السبت 23 أكتوبر 2021
19 C
بغداد

     ياسوناري كواباتا.. كتب عن الواقع الياباني الساحر وفاز بجائزة نوبل

    8

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    “ياسوناري كواباتا” كاتب ياباني شهير، فاز بجائزة نوبل للآداب، وحازت رواياته إعجاب القراء في أنحاء العالم.

    حياته..

    وُلد في أوساكا، في 14 يونيو 1899 وفقد والديه عندما كان في الثانية من عمره ليربيه جداه، وكان له أخت كبرى أخذتها عمة بعيدة لتربيها. ماتت جدته عندما أصبح في السابعة من عمره، وتوفيت شقيقته التي رآها مرة واحدة فقط منذ موت والديه عندما أصبح في العاشرة، وعندما أصبح في الخامسة عشرة من عمره توفي جده. وبفقدانه كل أفراد عائلته، انتقل للإقامة مع عائلة والدته (آل كورودا)، ثم انتقل في يناير 1916 إلى بيت داخلي قرب المدرسة الثانوية حيث يدرس، وبعد تخرجه منها في 1917 انتقل إلى طوكيو آملاً في اجتياز امتحان المدرسة الثانوية الأولى التي كانت تعمل بإدارة جامعة طوكيو الإمبراطورية.

    نجح في الامتحان ودخل كلية الدراسات الإنسانية ليتخصص في اللغة الإنجليزية، وفي يوليو 1920 تخرج من الثانوية وبدأ دراسته في جامعة طوكيو الإمبراطورية في نفس الشهر.

    عمل كمراسل لصحيفة “ماينيتشي شيمبون” من أوساكا وطوكيو، ورفض المشاركة في الدعاية العسكرية التي رافقت الحرب العالمية الثانية، ولم يتأثر بالإصلاحات السياسية اللاحقة في اليابان.

    الكتابة..

    أعاد “كواباتا” إصدار مجلة جامعة طوكيو الأدبية المسماة (اتجاهات الفكر الجديدة) وهو ما يزال طالبا في الجامعة، وكانت متوقفة لأكثر من أربع سنوات. ونشر فيها قصته القصيرة الأولى بعنوان “مشهد من جلسة أرواح”، وخلال سنوات دراسته في الجامعة بدل اختصاصه إلى الأدب الياباني، وكتب أطروحة تخرج بعنوان: “تاريخ موجز للروايات اليابانية”. وتخرج من الكلية في مارس 1924. وفي أكتوبر 1924 بدأ “كواباتا”، و”يوكوميتسو ريتشي” مع عدد من الكتاب الشبان تأسيس صحيفة أدبية جديدة باسم “عصر الأدب”. وكانت رد فعل للمدارس الأدبية اليابانية الراسخة القديمة، خصوصاً المدرسة الطبيعية، بينما وقفت في الوقت نفسه ضد أدب العمال أو المدارس الاشتراكية/ الشيوعية.

    كانت إحدى حركات الفن للفن، وتأثرت بالتكعيبية، والتعبيرية، وغيرها من الأنماط الأوروبية الحديثة. وابتكر “كواباتا ويوكوميتسو” مصطلحاً هو “شينكانكاكوها” لوصف حركتهما الانطباعية الجديدة، المعتمدة على منظور أحاسيس مختلف في الكتابة الأدبية.

    بدأ “كواباتا” في جذب الانتباه إليه بعدد من القصص القصيرة بعد تخرجه بوقت قصير، ونجحت قصته “راقصة آيزو” في 1926، وهي قصة بزوغ حب جديد إيروتيكي، ومعظم أعماله اللاحقة تستكشف ثيمات مشابهة.  ورواية “بلد الثلج” واحدة من أشهر رواياته، بدأ كتابتها في 1934 ونُشرت مسلسلة منذ 1935 حتى 1937. تدور حول علاقة حب بين شاب يهوى الفن من طوكيو، وغيشا من إحدى المقاطعات، تدور أحداثها في مدينة بعيدة ربيعها حار؛ مكان ما في الغرب قرب جبال اليابان الشاهقة. هذه الرواية رسخت مكانة “كواباتا” كأحد أبرز الكتاب اليابانيين، وأصبحت مباشرة إحدى الكلاسيكيات في الأدب الياباني. وقد وصفها “إدوارد ج. شايدنسترايكر” بأنها قد تكون تحفة “كواباتا” الأدبية.

    بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، استمر نجاح “كواباتا” مع كتبه اللاحقه: (طيور الكركي الألف، صوت الجبل، بيت الجميلات النائمات، جمال وحزن، والعاصمة القديمة).

    وكان الكتاب الذي اعتبره هو نفسه أفضل أعماله “سيد الغو” (1951) الذي يتعارض بشدة مع أعماله الأخرى. فهو عبارة عن رواية شبه خيالية عن مباراة غو كبرى في 1938، كان “كواباتا” قد كتب عنها في صحيفة “ماينيتشي”. كانت آخر مباراة في مسيرة المعلم شوساي المهنية، وخسرها لصالح متحديه الأصغر سناً، ليموت بعد سنة أو أكثر بقليل. وبالرغم من أن الرواية تتحرك على السطح كإعادة حكاية لكفاح مشوق، فإنها اعتبرت كرواية رمزية توازي هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية. أصبح “كواباتا” رئيسا لرابطة القلم الدولية لسنوات عديدة بعد الحرب،  واستهدف ترجمة الأدب الياباني إلى الإنجليزية ولغات أخرى.

    القصة..

    كتب “كاواباتا” أكثر من مئة وأربعين قصة قصيرة، كان يطلق عليها قصص كف اليد لقصرها، إذ تتراوح أطوال القصص ما بين الصفحة والسبع صفحات، جسّد فيها عمق العاطفة الإنسانية وسبر أغوار النفس البشرية. وكانت القصة القصيرة جداً الجنس الأدبي المفضل لديه، إذ وجد في المساحة المحدودة فيها ميزة مكنته من استخدام الغموض الذي برع فيه، ومن ترك العنان لخيال القارئ. وقد اقترب في أسلوبه هذا من الشعر، إذ تشبه كل قصة قصيدة شعرية في عمقها وكثافة رموزها وتركيزها. كان يكتب القصص الواحدة تلو الأخرى وكأن الواحدة تلهم الأخرى كما القصائد، فتأتي باندفاعات إبداعية مفاجئة وغزيرة.

    وما يميز قصصه القصيرة ليس فقط كثرة عددها، وإنما تنوع موضوعاتها وأسلوبها، فبعضها يمتاز بوحدة النص وتماسكه، وبعضها الآخر يأتي بصيغة مفككة كالحلم بأسلوب انطباعي. وتشكل هذه القصص بمجموعها مرآة كبيرة للحياة الإنسانية، وقد جمعت في مجلدات كثيرة، وترجمت إلى لغات عدة وحققت نجاحا كبيرا بين القراء في الغرب. وآخر هذه القصص القصيرة، قصة اختزلها عن روايته “بلد الثلج” بعنوان “لقطات من بلد الثلج”، التي شكلت تحولاً في أسلوب التأليف الذي كان يتبعه، إذ كان يستوحي رواياته الطويلة من فكرة بسيطة ويسهب ويتوسع فيها، بينما حدث العكس في قصته الأخيرة تلك. ومن قصصه أيضا “ثمرة الرمان”.

    سيد المراثي..

    في مقال بعنوان (لاحقه الموت وقضى منتحراً، ياسوناري كاواباتا.. سيد المراثي والأناشيد الجنائزية) كتب “علي كعنان”: “أعمال كاواباتا تحتفي بكل أنواع الجمال حتى في التقاليد الغاربة التي دمرتها الحداثة، بساطة أسلوب كاواباتا تخفى وراءها عمق العاطفة وتشابك المعاني (الجميلات المنومات) رواية تصدم القارئ أمام حالة الانهيار الأخلاقي التي يعيشها الإنسان المعاصر لا أدري لماذا لم يلفت كاواباتا اهتمامنا يوم حصل على جائزة نوبل للآداب 1968, وإن كان عدد غير قليل من خريجي الجامعات المختصين بالآداب الأجنبية يعملون في الصحافة الثقافية في ذلك الحين. أوجه شيئا من العقاب ـ ولا أقول اللوم ـ إلى جيل أساتذتنا لأن نظرتهم إلى الأدب الجدير بصفة (العالمي) كانت مقتصرة حصرا على الأسماء الآتية من أوروبا وأمريكا الشمالية”.

