“هوليوود”.. هل تسعى لتزييف الوعي لتسود فكرة التفوق الأمريكي؟

    13

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    علاقة هوليوود بالمؤسسات الهامة في أمريكا أمر يثار دائما، وقد قام الباحثان “ماثيو ألفورد” و”توم سيكر” بعمل بحث عن تلك العلاقة، وعرضه “سيكر” هذا البحث على موقع “Medium”. بدأ “ألفورد وسيكر” بحثهما باعتقاد أن مكتبا صغيرا تابعا للبنتاغون ساعد في إنتاج حوالي 200 فيلم في تاريخ السينما الأمريكية، وأن هذه المساعدة كانت بطلب من صُنَّاع الأفلام أنفسهم، وأن وزارة الدفاع الأمريكية لم تتدخل في صياغة السيناريو، لكنهما اكتشفا بعد ذلك أن هذا الاعتقاد خاطئ.

    حصل الباحثان على أربعة آلاف صفحة من وثائق البنتاغون والمخابرات احتوت على اكتشافات غريبة، فقد أظهرت أن الحكومة الأمريكية كانت حاضرة في كواليس أكثر من 800 فيلم ضخم الإنتاج، وأكثر من ألف عمل تليفزيوني. وتشمل هذه الأعمال أفلامًا مثل «Charlie Wilson’s War» بطولة «توم هانكس» و«جوليا روبرتس»، و«Meet the Parents» بطولة «بن ستيلر» و«روبرت دي نيرو».

    كشفت الوثائق أيضا أن هناك تعديلات ضخمة قد دخلت على سيناريو بعض الأفلام الكبيرة بسبب تدخل الحكومة الأمريكية، وهذه الأعمال هي أجزاء من سلسلة «جيمس بوند»، وأفلام «Transformers»، بالإضافة إلى مجموعة من أفلام «الكوميكس» التي تُنتجها شركتا «مارفل» و«DC».

    مثلا، اكتشف الباحثان أن وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) تدخلت بالدعم والتوجيه في صناعة فيلم «Thunderball» من سلسلة «جيمس بوند»، و«Patriot Games» و«Meet the Parents» و«Salt». وتمتد القائمة لتشمل مجموعة ضخمة كذلك من المسلسلات والبرامج التليفزيونية، مثل «Hawaii Five-0»، و«America’s Got Talent»، و«Oprah»، و«Cupcake Wars»، بل وحلقة من برنامج الطبخ الشهير «Top Chef»، بالإضافة إلى بعض الأعمال الوثائقية التي أنتجتها قنوات «PBS» و«History Channel» و«BBC».

    مساعدة من الجيش..

    يقول “سيكر” إن الكاتب أو المنتج الذي يوَد تلقِّي مساعدة من الجيش لفيلمه (مثل المعدات أو غيرها)، عليه أن يطلب تصريحا من وزارة الدفاع الأمريكية، ويتطلب هذا منه تقديم نسخة من سيناريو فيلمه إلى مكتب مخصص لهذا الغرض، يراجع العمل ويتدخل فيه بالحذف أو التعديل.

    يوقع الطرفان عقد إنتاج مشترك، يعني أن يتمكن صُنَّاع الفيلم من استخدام معدات الجيش وتسهيلاته، لكن عليهم في المقابل إنتاج نسخة الفيلم التي وافق عليها الجيش، والتي ربما يكون مكتب وزارة الدفاع قد حذف منها شخصية أو حدثًا أو قسما من الحوار.

