ألتأقلم .. خيار العراقيين الوحيد لمواجهة الحصد اليومي لارواحهم

الثلاثاء 16 تشرين أول/أكتوبر 2012
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

تنفجر السيارة المفخخة في ساحة وسط بغداد، لتشتعل معها السيارات المحيطة، وتتحطم واجهات المحلات القريبة، وترتفع فوقها غيمة رمادية بينما تبدا دماء ضحايا الهجوم بالتمدد على ارض الحادث. وفي تسجيل مصور قصير التقطته كاميرا جهاز هاتف خلوي، تظهر لحظات ما بعد هجوم ساحة الاندلس، فيما تبدو في تسجيل آخر جرى تصويره بعد ايام من الهجوم لافتة سوداء كتب عليها اسم حسن جواد زغير وقد رفعت امام المحل الذي كان يعمل فيه.

وكان هذا الحادث واحدا من تفجيرين بسيارتين مفخختين قتل فيهما ما لا يقل عن 12 شخصا في 31 تموز/يوليو الماضي، الشهر الذي شهد اكثر من مئة هجوم في عموم البلاد.
ولم تكد تنقضي ساعات على التفجيرين، حتى بدات ساحة الاندلس تستعيد وتيرتها الطبيعية، فطليت المحلات التي تضررت، واستبدل زجاجها الذي تحطم، وعاد المارة والسيارات يتجمعون فيها ويعبرونها بلا تردد.
ويعكس هذا التبدل السريع من حالة الى اخرى قدرة العراقيين على البناء بعد ان يضرب العنف، وتاقلهم مع حقيقة انهم لا يمكلون خيارا آخر غير المضي بحياتهم رغم كل شيء، ورغم كل المخاطر.
ويقول حكمت، احد اشقاء حسن، وهو يجلس على طاولة في محل بيع الفلافل الذي تملكه عائلته “نشعر بخوف اكبر الآن. كلما توقفت سيارة هنا، اشك في انها قد تكون مفخخة”.
وكان حكمت يجلس وراء منضدة داخل المحل عندما وقع الهجوم الامر الذي منع الاذى عنه، بينما اودت احدى الشضايا بحياة حسن حيث كان يقف عند مدخل المحل الذي تعرض الى اضرار جسيمة جرى اصلاحها في وقت لاحق.
ويقول شقيقهما علاء انه اتصل بحسن في ذلك اليوم طالبا منه المغادرة بعدما وقع انفجار في منطقة اخرى من بغداد، من دون ان ينجح في ذلك. ويروي علاء الذي كان متواجدا في منزل العائلة القريب حين وقع الهجوم “عندما اذهب الى اي مكان اشعر بالخوف والقلق من ان انفجارا قد يقع”.
ويقول علاء ان حسن (28 عاما) كان يتعامل بمودة مع الاخرين، مشيرا الى ان شقيقه ارسل زهورا واوقد شموعا في كنيسة سيدة النجاة بعدما قتل فيها مسلحون عشرات المصلين عام 2010.
ويلفت الى ان موت حسن خلف اثارا مدمرة على العائلة وخصوصا الوالدين اللذين لا يكفان عن البكاء.
واضطرت العائلة الى بيع مجوهرات من اجل دفع ثمن مراسم دفن ابنها واصلاح المحل الذي اعيد افتتاحه بعد ايام فقط من الهجوم.
ورغم انخفاض معدلات العنف في العراق مقارنة بعامي 2006 و2007، عندما كانت تحصد موجات التفجيرات نحو الف قتيل في الشهر الواحد، الان هذه الهجمات لا تزال حدثا يوميا يهدد حياة العراقيين، خصوصا في ظل تزايدها في الاشهر الاخيرة.
وقتل 365 شخصا في العراق في ايلول/سبتمبر بحسب حصيلة لوزارات الداخلية والدفاع والصحة حصلت عليها وكالة فرانس برس، ما يجعله الشهر الاكثر دموية منذ مقتل 426 شخصا في اب/اغسطس 2010.
وتشمل الهجمات اليومية العبوات الناسفة واللاصقة والسيارات المفخخة والتفجيرات الانتحارية وعمليات الاغتيال التي ينفذ قسم منها باسلحة مزودة بكواتم للصوت واخرى بالرشاشات، وتستهدف معظمها مراكز ونقاط تفتيش للشرطة والجيش.
ورغم مرور تسع سنوات على هذه الحال، يواصل العراقيون حياتهم رغم المخاطر، ويذهبون الى عملهم ويتبضعون في الاسواق التي غالبا ما تستهدف، ويقصدون المساجد والمطاعم والمقاهي مستقلين سياراتهم حتى بعد وقت قصير من وقوع هجمات فيها.
وبالنسبة الى غالبية العراقيين، الذين لا يستطيعون مغادرة البلاد، فان لا خيار آخر لديهم.
ويروي صلاح كامل الذي كان يعمل في احد المحالات التجارية في ساحة الاندلس يوم الهجوم ان حسن كان يشك في السيارة التي تسببت بمقتله، وقد حاول ابعاد الناس عن المكان.
وحاول صلاح الذي اصيب بجروح في الهجوم ان ينقذ حسن بعد اصابته بحروق وجروح بليغة جراء الانفجار، ادت الى وفاته في المستشفى.
ويقول صلاح انه قرر التوقف عن العمل في هذه الساحة التي باتت تذكره بصديقه حسن، وبالجثث التي رآها ترقد فوق ارض الساحة، والجرحى الذين حاول مساعدتهم لمغادرة موقع الهجوم.
الا ان حاجة صلاح الى المال اجبرته على العدول عن قراره، والعمل في المحل الذي تملكه عائلة حسن، حيث يحصل على 15 الف دينار (نحو 12,5 دولار) في اليوم الواحد.
ويدرك صلاح ان هناك احتمالا بان يقع هجوم آخر في المكان ذاته، ويقول “اول شيء اقوله عند كل صباح هو انني لن اعيش هذا اليوم. ولماذا لن اعيش؟ لانني في خطر، ربما ستاتي سيارة (مفخخة) واموت”.
ويضيف بحسرة “اشعر بالخطر لكنني اريد ان اهتم بعائلتي، فانا اشد قلقا عليهم من قلقي على نفسي. جسدي هنا وروحي معهم”.

 



الانتقال السريع

النشرة البريدية

الانتقال السريع

النشرة البريدية