    ويواصل: “ومن الأمور الطريفة في حياة هذا الكتاب أن يطلق عليه معاصروه, إما غيرة أو تحببا, لقب (سيد المآتم) وهو يقترب من الستين, وذلك بسبب المقالات الرائعة التي كتبها إحياء لذكريات المبدعين الراحلين الذين سبقوه.. وقد حاول كثير من الدارسين والباحثين أن يربطوا بين مصائر شخوصه الروائية وبين الآثار الكئيبة الباقية, ربما في اللاشعور, في قرارة نفسه منذ الطفولة. إن نظرته للحب في الغالب افلاطونية, حتى في تلك الرواية المرعبة (الجميلات المنومات) أو المخدرات, والمترجمة إلى اللغات الأجنبية وحتى العربية بعنوان (الجميلات النائمات) أو (منزل الجميلات النائمات) . في أكثر من لقاء مع أحد الأصدقاء اليابانيين من أساتذة الأدب, كان يردد باستمرار: (حاول أن تقرأ كاواباتا بلغته.. إن أسلوبه ساحر..الترجمة الانجليزية لم تستطع الإحاطة بروعة ذلك الجمال السحري, وإن قاربتها أو لامستها في بعض الأحيان)”.

    المحب للعزلة..

    وفي مقالة بعنوان («كاواباتا».. لعنة وراء الرجل المحب للعزلة) تقول المقالة: “ياسوناري كاواباتا الذي فاز بجائزة نوبل في الأدب عام 1968 وجاء ضمن حيثيات فوزه أنه «منح الجائزة لأسلوبه القصصي البارع، الذي يعبر بحساسية عظيمة عن جوهر الفكر الياباني» لكن الجائزة بدت لعنة تطارد ذلك الرجل الناسك المتوحد، الذي يمجد العزلة، هو الذاهل الحالم وسط ضجيج البشر، يضطر لتأدية التزامات الشهرة الوافدة، فهناك عدد لا يحصى من المهرجانات والحفلات والمؤتمرات، التي تقام على شرفه، وبالتالي سيكون غير لائق أن يعتذر عن عدم الحضور لأي سبب.

    يأتي كاواباتا من أعماق التاريخ الياباني، يأتي هذا الناسك النحيل، برداء الكيمونو القاتم والنظرة الخبيرة، يأتي أشبه بقصيدة حب كلاسيكية حزينة وصافية، ثم لا يلبث أن يعود إلى التاريخ، بانتحاره الغامض، ليضع صورته الحلمية في قلب المشهد الطقسي للشعب الياباني، فيضيف سرا جديدا إلى أسرار شخصيته الغريبة.

    عاش حياته وفارقها، كحالة يابانية متميزة، بكل تناقضات الشخصية اليابانية، ودماثتها وخصوصية تعاملها مع العالم، كان يمسك بالحياة الثمينة، ولتعلقه بالروح اليابانية حضر حفل تسليم جائزة نوبل بالزي الرسمي الياباني (الكيمونو) وألقى محاضرة عنوانها «أنا واليابان الجميلة» واستطاع عبرها إظهار الروح اليابانية، والأحاسيس اليابانية، تجاه الطبيعة، واستهل كلمته بإلقاء قصيدة هايكو تقول: «في الربيع زهر الكرز/‏‏‏ في الصيف طائر الوقواق/‏‏‏ في الخريف القمر/‏‏‏ وفي الشتاء الثلج صاف بارد»”.

    وعن انتحاره تضيف: “في العام 1972 انتحر «كاواباتا» بوضع أنبوب الغاز على فمه، دون أن يترك رسالة لأحد، فقد شاء أن يظل الغموض سره وخياره الأخير، ويدع فرصة التأويل للآخرين، كما فعل في أعماله الأدبية الرائعة القابلة للتأويلات متعددة الوجوه، فقد أرهقت الشهرة الوافدة هذا الكاتب المحب للعزلة والجمال الغامض والروح اليابانية المشرقة، والذي قال بتواضع، حين أخبروه بنبأ فوزه بجائزة نوبل: «قد لا أكون جديرا بالجائزة، ففي اليابان أدباء أفضل مني»”.

    علاقته ب “يوكيو ميشيما”..