    ويوضح: “مثلًا أن المكتب اعترض على جملة في حوار فيلم «Iron Man» يقول فيها أحد رجال الجيش: «سيقتل الناس أنفسهم كي ينالوا ما أحصل عليه»، وبعد مشادة بين المخرج ومسئول وزارة الدفاع، حُذف السطر من الفيلم. فيبدو أن الجيش الأمريكي حساس خصوصا تجاه أي إشارة إلى انتحار الجنود، وهي مشكلة لعلها أرَّقت الجيش لفترة طويلة، إذ إن عدد الجنود الأمريكيين المنتحرين في الحرب ضد تنظيم داعش مثلا يفوق عدد مَن يُقتلون على أرض المعركة، ويعني هذا بالنسبة إلى وزارة الدفاع رفض أي مشهد أو جملة حوارية تحمل إشارة إلى وقائع الانتحار هذه”.

    بالإضافة إلى مسألة الانتحار، فالجيش الأمريكي يشعر بحساسية تجاه حرب فيتنام، ويذكر “سيكر” أن المكتب التابع لوزارة الدفاع تدخل لحذف جملة من فيلم جيمس بوند «Tomorrow Never Dies»، قالها أحد ضباط الـ«CIA» لبوند الذي كان على وشك القفز من طائرة والنزول في مياه تابعة لفيتنام. قال الضابط: «ربما يؤدي هذا إلى حرب، ومن يعلم؟ قد نفوز فيها هذه المرة»، وحُذفت الجملة بأمر وزارة الدفاع.

    كما حُذفت إشارة إلى حرب فيتنام من فيلم «Hulk» ضمن تعديلات كبيرة أخرى على السيناريو، شملت تغيير المعمل الذي وُلد فيه «Hulk» ليصبح منشأة غير عسكرية، وقد كان عسكريا في السيناريو الأصلي، وتغيير اسم عملية القبض عليه من «Ranch Hand» إلى «Angry Man»، لأن الاسم الأول يشير إلى عملية عسكرية حقيقية ألقى الجيش الأمريكي فيها ملايين الجالونات من المبيدات والسموم على الريف الفيتنامي، مما أدى إلى تسميم ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية. فالجيش  الأمريكي يحذف أي إشارة تسيء إليه أو تسخر منه أو من تاريخه، وربما يقف عائقا دون إنهاء الفيلم إذا رفض منتجوه الانصياع.

    تدخل الاستخبارات الأمريكية..

    استطاعت وكالة الاستخبارات أن تؤثر في عدد كبير من أفلام هوليوود وبرامج ومسلسلات التليفزيون الأمريكي، ويشير “سيكر” إلى فيلم «The Recruit»، وهو فيلم عن عضو جديد ينضم إلى المخابرات المركزية وعملية تدريبه، والمثير للاهتمام بخصوص سيناريو هذا الفيلم بالذات أن مسوَّدته الأولى كتبها أحد مسئولي المخابرات، رغم أن اسمه يظهر على الفيلم باعتباره فقط «مستشارا تقنيا». ويحتوي الفيلم، على قدر كبير من الدعاية الفجة للمخابرات والحكومة الأمريكية، بالإضافة إلى شيطنة الدول المعادية لأمريكا وتهوين إخفاقات الـ«CIA».

    وتتدخل المخابرات الأمريكية بالحذف والتعديل في المشاهد التي لا تراها مناسبة للجمهور، وقد حذفت مثلا مشهدا من فيلم «Zero Dark Thirty» يُظهر ضابط مخابرات مخمورا يطلق النار في الهواء على سطح بناية في مدينة إسلام آباد عاصمة باكستان، وحذفت كذلك مشاهد لاستخدام الكلاب في تعذيب المعتقلين. وفي فيلم الكوميديا الشهير «Meet the Parents»، تدخلت المخابرات لتعديل مشهد يعثر فيه البطل “بن ستيلر” على المخبأ السري ل”روبرت دي نيرو”، وكان يُفترض أن يجد في السيناريو الأصلي كتبا إرشادية عن التعذيب تابعة للمخابرات، لكن المشهد عدل ليجد بدلا من ذلك صورا لدي “نيرو” مع عدد من الشخصيات المهمة.

    دور السي آي أيه في هوليوود..

