للسماح لحكومة موالية للغرب بالحكم نظريًا في حين تكون السلطة الحقيقية في أيدي ميليشيات مدعومة من إيران. في لبنان، هذه القوة هي (حزب الله). وفي العراق هي ميليشيات مثل (كتائب حزب الله) و(عصائب أهل الحق). وكان أهم عمل للكشف عن نفوذ الميليشيات الإيرانية هو ما قام به، “هشام الهاشمي”، الباحث العراقي الذي عمل مستشارًا للحكومة العراقية؛ وقاتل في وقت من الأوقات كمتمرد ضد القوات الأميركية.

ووجد “الهاشمي” أن: “استيلاء الميليشيات التدريجي على الدولة، على أساس إعادة الإعمار والمصالحة بعد حرب أهلية، هو حرب طائفية في جزء منه واحتلال وجريمة منظمة في جزء آخر، لكنه في الواقع يعني الهيمنة الإيرانية كلية”.

وأوضح أن الميليشيات: “تمكنت من انتزاع سيطرة واسعة النطاق على جزء كبير من الاقتصاد العراقي: من جمارك المطارات ومشاريع البناء وحقول النفط والصرف الصحي والمياه والطرق السريعة والكليات والممتلكات العامة والخاصة والمواقع السياحية والقصور الرئاسية، فضلاً عن إبتزاز المطاعم والمقاهي وشاحنات البضائع والصيادين والمزارعين والعائلات النازحة “.

إلا أن “الهاشمي” دفع حياته ثمنًا لأبحاثه، حيث اغتاله مسلحون، يوم 6 تموز/يوليو الماضي، خارج منزله في “بغداد”، فيما ينظر إليها على نطاق واسع على أنها عملية نفذتها قوات (الحشد الشعبي). وقد نقل صديقه، المحلل الأمني السوري الأميركي، “حسن حسن”، الذي تحدث إلى “الهاشمي”، قبل ساعتين من وفاته، هذه النتائج السابقة التي توصل إليها “الهاشمي”.

ومنذ أن تم القضاء على خلافة (داعش) في العراق، إلى حد كبير، في عام 2017، كان رؤساء الوزراء العراقيون يحاولون، دون نجاح يذكر، تقليص قوة (الحشد الشعبي)، الذي كان سبب وجودها هو محاربة المتطرفين السُنة.

الكاظمي” أول من حاول تقليص قوة الحشد..

وكان آخر من حاول تقليص قوة (الحشد الشعبي) هو، “مصطفى الكاظمي”، وهو رئيس سابق للاستخبارات العراقية؛ وصل إلى منصب رئيس الوزراء، في آيار/مايو، بعد احتجاجات شعبية على الفساد والبطالة. وفي أواخر حزيران/يونيو، أمر “الكاظمي” باعتقال 14 من أعضاء (كتائب حزب الله).

ولكن بعد أن دخل مسلحون في شاحنات صغيرة إلى “المنطقة الخضراء”، في “بغداد”، حيث مقر الحكومة، وطالبوا بالإفراج عنهم، تم إطلاق سراح معظم المعتقلين. ثم تم تصويرهم في وقت لاحق وهم يحرقون الأعلام الأميركية ويدوسون على صور “الكاظمي”.

ويتعين على الولايات المتحدة أن تستمر في دعم “الكاظمي”، الذي يعتبر أكثر رئيس وزراء موالٍ للغرب في العراق، منذ سقوط “صدام حسين”. وهو أفضل رهان ليس فقط لكبح جماح وكلاء إيران، ولكن أيضًا لمنع عودة ظهور تنظيم (داعش) الإرهابي، الذي يتردد أن لديه 10 آلاف مقاتل في العراق وسوريا واحتياطيات مالية لا تقل عن 100 مليون دولار.

ويرتبط هذان الهدفان إرتباطًا وثيقًا: فكلما زادت سيطرة الميليشيات المدعومة من إيران على الدولة العراقية، زاد لجوء السُنة العراقيين إلى الجماعات السُنية المتطرفة مثل تنظيم (داعش) من أجل الحماية.

وفي المقابل، كلما بدت الدولة العراقية غير طائفية، زاد احتمال رفض السُنة لمداهنات تنظيم (داعش).

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يجب على الولايات المتحدة أن تستمر في الضغط من أجل دولة غير طائفية من خلال المساعدة في تدريب قوات الأمن العراقية والمساعدة في تقديم المشورة للقادة العراقيين وتقديم المساعدة الحاسمة في مجالات مثل الاستخبارات والخدمات اللوجيستية. ولا يمكن القيام بذلك إلا إذا حافظت الولايات المتحدة على وجود كبير على الأرض – 3 آلاف جندي كحد أدنى – على الرغم من مخاطر الهجمات المدعومة من إيران.

ينعكس إيجابيًا على الداخل العراقي..

واعتبر المحلل السياسي، “حمزة مصطفى”، أن: “تحركات الحكومة العراقية في الأيام القليلة الماضية؛ تؤكد اضطلاعها بتدبير هذا الأمر”.

موضحًا أن: “قرار الحكومة بتشكيل لجنة عالية المستوى تأخذ على عاتقها إعادة انتشار القوات الأميركية خارج العراق؛ يعزز من حقيقة ما أعلنت عنه الفصائل المسلحة، السبت الماضي”.

وأستدرك بالقول أنه: “بغض النظر عن مشروعية جلوس الحكومة أمام فصائل خارقة للسيادة من عدمها، ولكن نتائج ذلك الأمر ستنعكس إيجابًا على الداخل العراقي بما يعزز من فرض سلطته من جهة وبما يعود بالطمأنة على البعثات الدبلوماسية للتراجع عن قرار هجرتها من البلاد”.

الإبقاء على العراق في دائرة الحرج السياسي..

ويشير الباحث والأكاديمي، “علي الكاتب”، إلى أن: “إسقاطات ما جرى بعد السبت الماضي، تفند إدعاء بعض القوى السياسية والفصائل الصاروخية بأن الهجمات على المصالح الأميركية مفتعلة وأن واشنطن من تقف وراءها”.

لافتًا إلى أن: “الهدوء الذي خيم على المصالح الأميركية والبعثات الدبلوماسية عقب إعلان الفصائل المسلحة إيقاف هجماتها يؤكد أن هنالك إرادة إقليمية تقف وراء تلك الفصائل لسحب البساط الشرعي والمؤسساتي من الدولة العراقية ومحاولة الإبقاء عليها في دائرة الحرج السياسي الدولي والإقليمي”.

وأوضح أن: “ما جرى يكشف أنه لا وجود لصواريخ رومانسية لتقبيل السفارة الأميركية ومصالحها في العراق، كما وصفتها الميليشيات المسلحة التي حاولت إبعاد الاتهام عنها وتجنيبها غضب الشارع العراقي تجاه تعريض مصالح البلاد إلى الخطر”.

يرتبط بطبيعة الأجواء السياسية في واشنطن..

فيما يري “نبيل عرام”، المحلل السياسي العراقي، المشهد من زاوية أخرى، فيقول إن: “التوصل لاتفاق يمنع نيران الفصائل باتجاه مصالح واشنطن بالعراق يرتبط بطبيعة الأجواء السياسية في الولايات المتحدة”.

وأضاف أن: “الولايات المتحدة تتهيأ للانتخابات الرئاسية؛ بعد نحو شهر وهو ما يفرض عليها أن تكون مرنة أكثر في خلق حالة من الحوار مع تلك البنادق حفاظًا على تماسك الرأي العام الأميركي”.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

الانتقال السريع

النشرة البريدية

User IP Address - 34.73.236.34