    في مقالة بعنوان (يوكيو ميشيما رسائل إلى ياسوناري كاواباتا) كتب “محمد عظيمة “: “تحت عنوان عريض:”يوكيو ميشيما كان يخطط لكل شيء”، نشرت مجلة “التيار الجديد” الأدبية في عددها الأخير سنة 1997، 94 رسالة متبادلة خلال ربع قرن بين أشهر كاتبين يابانيين، ياسوناري كاواباتا، الحائز على جائزة نوبل سنة 1968 ويوكيو ميشيما المعروف عالمياً، ربما أكثر من أيّ كاتب ياباني آخر.

    فبعد أكثر من ثلاثين سنة على انتحار الكاتبين، تعود الأضواء من جديد لتسلط عليهما وعلى العلاقة التي كانت تجمع بينهما. وقد بدأ هذه العلاقة الكاتب الشاب آنذاك ميشيما سنة 1945 عندما كان ما يزال طالباً في قسم الحقوق بجامعة طوكيو. وكان يكتب باسم مستعار. ومن المعروف أن التقاليد الأدبية في اليابان تفتقر إلى هذا النوع من المراسلات. فكثير من الأدباء اليابانيين، لا يحتفظ بما يصله من رسائل ويفضّل التخلص منها، كما يقول الناقد سايئكي – شوئنشي الذي أشرف على نشر هذه الرسائل لأول مرّة، ولكن يبدو أن ياسوناري كاواباتا كان يحتفظ بجميع ما يصله.

    وبعد وفاته منتحراً سنة 1977، أعاد ابنه جميع الرسائل إلى زوجة ميشيما التي لم توافق على نشرها إلاّ مؤخراً وبالاتفاق مع ابن كاواباتا، وهو ابنٌ بالتبنّي”.

    مكانة كاواباتا..

    ويواصل: “تكشف هذه الرسائل عن كثير من الأشياء في ما يخص مكانة كاواباتا الأدبية بالنسبة إلى الأدباء الشباب آنذاك. ولاسيما في فترة ما قبل وأثناء وبعد الحرب الكونية الثانية. كما تكشف عن سعي الأدباء اليابانيين إلى الخروج بأيّ شكل إلى اللغات الأخرى. ولاسيما الانجليزية والفرنسية تحديداً. كما توضح”تخطيط” ميشيما للوصول إلى جائزة نوبل، لكن عندما أخذها معلمه كاواباتا خطّط للانتحار بعد سنتين تماماً.

    جاءت الرسالة الأولى من كاواباتا إلى ميشيما بتاريخ 8/3/1945 كان هذا الأخير”الغابة المزهرة”. فردّ كاواباتا يقول:”تسلمت اليوم (الغابة المزهرة) من السيد نودا. وكنت قد قرأت جزءاً منها في المجلة وأوليته اهتماماً خاصاً لذلك سوف أتابع القراءة بمتعة خاصة”.

    ثم يقول له حول بطل العمل وهو قائد عسكري تاريخي معروف:”كنت أنا الآخر أجمع معلومات حوله.. تسلمت كتابك في بيت، حيث توجد صحون يابانية قديمة، وأشياء أخرى جميلة جداً، لحد أنني نسيت جو السماء (أي الغارات الجوية). كما توجد أشجار خوخ مزهرة أيضاً. من هذا الجو أردت أن أرسل إليك شكراً خاصاً. وآسف لهذه الرسالة الموجزة”.

    كان ميشيما آنذاك ابن عشرين سنة لا غير وكان في البداية، في حين كان كاواباتا ابن 46 سنة وله شهرة وصيت في الوسط الأدبي. يبدو أن كليهما كان يبحث عن الآخر من دون وعي. وبعد أسبوع يرد الكاتب الشاب ميشيما: “أشكرك شكراً خاصاً على رسالتك اللطيفة رغم أنني أرسلت كتابي عبر الصديق نودا بشكل مفاجئ.. إن وضع المدينة وضع جهنمي ولا يطاق والبرد بين مد وجزر، يختفي ويعود. أزهار الخوخ تتفتح وتنكمش وهكذا نفقد طراوة الربيع شيئاً فشيئاً. عندي الآن وقت كثير وأرغب بالكتابة.. أمس تجولت في مكتبات الكتب القديمة وقد وجدت روايتك “بلد الثلج” في إحدى المكتبات.. أتمنى لك صحة جيدة ومرة أخرى أعبّر عن شكري الخاص لك””.

    ويضيف: “وفي 18-7 من السنة ذاتها أي 1945، يرسل ميشيما رسالة أخرى إلى كاواباتا، لكن ليس من بيته بطوكيو، بل من حيث يعمل في مصنع للأسلحة كانت الهزيمة على الأبواب. وكان من لا يستطيع الذهاب إلى الحرب، يذهب للعمل في أحد مصانع الأسلحة. هكذا كان الوضع بالنسبة إلى الشباب. يقول له:”أنا آسف لأنني لم أكتب إليك منذ فترة طويلة، وأرجو أن تكون بصحة جيدة.

    طاولة الكتابة مزدحمة جداً بالأشياء وليس لي سوى مكان ورقة واحدة للعمل ولا أعرف إذا كان بإمكاني العمل في مثل هذا الجو.. ويبدو أن نبتة الأدب الوطني العظيم لا يمكن أن تنمو الآن في هذا السياق..”يريد أن يكتب لكن لا يستطيع ويعبّر عن شكّه في كل شيء في الأدب، في الحياة، في الناس، في المجتمع، ويطيل الكلام حول نفسه وحول مفهومه للأدب وحول مشاريعه لذلك ينهي الرسالة قائلاً:”أرجو ألاّ تنزعج وأن تسمح لي بذلك قليلاً. كنت فقط أرغب بقول شيء، وأردت أن تسمع مني شيئاً، لذا تكلمت كمن عنده حمّى. ولا أعرف إذا كنت قد استطعت ذلك وقول ما أريد.. أتمنى لك صحة جيدة”.

    بعد انتهاء الحرب وفي بداية السنة التالية 14/1/ 1946، يرسل ميشيما رسالة تهنئة بالعام الجديد ويعبّر عن رغبته بلقاء كاواباتا:”حاولت الوصول إليك من خلال السيد نودا، لكن لم أنجح، لذا ترددت في إرسال بطاقة كي تجيب على البطاقة نفسها متى ما يكون عندك وقت لاستقبالي..”ثم يعبّر عن استيائه لانعدام الكتب:”لا توجد كتب جديدة هذه الأيام، لذا أعيد قراءة ما لديّ من كتب قديمة”.

    إلى ذلك الحين لم يكن لقاء بينهما، ومع ذلك كان ميشيما يعبّر بشكل واضح عن طموحاته الأدبية وغيرها. وكان يريد تقديم نفسه إلى المحيط الأدبي والثقافي بأيّ ثمن. كان يكتب بلا تردد حول تفاصيل حياته اليومية. ولذلك يبدو من خلال هذه الرسائل ساذجاً وبسيطاً كما يقول الناقد المشرف على نشرها.

    لكن كان كاواباتا يشم رائحة كاتب جديد قادم. وهو قد كان حتى سنة 1935 يمارس كتابة النقد بغاية تشجيع الكتاب الشباب ثم عزف عن الأمر لشعوره بانعدام أيّ أمل جديد، بانعدام أي كاتب جدير بالاهتمام. وفجأة يظهر ميشيما. فيشعر بأنه وجد ما يريد، ما كان ينتظر منذ فترة طويلة. والغريب. كما يقول هذا الناقد، أن كاواباتا لا يظهر من خلال رواياته أنه يولي، أو يريد أن يولي، اهتماماً بالكتّاب الشباب. لكن في الواقع كان يهتم جدياً ويتابع ذلك قبل وبعد الحرب”.

    المشترك بينهما..

    وعن قاسم مشترك ما بين الكاتبين يقول: “والشيء المشترك بين ميشيما وكاواباتا هو الاهتمام بالموضوعات ذاتها. هناك نوع من المنافسة بين ميشيما الصغير وكاواباتا الكبير. كان الأول يبحث عن أستاذ بأيّ شكل وكان الثاني يبحث عن تلميذ، عن ابن، بأيّ شكل، وذلك ضمن سياق تقاليد يابانية أدبية معروفة منذ القديم.

    وبعد أن تم اللقاء بينهما، كتب ميشيما رسالة يهاجم أحد النقاد المعروفين الذين يعتبرون الفن تقليداً، ليؤكد أن الفن الحقيقي هو تخمير للتجربة الشخصية بغاية الوصول إلى حالة الميتافيزيقيا.. ثم لم تنقطع الرسائل بين الكاتبين خلال ربع قرن. بقيت العلاقة في إطار من الاحترام المتبادل. في البداية كانت بين تلميذ وأستاذ. ثم تطورت وأصبحت بين كاتبين لكل منهما مكانته في الجو الأدبي. يتبادلان الآراء حول هذا الكاتب أو ذاك، حول هذه القضية أو تلك. ويفهم من الرسائل أنهما تبادلا الكثير من الهدايا الثمينة: صحون خزفية وفضية، قواميس باهظة الثمن، حلويات من النوع الترفي، ثياب ثمينة، بطاقات دعوة إلى المسرح وأشياء أخرى كثيرة تكشف عنها عبارات الشكر لهذه الهدية أو تلك بلغة خاصة يستخدمها أولاد “العائلات” تحديداً فيما بينهم”.

    وعن ترجمة الأدب الياباني ونقله إلى الغرب يواصل: “في الخمسينيات 1950 كان العالم الغربي، ولاسيما أميركا، قد بدأ الاهتمام بنقل الأدب الياباني وترجمته والتعريف بأعلامه. وكان كاواباتا صلة الوصل إلى حد كبير على ما يبدو. ففي سنة 1950 كان سيعقد في بريطانيا مؤتمر عالمي للكتاب، وكانت هناك إمكانية إرسال فريق من الكتاب اليابانيين لكن كان الوضع الاقتصادي الياباني صعباً ولا يتيح إرسال أيّ كان. وبهذه المناسبة يرسل كاواباتا الى ميشيما رسالة يقول فيها:”لا أستطيع إرسالك مندوباً عن الكتّاب اليابانيين، لكن يمكن أن نشترك في الفريق إذا كان لديك مليون ين، وإذا كانت لديك رغبة في الذهاب.

    وأعتقد أن مليون ين ليست صعبة بالنسبة إليك.. من المؤكد أن هناك فرصاً كثيرة، لكن أظن أنه من المهم جداً أن تسافر إلى أوروبا بأسرع وقت..”. ثم يعود إلى هذه الفكرة الأخيرة في رسالة أخرى:”..إذا ذهبت إلى أوروبا، سوف ينفتح أمامك عالم جديد.. ثم قل لي من هو هذا الأميركي الذي يترجم روايتك “القناع” لأن مجلة أدبية تابعة لجامعة أميركية طلبت مني إرسال قصص قصيرة يابانية، لذلك أريد الأخذ برأي أجنبي موجود في اليابان ويعرف الأدب الياباني.

    وإذا كانت لديك أنت اقتراحات حول هذا الموضوع، أرجو أن تكتب لي.. وفي فرنسا أيضاً هناك مجلة تابعة لسارتر تريد نشر ملف حول الأدب الياباني.. كنت أسمع بهذه الأشياء منذ فترة ولكنني تكاسلت..

    “وفي رسالة أخرى سنة 1956 يكتب كاواباتا الى ميشيما:”تسلمت اليوم ترجمة روايتي “بلد الثلج” وسعرها بالدولار مرتفع جداً بالنسبة إلى الياباني.. لكن الغريب أنهم وضعوا على الغلاف صورة راقصة “غيشا”.. ثم فوجئت بكلمة الناشر من أجل تقديم الكتاب حيث يقول:”كاواباتا يكتشف ويساعد كتّاباً شباباً مثل ميشيما – يوكيو” أنا أسف، لكن ربما يبقى اسمي في تاريخ الأدب لأنني فقط وجدت ميشيما..”آنذاك كان ميشيما أكثر من كاتب “شاب” وكان طموحه بجائزة نوبل واضحاً جداً، لذلك يعتذر إليه كاواباتا بعبارة “أنا آسف””.

    أوسامو- دازاي..