    ظهر التعاون بين المؤسستين العسكرية والسينمائية منذ عام 1996 عندما أعلنت وكالة الاستخبارات أنها أنشأت مكتبا للتنسيق بين الوكالة وعالم الترفيه، وتقديم خبرة المستشارين من عملاء الوكالة لصناع السينما. حيث ذكرت الكاتبة “تريشيا جنكيز”، صاحبة كتاب “دور السي آي أيه في هوليوود”، أن تدخل الوكالة في صناعة الأفلام وصل لذروته خلال الحرب الباردة، حيث كان الهدف صياغة السياسة الخارجية الأمريكية بشكل يستطيع إمالة العقول في الخارج، من خلال مركز أبحاث لمكافحة الأيديولوجية الشيوعية تابع للوكالة الاستخباراتية، مهمته التفاوض من أجل شراء حقوق نصوص الروايات وتحويلها إلى أفلام للترويج للسياسة الأمريكية، وتعزيز صورة الحياة الأمريكية في العالم.

    وقد ركزت الأفلام على مدى أخلاقية “المنظمة السرية” وهي الاستخبارات التي نادرا ما تخطئ، وتقديم المبررات لجميع عملياتها السرية غير الأخلاقية، في إطار صورة عامة كبيرة بأنه لا أمن لأمريكا من دون عمل جواسيس الوكالة.

    خلال تلك الفترة أنتجت هوليوود تحت رعاية “السي آي أيه” مجموعة من المسلسلات مثل، “اليس و24 ساعة”، التي أعطت انطباعا بأن عملاء الوكالة هم كائنات خارقة وغير عادية، وتوجتها بفيلم “آرغو”، الذي جاء وفقا للعديد من المحللين دعاية لا يمكن إنكارها لتجنيد عملاء جدد للوكالة.

    وكشف “لويجي لوراسشي”، رئيس إدارة الرقابة الأجنبية والمحلية على الأفلام الأمريكية في الخمسينيات، أنه كان يعمل أيضا لصالح الوكالة، وكان يرسل تقاريره عن الرقابة على الأفلام لتعزيز صورة أمريكا في الخارج أثناء الحرب الباردة.

    ويقول “تيد جب”، مؤلف كتاب “الحياة والموت السري في وكالة الاستخبارات المركزية”، إنه على مدار عقود الحرب الباردة لم تهتم وكالة السي آي أيه بتقديم ما يحسن صورتها في أفلام هوليوود، بقدر ما كانت تهتم بتقديم صورة مثالية عن الحياة الأمريكية، ولكن مع نهاية الحرب الباردة أدركت أنها بحاجة إلى إصلاح شامل لصورتها دوليا، لقد أدركت أخيرا أن التأييد الشعبي لميزانيتها أصبح يواجه خطرا كبيرا، ولذا فإنها بادرت إلى إنشاء مكتب التنسيق بينها وبين هوليوود عام 1996.

    أفلام الجوائز..

    وفي أفلام هوليوود التي تترشح أو تنال أرفع جوائز السينما العالمية، غالباً ما يلاحظ فيها في الحرب على الإرهاب، وقدرة المخابرات المركزية الأمريكية “سي آي إيه” على قيادة المعارك النوعية لحماية أذرعها الأمنية الضاربة التي تطول لتصل إلى مكان يختبئ فيه من تسول له نفسه محاولة زعزعة أمن الأمريكي.

    ومن النماذج فيلم “زيرو دارك ثيرتي” الذي يؤرخ لجهود الاستخبارات الأمريكية عبر كافة أرجاء المعمورة لاعتقال أو قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. و”أرغو” الذي يدور حول واقعة قيام الاستخبارات الأمريكية بتهريب بعض أعضاء البعثة الدبلوماسية من سفارة الولايات المتحدة في طهران عقب اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، واقتحام الثوار لمقر السفارة واحتجاز رهائن بها لأكثر من عام. و”خزانة الألم” الذي يدور حول معاناة الجنود الأمريكيين في العراق من الهجمات الانتحارية التي تقوم بها الجماعات المتطرفة.

    إنتاج ضخم..

    هناك تقرير نشره موقع “إم اى إن إيه ريبورت” عن رسائل مؤرشفة تصل لـ4000 صفحة تم الإفراج عنها طبقا لقانون حرية المعلومات. ووفقا للتقرير فقد أنتجت الحكومة الأمريكية وجهاز المخابرات من خلف الكواليس أكثر من 800 فيلم وأكثر من 1000 عمل تلفزيوني ضخم.

    وتضم قائمة تلك الأعمال أسماء أفلام وأعمال شهيرة الكشف عنها كان بمثابة صدمة للمشاهد ومنها على سبيل المثال: “المتحولون” و”الرجل الحديدى” و”صمت الحملان”، و”فتى الكارتيه”، و”كينج كونج”، وبعض أفلام “الرجل الوطواط”.

    ووفقا للتقرير فإن دخول جهاز الاستخبارات على خط الإنتاج في بعض الأفلام قد يكون الغرض منه استعراض بعض القدرات العسكرية الأمريكية، مثل أفلام “إيرنست ينتقد الكريسماس” و “تويستر” و”الرجل الحديدي”، وغيرها، وربما يكون السبب الحقيقي في تدخل المخابرات الأمريكية في إنتاج بعض الأفلام هو حشد الرأي العام الأمريكى باتجاه محدد بهدف خدمة المصالح الأمريكية.

     

    استخدام العنف..

    لكن حدود التدخل في صناعة الأفلام لم تكن دوما سلمية, فوفقا لتحقيق بثته محطة سي إن إن, اتهمت زوجة كاتب السيناريو “غاري ديفور” الوكالة بأنها كانت وراء قتله في يونيو1997, علي خلفية إعداد لفيلم يتناول غزو الولايات المتحدة لبنما عام1989 والذي أدي إلي الإطاحة بالدكتاتور مانويل نورييغا, وفقا لرواية الزوجة فقد رفض “ديفور” تدخل الوكالة في البحث المطول الذي كان يعده لكتابة السيناريو والذي كشف فيه عن عمليات غسيل الأموال التي تورطت فيها الوكالة في بنوك بنما, ورفض أن يغير من نصه, ولم تمر أيام إلا ووجد مقتولا في حادث سيارة غامض, لم يتم حله حتى الآن, فهل تورطت الوكالة في عملية قتل جديدة, لا توجد إجابة واضحة, لكنه يطرح تساؤلات جدية عن مدي تدخل الوكالة السافر في صناعية الترفيه الأمريكي.

    بداية هوليوود..

    في عام 1853، بدأت”هوليوود”من كوخ طيني وحيد بني وسط حقل زراعي خارج لوس أنجلوس، ومن ثم إلي أرض زراعية خصبة بحلول عام 1870، حتي قمة القمم التي وصلت إليها في عصرها الذهبي عام 1939، إلى أن صارت إمبراطورية سينمائية تؤثر في العالم باسم الفن والإبداع والثقافة. وكما تذكر بعض الكتب إن”هوليوود” إحدى أهم الصناعات الأمريكية التي كرست خصيصا للسيطرة على العقول.

    فهناك علاقات تبدو مثيرة للجدل بين”هوليوود”والتي تعد بمثابة عاصمة السينما العالمية وبين الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وهو ما بدا واضحا في مواقف كثيرة تبنتها “هوليوود” في العديد من القضايا السياسية، بينما كانت في أحيان كثيرة بمثابة وسيلة دعائية للسياسة الأمريكية، لتصبح العلاقة بين السينما والبيت الأبيض تكاملية. وبحسب خبراء الاتصال فإن “هوليوود” تؤثر على ثلاثة مستويات: منها الرأي العام الأمريكي، ويضاف إلي ذلك تأثيرها في توجهات السياسة العالمية، فضلا عن سلوكيات الشعوب.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا