“الدرون” المسلحة .. إشعال الصراعات المجمدة للتغيير في لعبة “توازن القوى” !

الثلاثاء 26 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

ترجمات : كتابات – بغداد :

دخل العالم حقبة حروب الطائرات بدون طيار.. إذ لعبت الطائرات بدون طيار المسلحة، (الدرون)، دورًا مهيمنًا، وربما حاسمًا في أربع حروب كبرى بين الدول، في السنوات الخمس الماضية، حروب جرت أحداثها في: “ليبيا وناغورنو كاراباخ وسوريا وأوكرانيا”. ومع ذلك، لا تزال المناقشات حول الطائرات بدون طيار تركز على استخدامها ضد الأطراف غير الحكومية، مثل “طالبان”، أو التكهنات حول دورها المحتمل في الحروب بين “الولايات المتحدة” والمنافسين القريبين، مثل: “الصين”.

دفعت هذه المناقشات العديد من الباحثين إلى استنتاج أن الطائرات بدون طيار معقدة وضعيفة؛ لدرجة أنها محدودة الاستخدام أو ذات صلة بالحروب بين الدول. فيما يجادل بعض المراقبين بأن الطائرات بدون طيار قد تعزز الاستقرار الدولي: فقد تقل احتمالية تصعيد الدول للنزاع، إذا تم إسقاط طائرة بدون طيار، وليس طائرة بطيار بشري.

لكن الأدلة المتزايدة تُشير إلى اتجاه أكثر إثارة للقلق. إذ يُعد تواجد الطائرات بدون طيار – الرخيصة الثمن والتي يمكن النجاة منها – جنبًا إلى جنب مع الدروع والمدفعية، مزايا حقيقية للجيوش التي تمتلكها. كما ترى مجلة (فورين أفيرز).

تظهر النزاعات الأربعة الأخيرة، التي ظهرت فيها الطائرات بدون طيار، أنه حتى المركبات المتواضعة يمكن أن تساعد في تحقيق انتصارات عسكرية وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية. وبينما أصبحت الطائرات بدون طيار جزءًا من ترسانات المزيد من البلدان – حيث ارتفعت من ثمانية في عام 2015 إلى 20 دولة اليوم – تستعد الجهات الفاعلة الجديدة لاغتنام الفرصة التي تعرضها للاستيلاء على الأراضي أو إشعال نزاعات مجمدة سابقًا. تحتاج الحكومات والمحللون إلى إعادة التفكير في الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأسلحة في زيادة فرص العنف بين الدول.

تمنح أمكانيات أوسع مع تقليل الخسائر البشرية والمادية !

تؤكد (فورين أفيرز) أن العلماء، منذ فترة طويلة، يعتقدون أن الأسلحة الهجومية تزعزع الاستقرار، لأنها تقلل من تكاليف الغزو، بينما تثير المخاوف الأمنية بين أهدافها المحتملة. ولكن الطائرات المسلحة بدون طيار، (الدرون)، تأخذ هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك. حيث تعتبر هذه الطائرات أقل تكلفة بكثير من الطائرات الموجهة، ويمكن للجيوش إرسالها في مهام محفوفة بالمخاطر دون خوف من فقدان الأفراد.

علاوة على ذلك، نظرًا لأن الطائرات بدون طيار قليلة التكلفة، يمكن للدول الحصول عليها بأعداد كبيرة بما يكفي لتدمير دفاعات الخصم بسرعة. لقد استخدمت الجيوش بالفعل عشرات الطائرات بدون طيار في الحروب الأخيرة، وفي النزاعات المستقبلية من المرجح أن تنشر الآلاف منها، إن لم يكن عشرات الآلاف، لتدمير أو إضعاف القوات المعارضة قبل أن تتمكن من الرد.

إن (الدرون) تحافظ على حياة الطيارين؛ بدلاً من فقدانهم. إذ يمكن للجيش تحمل خسارة أعداد كبيرة منها، طالما بقي ما يكفي لتدمير الأهداف المحددة. حتى لو كانت كل طائرة بدون طيار معرضة للخطر بشكل فردي، فإن نشرها بأعداد كبيرة يوفر الأمان. إذ يمكن لتأثيرها التراكمي أن يطغى حتى على أقوى الدفاعات.

أدلة من ميدان المعارك..

ألقى المراقبون نظرة خاطفة على هذا التكتيك، في “ناغورنو كاراباخ”، حيث استخدمت “أذربيجان”، مؤخرًا، طائرات (An-2)، ذات السطحين من حقبة الأربعينيات؛ والتي تم تجهيزها للعمل عن بُعد. استعانت الطائرة بمشغلي الرادار الأرمينيين لتشغيل أنظمتهم، وكشفوا عن مواقعهم، حتى يتمكن الطيارون الأذربيجانيون من تدميرها من مسافة بعيدة بطائرات (هاروب) الإسرائيلية الصنع. في النهاية خسرت “أذربيجان” 11 طائرة من طراز(An-2)، إذ ساعدت الإستراتيجية في إحداث ثغرات في الدفاعات الجوية لـ”أرمينيا”.

تُشير الأدلة المبكرة من النزاعات الأخيرة أيضًا إلى أن الطائرات المسلحة بدون طيار قد تكون في الواقع أكثر استمرارًا مما كان يُفترض في البداية. إذ أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الروسية المتطورة، مثل (S-300)؛ و(Pantsir) قصيرة المدى، أنها ضعيفة بشكل مفاجيء في “ليبيا وناغورنو كاراباخ وسوريا”.

في كل حالة من تلك الحالات، تمكنت، الطائرات المسلحة بدون طيار، من الإفلات من الكشف واستغلال فجوات التغطية في الأنظمة القديمة، التي تم إنشاؤها مع وضع الطائرات التجريبية الأكبر في الاعتبار.

دمرت المركبات بدون طيار العديد من طائرات (Pantsir) الروسية، في “ليبيا وسوريا”، ودمرت أنظمة الدفاع الجوي القديمة في “أرمينيا” .

بالنسبة للدول التي تسعى إلى كسر الجمود الجيوسياسي، الذي طال أمده، فإن ظهور طائرات بدون طيار مسلحة، رخيصة نسبيًا يمكن التخلص منها، يوفر فرصة مغرية. إذ يمكن لمثل هذه المركبات أن تساعد الدول على الاستيلاء على الأراضي بسرعة، والتغلب بسرعة على خصومها، والتهديد بعقوبات أكبر في المستقبل.

تغيير اللعبة ؟

أصبحت الطائرات بدون طيار؛ أكثر جاذبية، لأنها نجحت في قلب المد في ساحات القتال الفعلية. استخدمت “تركيا”، الطائرات بدون طيار، لإحداث تأثير خاص. إذ قتلت غارة جوية سورية 36 جنديًا تركيًا يعملون بالقرب من محافظة “إدلب”، شمال “سوريا”، في شباط/فبراير الماضي، وردت “أنقرة” باستخدام طائرات بدون طيار، (TB2)، لتدمير عشرات الدبابات والدفاعات الجوية والمدرعات، مما أسفر عن مقتل المئات، وربما الآلاف من الجنود السوريين. ونتيجة لذلك، طلبت “روسيا” وقف إطلاق النار نيابة عن “سوريا” المعذبة.

من جهة أخرى، كانت طائرات (TB2) التركية؛ حاسمة أيضًا في كسر الجمود العسكري في “ليبيا” خلال عملية “عاصفة السلام”: دفع الوزن المشترك للطائرات بدون طيار (TB2)؛ والقوات البرية، قوات “الجيش الوطني الليبي”، من “طرابلس”، ومعقلهم، في “ترهونة”.

لكن الطائرات المسلحة بدون طيار؛ لم تعمل وحدها. إذ تعتبر الطائرات بدون طيار أكثر فاعلية وتتضاعف قوة مستخدميها، إذا عملت جنبًا إلى جنب مع الأجهزة التقليدية مثل المدفعية والصواريخ بعيدة المدى أو لدعم الوحدات الأرضية المتنقلة.

على سبيل المثال، استخدمت “أذربيجان”، طائراتها بدون طيار، لتحديد مواقع الدفاعية الأرمينية ثم توجيه النيران غير المباشرة من المدفعية وقاذفات الصواريخ. يمكن للطائرات بدون طيار الآن أن تحل محل القوة الجوية التقليدية وتجعل هذه المنصات وغيرها أكثر فتكًا. إن وجودهم في ساحة المعركة يغير حسابات أهدافهم في كل مستويات صنع القرار تقريبًا.

في المقابل، تضطر الجيوش التي تعلم أن خصومها يستخدمون طائرات بدون طيار؛ إلى تغيير سلوكهم لمواجهة هذا التهديد الجوي: عادة ما تكون المركبات المدرعة المتحركة في كل من “ليبيا وناغورنو كاراباخ” تتحصن في مواقع محصنة لتقليل رؤيتها من الأعلى، ونظرًا لعدم قدرتها على ترك مواقعها الدفاعية، لم تتمكن هذه القوات من تنسيق الهجمات، وانتهى الأمر بالتنازل عن الزخم لأعدائها.

أيضًا، كان بإمكان “الجيش الوطني الليبي” والقوات الأرمينية؛ حماية تشكيلاتهم الضعيفة من خلال دمجها بشكل أفضل مع الدفاعات الجوية، ولكن فقط على حساب ربطها بمدى وتوافر تلك الأنظمة. علاوة على ذلك، فإن خطر ظهور طائرات بدون طيار مسلحة فجأة في مناطق خلفية، يفترض أنها آمنة، يعقد حركة الاحتياطيات والإمدادات.

باختصار، ستؤدي الطائرات بدون طيار إلى مراجعة دليل الحرب الحديث في الوقت الحالي. حتى المركبات البسيطة نسبيًا اليوم مميتة ومتينة بما يكفي لقلب التوازن في النزاعات الإقليمية. مع قدرات محدودة بشكل مدهش، يمكن للطائرات بدون طيار مساعدة الدول على استغلال الفرص الجديدة في ساحة المعركة.

كسر الجمود وفتح الآفاق..

الطائرات المسلحة بدون طيار؛ ليست طائرات لا تُهزم. في الواقع، هي طائرات محدودة، وحتى بدائية، ومعرضة للتشويش الإلكتروني، ومربوطة بقواعد جوية، وغالبًا ما تكون متوقفة على سوء الأحوال الجوية. كما أنها قادرة على حمل حمولات متواضعة فقط.

مثلاً، الطائرات بدون طيار؛ مثل: (TB2)؛ لها نطاقات قصيرة تبلغ 93 ميلاً فقط من محطات التحكم الأرضية أو محطات إعادة الإرسال. وعلى الرغم من كل نجاحاتها، خسرت “أذربيجان” العديد من طرازات (TB2s)، بسبب النيران الأرضية الأرمينية، كما فعلت كل من “تركيا والإمارات العربية المتحدة”، في “ليبيا”.

وترى المجلة أنه يجب أن يقاوم المحللون إغراء المبالغة في تأثيرات الطائرات المسلحة بدون طيار: فهذه الطائرات لا تسبب الصراع بقدر ما تسمح بذلك. لكن لا ينبغي أن يتغاضى المراقبون عن قدرة الطائرات بدون طيار على زعزعة الاستقرار. إذ ساعدت، الطائرات البسيطة بدون طيار، الدول على كسر الجمود الذي طال أمده.

من المرجح أن تكون الطائرات المسلحة بدون طيار، المدفوعة بالإبتكارات السريعة في القطاع التجاري، أكثر فعالية. إذ بدأت “تركيا” بالعمل على توسيع نطاق طائراتها، (TBT)، المستخدمة فوق “ناغورنو كاراباخ”، مؤخرًا. ومع انخفاض تكاليف الوحدة، ستتمكن الطائرات بدون طيار، ذات الإنتاج الضخم قريبًا من حشد دفاعات العدو.

في سبيل إبتكارات مضادة..

وبمرور الوقت، قد تتحد الطائرات بدون طيار، ذات القدرات الفردية، لتشكيل فرق الصيادين القاتلة لاستغلال نقاط ضعف العدو في ساحة المعركة. في نهاية الأمر، مع وجود مثل هذه التكنولوجيا بأسعار معقولة في متناول اليد، قد يتعرض القادة لضغوط شديدة لمقاومة إغراء إعادة بدء الحروب المجمدة أو حتى التحريض على حروب جديدة، خاصة إذا كانوا يعتقدون أن مزاياها مؤقتة.

في المقابل، بدأت بعض البلدان الاستثمار في أنظمة قادرة على مواجهة الطائرات بدون طيار، لكن هذه التقنيات لا تزال في مهدها. إذ تحاول أنظمة الدفاع اللحاق بالركب، بينما التقنيات الهجومية لهذه الطائرات متقدمة تقدم كبير.

سيكون من الصعب سد الفجوات في الدفاعات الجوية قصيرة المدى ومنخفضة المستوى، على الأقل في المدى القريب. كما أن التكنولوجيا الهجومية أرخص: يكلف نظام الصواريخ الروسي (Triumpf S-400)، مبلغ 300 مليون دولار، ونظام (Pantsir) حوالي 14 مليون دولار. على النقيض من ذلك، تكلف طائرة (TBT  5) ملايين دولار فقط، وصاروخها (MAM-L)، الذي يستخدم للتأثير المميت في “ناغورنو كاراباخ”، يبلغ 100000 دولار فقط.

قد تجد البلدان التي تعتمد على أنظمة دفاع قديمة، باهظة الثمن، نفسها غير قادرة على حماية جيوشها أو تعويض خسائرها في زمن الحرب. وإلى أن تتحول الدفاعات إلى الإجراءات المضادة القائمة على الطائرات بدون طيار، فمن المرجح أن تظل هذه الأنظمة المكلفة عرضة للخطر.

ستواجه البلدان التي تستثمر في الطائرات المسلحة بدون طيار إغراءًا قويًا لإعادة استئناف النزاعات الإقليمية المشتعلة أو السعي وراء مزايا جديدة في تلك التي وصلت إلى طريق مسدود. وعلى هذا النحو المرعب، من بين الدول العشر المقبلة، المتوقع حصولها على طائرات بدون طيار مسلحة، تسع دول عالقة في نزاعات إقليمية طويلة الأمد أو تخوض حروبًا داخلية. لذا، قد يواجه النظام الدولي قريبًا جولة جديدة من النزاعات مدفوعة بانتشار الطائرات المسلحة بدون طيار.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

الانتقال السريع

النشرة البريدية