    وعن كاتب آخر: “وفي رسالة أخرى له إلى ميشيما، يتطرق كاواباتا إلى كاتب روائي معروف، كانت إحدى رواياته قد أصبحت من أروج الكتب اليابانية المترجمة إلى الانكليزية بأميركا. يتعلق الأمر بأوسامو- دازاي (1909- 1948) الذي مات منتحراً هو الآخر، وبروايته المشهورة “غروب الشمس”. يقول كاواباتا في الرسالة: “يبدو أن رواية “غروب الشمس” لدازاي، سوف تكون من أروج الكتب في أميركا، ولقد وصلتني رسائل كثيرة من باريس وأوسلو واستكهولم وهلسنكي حول هذه الرواية، وكأنني وكيل أوسامو – دازاي وقد عرضت عليهم ترجمتها.. وتأتيني أسئلة كثيرة حولها، لذلك سوف أحاول قراءتها..”نعم، سوف يحاول قراءتها، لأنه يعرف أن ميشيما كان يحب أوسامو – دازاي ويعتبر كتابته ولاسيما هذه الرواية “ملحمة غنائية، ملحمة تاريخية لم تكتمل” كما يقول له في إحدى الرسائل.

    وكاواباتا لم يكن على علاقة جيدة مع دازاي لتباعد وجهات النظر في ما يتعلق بالكتابة. ولقد وقف بكامل سلطته جداراً منيعاً في وجه دازاي عندما رشّح هذا الأخير لنيل أهم جائزة أدبية يابانية سنة 1935، أي جائزة”آكوتا غاوا”. يومها كان دازاي بأمسّ الحاجة إلى الاعتراف والامتياز اللذين تمنحهما الجائزة للفائز. لكن لم يحصل عليها. ويومها كتب كاواباتا في تقريره: “على الصعيد الشخصي، أعتقد أن غيوم الفضائح المعلقة فوق حياة دازاي تضر كثيراً بعبقريته..” ويومها أيضاً كتب دازاي رسالة مفتوحة إلى كاواباتا، يبدو أن كاواباتا كان يريد من خلالها التلميح إلى رواية دازاي إرضاء حب ميشيما لهذا الأخير. ولم يكن بمقدور كاواباتا الوقوف أمام المدّ الشعبي ولاسيما بين الشباب، في ما يخص أدب دازاي ورواياته.

    فإذا كانت روايات كاواباتا تمثّل الوجه الجميل لليابان، أي اليابان الوديعة، الهادئة الرومانسية، الخلابة السحرية، فإن أدب دازاي يمثل “القفا”: القلق، التوتر، الرعب، الغروب، السقوط، يمثل مجتمع اليابان المفتّت قبل وأثناء وبعد الحرب. ولهذا وجد فيه ميشيما “الشاب” ملحمة لم تكتمل. ومع ذلك لم يقلده ولم يسر على خطاه في الكتابة، بل آثر “التخطيط” والسير وراء معلمه كاواباتا.

    لذلك كان يسعى مع”المعلم” إلى ترجمة أعماله إلى اللغات الأجنبية. ومع أنه ذو ثقافة أوروبية، فرنسية تحديداً، فقد كان يعتبر، كما في إحدى رسائله هذه، “أن الأميركان يفهمون الياباني وأدبه أكثر، ولا يزال الأوروبي بالمقارنة جامد الرأس مغلقاً ولا يستطيع فهم الأدب الياباني مثل الأميركي..”

    جائزة نوبل..

    وعن جائزة نوبل يقول: “في سنة 1961 وفي الشهر الخامس، يكتب كاواباتا رسالة إلى ميشيما يطلب فيها بأن يخطّ هذا الأخير رسالة ترشيح المعلم لجائزة نوبل. هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها ذكر نوبل. وبدء  منها سوف تأخذ العلاقة طابعاً حساساً جداً بالنسبة إلى ميشيما على الأقل. يبدو أن المعنيين بجائزة نوبل كانوا قد بدأوا بالحديث حول ضرورة منح الأدب الياباني هذه الجائزة. ويبدو أن الأخبار قد وصلت إلى الأوساط الأدبية في اليابان. كانت هناك أسماء كثيرة مرشحة، وكان تانيزاكي على رأس القائمة.

    لم يكن كاواباتا هو المرشح الأقوى أبداً. ولذا كان يستعين بالتلاميذ والأصدقاء وعلى هذا الأساس كتب إلى ميشيما قائلاً:”…رسالة مهما كانت بسيطة، وحتى لو انعدمت إمكانية نيل الجائزة، وإذا كتبت سوف أجد من يترجمها إلى الانجليزية، أو الفرنسية، ثم نضع المعلومات ونرسلها..” ويجيب ميشيما: “شكراً للرسالة. أما بالنسبة إلى نوبل، فإنني أخجل وأنا الصغير، أن أكتب رسالة ترشيح لك. ولكن شكراً لهذه الثقة. وقد كتبت الرسالة، وسوف أبعثها إليك قريباً. وإذا ساعدتك قليلاً، فسأكون سعيداً جداً. وإن كان لديك طلب آخر. فأرجوك ألاّ تتردد..”.

    ومنذ ذلك التاريخ ولغاية نيل كاواباتا الجائزة، كانت الرسائل في سياق المجاملات والمناسبات، وتبادل الهدايا وبطاقات المعايدة ودوماً في إطار من الاحترام الدقيق والمتبادل ولم ترفع الكلفة إلاّ في فترات قليلة عندما يأخذ ميشيما بالحديث حول مشكلاته العائلية، وحول علاقته الصعبة مع الأب الذي أراد لابنه أن يتابع عمله في وزارة المالية”..

    مشروع انتحار..

    تحكي المقالة عن انتحار يوكيو ميشيما: “في سنة 1968 ينال كاواباتا – ياسوناري جائزة نوبل، وتتغير العلاقة فوراً بين الكاتبين. ولا توجد رسالة تهنئة من ميشيما. هناك رسالتان فقط بعد ذلك التاريخ، ولغاية انتحار صاحب “القناع”. في الأولى وهي بتاريخ 1969، يمتدح ميشيما أعمال كاواباتا الروائية، والمسرحية ثم ينتقل فوراً إلى الحديث حول نفسه وحول مشاريعه، ولاسيما مشروعه لسنة 1970، أي مشروع انتحاره، أو كما يسميه “تهيئة نفسي”.. يقول: “.. قد تسخر مني لكن ما أخافه ليس الموت، بل شرف عائلتي من الموت، وإذا حدث لي شيء، فإن المجتمع سوف يكشف عن أسنانه ويبحث عن نقاط ضعفي ليدمّر شرف عائلتي. ليس مهماً أن يسخروا مني وأنا موجود، ولكن لا أستطيع تحمل سخريتهم من أطفالي بعد موتي. وأعتقد يا سيد كاواباتا، أنك أنت الوحيد القادر على حمايتهم. وأنا منذ الآن، أعتمد عليك وأثق بك”.

    هذا هو المقطع الذي قرأه كاواباتا في جنازة ميشيما سنة 1970. وهذه هي الرسالة التي لم يأخذها كاواباتا على محمل الجد. وفي رسالته الثانية من السنة ذاتها يقول له:”.. أنا الآن في سنتي الثالثة من التدرب على الكاراتيه، وقد نلت الحزام الأسود.. ولكن المشكلة أنني أصبحت قوياً جداً ولا أجد من يهاجمني، لذلك أشعر بعدم الاكتفاء وبنقص شديد. وأشعر أن كل قطرة من الوقت مقدسة مثل النبيذ. ولم أعد أبالي بكل ما يحدث.. لا اهتمام لي بما يحدث”.

    وكانت هناك رسالة ثالثة جاءت من المعسكر الذي كان يقيم فيه ميشيما مع مجموعة من “الجنود” لكن ابن كاواباتا مزقها كما يقول، احتراماً لذكرى ميشيما. وذلك لأنها مشوشة، مضطربة، وغير واضحة وقد كتبت بقلم ناشف لا يستخدم عادةً في كتابة الرسائل. ويرى الناقد الذي أشرف على نشر هذه الرسائل، أن منح جائزة نوبل لكاواباتا كان صدمة قوية جداً بالنسبة إلى ميشيما زاد الحساسية المفرطة في ما يخص الموضوع، فقد كان عناد شعور حاد بالمنافسة ودوماً أكثر من المناسب، كان يراقب بقلق شديد، كتب الآخرين الأكثر رواجاً..

    قد لا يكون هذا الأمر آخر دوافع انتحار ميشيما، لكن من المؤكد أن له علاقة بانتحاره، فبعد أن نال كاواباتا الجائزة، كأن حلماً من أحلام ميشيما تبخر وانتهى ولم يعد أمامه، من أجل الانتصار على.. سوى الانتحار.. فهل انتحر كاواباتا هو الآخر، وبعد سنتين تماماً، كي يعيد الكرة إلى ملعب روح ميشيما – يوكيو: وهل تعلم “تهيئة النفس والتخطيط لسنة 1972 من”الشاب” ميشيما؟”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا