مع كتابات.. سفيان البراق: بزغَ فجرٌ جديدة في الكتابة الأدبية بالمغرب

الأربعاء 15 آب/أغسطس 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

 

خاص: حاورته- سماح عادل

“سفيان البراق” قاص مغربي، من مواليد 1998، مقبل على السنة الثالثة في شعبة الفلسفة بمدينة الدار البيضاء. فاز بمسابقة القصة القصيرة بمصر والتي كانت تزامنية مع أسبوع اللغة العربية، وفاز كذلك بمسابقة دار “مها” للنشر والتوزيع في فرع القصة القصيرة.. ووحاز على المركز الثالث في المسابقة العربية للقصة القصيرة.  أصدر مجموعة قصصية بعنوان “حرب البقاء”، ومؤخرا مجموعة قصصية بعنوان “خلف جدار الذاكرة” ضمن منشورات جامعة المبدعين المغاربة.

إلى الحوار:

(كتابات) متى بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

  • بدأ شغفي بالكتابة عندما انتقلت من منطقتي القروية المتواجدة في جنوب المغرب، وأخذتني الظروف إلى مدينة الدار البيضاء من أجل إتمام دراستي، هناك وجدتُ عدة أشخاص أمسكوا بيدي، ربما اطلعوا على تلك البذرة المتواجدة بداخلي، وقدموا لي نصائحاً ثمينة، واستفدت من تجاربهم. بدأت أقرأ كثيرا ولا سيما الأعمال الكبر، وصار أسلوبي يتطور بشكلٍ أفضل، لأن منطقتي للأسف تفتقدُ للمكتبات وقاعات للمطالعة، فلا يمكن لأي شخص أنْ يكتب دون أنْ يقرأ، اقرأ كثيرا وستكتبُ قليلا، القراءة والكتابة توأمان.

ما زاد أسلوبي تطوراً هو مروري بتجربة جميلة وفريدة من نوعها، كانت في مخيم للكتابة الإبداعية The Olive Writers خلال السنة الفارطة بمدينة الدار البيضاء، ثم انفتحت على المنابر الإعلامية والمواقع الالكترونية وبدأت بالتدوين فيها، ونشرت أيضاً عدة مقالات وقصص قصيرة في مجلات وجرائد ورقية عديدة. فاكتسبتُ خبرة متواضعة، فصرت أكتبُ بأسلوب أفضل بكثير من السابق. الكتابة تبدأ بمراحل متوالية، كل مرحلة تكمِّلُ الأخرى.

(كتابات) ما هي المسابقات التي فزت بها؟

  • شاركتُ في عدَّة مسابقات، ولكن فزتُ بثلاثة مسابقات: الأولى، كانت في مصر خلال شهر فبراير المُنصرم ونظمتها “دار كتبنا”، شاركتُ بقصة تحت عنوان “نزيفُ الذّاكرة”، كانت هذه المسابقة تزامنية مع أسبوع اللغة العربية في مصر. وفزتُ كذلك بمسابقة القصة القصيرة التي سهرت على تنظيمها دار “مها” للنَّشر والتوزيع بالمملكة العربية السعودية.

مؤخرا خلال شهر يوليو من السنة الجارية جئت ثالثاً في المسابقة العربية للقصّة القصيرة من تنظيم مجلة “فن السرد”.

(كتابات) مجموعتك الأولى (حرب البقاء) حدثنا عنها؟

  • (حرب البقاء) هو عملٌ قصصي جمعتُ فيه بين القصة الطويلة والقصيرة، ولكن أغلب القصص قصيرة، تحدثت فيها عن القصص التي عشتها أنا وربما عاشها غيري من مشاكل وإكراهات تنكِّد صفو الحياة، كالفقر، الحروب، الهجرة.. كتبتهُ على مراحل وحاولتُ فيه تجسيد حياتي الحقيقية. عنوانُ العمل لم أختره اعتباطيا، لأنَّ كل واحدٍ منا يعيشُ حرباً معينة يكافحُ من أجل الخروج منها بأقلِّ الأضرار، فالبقاء هو غاية كل إنسانٍ يعاني من مرض العضال، أو الفقر، أو الحرب.

التيمة المهيمنة على العمل هي المعاناة والكآبة والحزن، ومملوءٌ بالمشاعر الفياضة التي تغزو خاطر الإنسان. بعض أحداث العمل، أقولُ بعضها، نسجتها من الواقع وأخرى من وحي الخيال.

لكن مجمل القرّاء وجهوا لي نقداً بخصوص الاشمئزاز والنُّفور من الحياة الذي يهيمنُ على العمل كثيرا، فحرب “أنجلو” مع الميليشيات المستوطنة لبلده هي تجسيدٌ لما قُلته. وحاولتُ كثيراً في هذا العمل أن أبيّن معاناة الطبقة الكادحة، كتصوير اجتماعي نفسي عشته في مقتبل عمري.

(كتابات) مجموعة (خلف جدار الذاكرة) في قصة (أحلام مراهق) كتبت عن الفساد والنهب في مصر.. لما اخترت مكان لا تعيش فيه؟

  • أنا أرتبط بمصر ارتباطاً وطيداً منقطع النَّظير، وعندما تحدثت عن ذلك النَّادل في تلك المقهى المتواجدة في مدينة “بورسعيد”، فقد صورت مشاكله بشكل مجازي وكأنني أعيش معه في نفس المكان. الكلُّ يعلمُ ما تعيشهُ مصر من اختلاسات مالية كبيرة، وتقلُّبات سياسية، وصراعات إيديولوجية مجحفة، فأردت أن أتخذ من ذلك الشاب المدعو مصطفى كنموذج لشابٍ يعاني في صمت، كان يخيم عليه الوجوم والانكسار، فعبَّرت عن مشاكله ومعاناته في بلده. أحبُّ مصر كثيرا انطلاقاً من كتابها ومفكريها الكبار، رغم أنني لا أعيشُ هناك فقد حاولت تجسيد وضع مصر انطلاقا من تلك القصة، لكن من يقطن في مصر فهو أدرى بشِعابها.

(كتابات) ما هي مصادر قصصك أحداث واقعية وشخصيات تعاملت معها أم من صنع الخيال؟

  • أنطلقُ غالباً من الواقع ولكن لا أتحدثُ عنه بلغةٍ مباشرة، أعيشُ المشهد بكامله، فأحوله إلى مشهد من اختراعي، بأسماء جديدة ولكن أحتفظ بنفس السمات في الغالب، وأضيف أحداث أخرى بأسلوبي. وحينا آخر تكونُ القصة مستوحاة من الخيال لا علاقة لها بتاتاً بالواقع ولا تمسُّهُ بِصِلَة، فالخيالُ يتركُ لك حريةً كبيرة في السرد والتعبير ولا يقيدكُ بالأغلال. أزاوِجُ دائماً بين الخيال والواقع في قصصي لكي أستطيع أن أخرج بمشهدٍ بديع.

(كتابات) هل واجهتك صعوبات ككاتب؟

  • كل مبدع في أي مجال كيفما كان نوعه فإنَّ طريقه تشوبها الشوائب والعراقيل، أنا ككاتب، رغم أنني لم أصل إلى مرتبة كاتب بعد، واجهني مشكل النَّشر ولا سيما أنا كمبتدئ لم أصبح اسماً يثق فيه القارئ، وحتى دور النَّشر في المغرب لا أعترفُ بها، هدفها الأول والأخير هو الربح من الكُتَّاب، لا يجيبون حتى على الايميلات كأبسط شيء. يتعاملون مع الأسماء الوازنة والكبيرة التي وضعت بصمتها في المشرق والخليج العربي، ثم ينشرون لهم هنا في المغرب. العمل الأول الموسوم بعنوان “حربُ البقاء” لم توافق أية دار نشرٍ في المغرب على نشره، لأنَّهم لم يجيبوني سواءٌ بالقبول أو الرفض، فنشرته مع دار “المناهج للنَّشر والتوزيع” في الأردن، فكنت هنا أمام إشكالية التوزيع في المغرب.

ومشاكلٌ أخرى لعلَّ أبرزها هي أن بعض الأشخاص لا يعترفون بالإبداع بل يتبعون أصحاب الأخطاء اللغوية، وينهالون عليهم بالتعليقات المحفِّزة، رغم أنَّ ذلك النص لغته رديئة. الاسم في المغرب من السهل أن تضعه، فقط اتبع الرداءة وستصيرُ اسماً مبهراً.

هناك أيضا من يضعُ أمامك عراقيل، ومن يشتمونك لأنّك تسعى جاهداً إلى الخروج من النَّمطية، الرداءة، والانفتاح على آفاق جديدة. فقد صار واقع الأدب والكتابة في المغرب واقعاً مشوَّها حيث انطلت عليه مجموعة من الأشياء التافهة.

(كتابات) لما اخترت دراسة الفلسفة وهل أفادتك في الكتابة الإبداعية؟

  • بسبب شغفي بالفلسفة تركتُ خلفي كلَّ شيء واتجهت لمدينة أخرى لا أعرفُ عنها شيئا، لهدفٍ واحد هو دراسة الفلسفة والتعمق في أغوارها. الفلسفة تربطها علاقة حبٍّ وعشق بالكتابة الأدبية؛ فجميع الفلاسفة أدباء وجميع الأدباء فلاسفة. نأخذ كتابات “ميشيل فوكو” كأُنموذج فهي كتابات شاعرية بالدرجة الأولى، “نيتشه” أيضا كتبهُ على شكل شذرات، “رولان بارت” أيضا ناقش مسألة الكتابة وموت المؤلِّف.

الفلسفة لا تحيا داخل الكتابة الفلسفية فقط بل إنها تتأصَّلُ في الكتابة الشّعرية والرّوائية وغيرها.. فقد نجد أعمق أشكال التّعبير الفلسفي في صياغة حكاية سَرْدِيَّة صغيرة، إنَّ الفلسفة عميقة جدّاً إلى درجة أنها تُدْرِكُ أنّ الأدب أعمق منها كما يقول “ميشال سير”.

لقد تَمَرْجَحت العلاقة بين الأدب والفلسفة بين انغلاقٍ وانْحصارٍ وتَقَوْقُعٍ تارة وبينَ انفتاحٍ وتداخل تارة أخرى، ففي التجربة الإسلامية مثلا نجد “ابن المقفع” يحدِّدُ الشخصية الفكرية للأديب، ويعتبر الأدب جوهر الثقافة، فالأدب وسيلة لبلوغ وضعية اجتماعية- سياسية، وبواسطته يمكن الارتقاء إلى عالم خاصّة الخاصة.

استفدت من الفلسفة كثيراً في الكتابة الإبداعية فلولاها لما كتبتُ سطراً، فقد جعلتني أفتحُ عيناي على عوالمَ أخرى لم تكن لي دراية بها.

(كتابات) من الكتاب المفضلين لك وهل تأثرت بأحد منهم؟

  • كُتَّابي المفضلين عديدون ولكن سأذكر أبرزهم: (نجيب محفوظ، ربيع جابر، مصطفى لطفي المنفلوطي، عبد الرحمٰن منيف، طه حسين، أمير تاج السر، إحسان عبد القدوس)، والقائمة تطول. وفي الأدب العالمي نجدُ: (غابرييل غارسيا ماركيز، فرانز كافكا، ميلان كونديرا، دوستويفسكي، أندري مارلو).

لعلَّ أبرز الكُتَّاب العرب الذين ذكرتهم سلفاً هو “عبد الرحمٰن منيف”، صراحة عندما أمسك إحدى رواياته، أقرأها بمتعةٍ كبيرة وسعادتي غامرة، أقرأ بانبهارٍ شديد، أحبّه كثيراً، فأعمالهُ الروائية بديعة وجميلة. فمن لم يقرأ ل”عبد الرحمٰن منيف” فكأنَّه لم يقرأ شيئاً في حياته. كاتب مدهش صراحة، أثَّر فيَّ كثيراً بأسلوبه.

(كتابات) ما تقييمك لحال الثقافة في المغرب؟

  • الأدبُ شيءٌ نبيل ويجبُ أن يبقى نبيلاً. هذه الصراعات والمشادات التي عرفها الأدب المغربي في الآونة الأخيرة يندى لها الجبين، فبعض الكُتَّاب رغم مستواهم الثقافي المميز أصبحوا يترصدون زملاءهم في الميدان، وينتقدون أيّ عملٍ أبصر النور، هو نقدٌ من أجل التنقيص من صاحب العمل لا غير. البعض الآخر وصلَ به الحال إلى التدخلِ في الحياة الشخصية للآخرين، وكتابة منشورات تافهة للردِّ على فلان، هذه الترهات يجب تجاوزها. أمَّا أعضاء اتحاد كُتَّاب المغرب، يجبُ عليهم العمل جاهدين من أجلِ تشجيع الشباب على الإبداع الأدبي، إلا أنهم صاروا يتنافسون على الكراسي، التي كسبوها سابقاً دون استحقاق. جلُّ الأعضاء في اتحاد كُتَّاب المغرب لا يكتبونَ إلاَّ لِماماً، ونقاشاتهم متدنية جداً.

ولا أنسى ذات يوم، كنتُ جالساً مع كاتب كبير وله اسم وازن- لن أذكر اسمه- يتحدث بلغةٍ خشنة، وينتقد أحد الكُتَّاب الذي أصدر رواية مميزة ورائعة، استهوت القارئ المغربي. برَّر نقدهُ ذاك، أنه يجبُ على الكاتب أن يُراكمَ عدة تجارب ثم يكتب، فذلك الكاتب يكتبُ وهو لازال لم يكمل الثلاثين.

تبادرَ إلى ذهني حينها سؤال شائك: متى كانت الكتابة مرتبطة بعامل السن؟ وهل يجبُ على الكاتب أن ينتظر بلوغه سن الستين ليبدأ بتأليف روايته؟ وبعدها يرتدي “بيريهٰ” ويرتادُ المقاهي ويقومُ بملء شبكة الجرائد. هذا حيف صراحة، أن تحسد شاب حتى في أبسط الأشياء فمعناهُ أنَّك تعاني من مرضٍ معين.

إنَّ هذه الصراعات المجحفة، تبعث للكُتَّاب الشباب برسالة فحواها: ابتعد عن الكتابة، وأطلق العنان للتفاهة وشجِّع على الرداءة، لا تُبدع، اكتفِ بمتابعة الفضائح وقراءة المنشورات التي تضمُّ أخطاء لا تُعدُّ ولا تُحصى. هذا هو واقعُ الأدب في المغرب، لا مجال للكلمات البهية من أجل أن تغطي هذه الحقيقة المؤسفة.

(كتابات) ما رأيك في كتابات الشباب من جيلك.. وهل تساعدهم وسائل التواصل الاجتماعي على التواصل مع القراء؟

  • في الوقتِ الراهن بزغَ فجرٌ جديدة في الكتابة الأدبية بالمغرب، شباب يبدعون بشكلٍ جميل. أراهنُ عليهم كثيراً، لأنَّهم هو السبيلُ الوحيد لقطع الصلة مع التفاهة المتفشية في وسائل التواصل الاجتماعي، فعندما أرى شاباً في مثل سني نشر تدوينة أو مقالاً يبتهجُ قلبي كثيراً، لأنَّه خير مثال يسعى للخروج من دوامة التفاهة المرهقة.

أحبُّ الشباب الذين يبدعون في أي مجال، أتمنى أن يواصلوا على نفس المنوال من أجل محاربة التفاهة وردِّ الاعتبار للثقافة.

خلف الجدار..

قصة قصيرة لسفيان البراق

رغم أنَّ الجميع تقريباً كان يَستبطِئ وصولَ سيارة الإسعاف، ويستنكرُ محتداً هذا التباطؤ، فقد كنتَ أنتَ أيضاً تتأمَّلهم صامِتاً، لا مُستنكِراً ولا ساخِطاً، ورِجلك ممدودةٌ أمامك، لا تقوى على تحريكها، لأنَّك كنت تدري مُسبقاً أنَّ سيارة الإسعاف حتى لو حضرت في الوقت المُناسب، فالطبيب لن يحضر في الوقت المناسب، ولو حضرَ الطبيب في الوقت المناسب، فلن تحضر العدّة، ولو حضرت العدّة في الوقتِ المُناسب، فلن… المهم أنَّك كنت تحدِسُ بفطنتِكَ التي فطرتك عليها، أنَّ حياتك توقَّفت هنا، تماماً في تلك اللَّحظة التي صدمتك فيها تلك الشاحنة المخيفة. كنتَ تحدس بقدرٍ هائل من الألم الممض، أنَّك لنْ يُكتبَ لك السير كما كنت. حتى لو كُتِبَ لك العيشُ طويلاً وسِرت فوق الأرض فلن يتأتى لك ذلك قبل سنة، بعكّازة أو عكَّازتين. المهم أنَّك لن تعودَ ذلك الحصان الذي كنتهُ. تفيقُ في الرابعةِ صباحاً، وتسعى في طلبِ الرزق، فتملأ سوق الجملة بجريك وصراخك، ومشاكستِك، وتملأُ كيسكَ مما جادوا به من خضرٍ وفواكه، وجيبك مما جادوا به من نقود، قبلَ أنْ تعودَ في منتصفِ النهار إلى البيتِ منهكاً.

أخيراً حضرت سيارةُ الإسعاف، تصرخُ وتُولوِلُ، كما لو كنت أحد أبنائها أو أحد إخوتها، فأفسحَ لها المُتجمهرون الطريق، ومنهم من يأسف ومنهم من يَستنكِر.

وحين وقفَ صاحِباها بجانبك، يَتأهبانِ لحملك، نظرتَ إلى أحذيتهم، وددت لو أنَّهم يتركونك متمدداً كما كنت. كنت قد بدأت تستأنِسُ بالأرض حينَ صدمتك تلك الشاحنة العوراء، صرختَ من الألم كوحشٍ كاسِر اخترقهُ سهمٌ مسموم. صرختَ ثم صمتت متمدداً كميّت، والآن يقتلعونكَ منها، كما اقتلعتك حادثةُ اليوم من جحيمِ يوميك. أخذوك. حملوك إلى السيارة الصفراء، ذات العويل البغيض. حملوك ووضعوك في قلبها وأنتَ صامت، ساروا بك وأنتَ صامت. وحتى حينَ استفسروا عن هويّتك، اكتفيت بالإشارة بسبّابتك إلى حافظةِ أوراقك التي تضعُها عادةً في جيب سروالك، تماماً فوقَ المؤخرة. فلم يكادوا يُخرجوها من جيبك حتى كادَت أنْ تُزهقَ روحك من الألم دون أنْ تنبس. فبِالله عليك: أيُّ بشرٍ أنتْ، وأيُّ كائنٍ أنتْ. أنتَ جدارٌ من إسمنت مُسلَّح بيدينِ ورجلين ورأس. اليوم، اليوم ميلادُك الجديد.

اليوم تبدأُ حياتُك الجديدة. آهٍ. لو أنَّ هيكلَ الموت ذاك أمهلك بعض الوقت. لو أنَّه صدمَكَ بعدَ بِضْعِ سنين، ثلاثة أو أربعة على الأقل، لكنتَ قدْ أمَّنت لابنتك البكر قُوْتَها حتى تستيطعَ أنْ تعمل، حتى تستطيع أنْ تُعينك على إمداد جيشك، فيه من يمشي على اثنتين، وفيه من يمشي على أربع. جزاكَ الله شرَّ الجزاء أيُّها السائقُ المَلعون. لقد دست على قلبٍ يَضُخُّ الدماء في أجسادٍ كثيرة، لقد خنقت بيديك أرواحاً كثيرة.

تحاول أنْ تتخيلهم الآن: ها هي أمهم قد أخرجت أغطيتهم وفراشهم لتنشُرها تحت أشعة الشمس، وها هم قد خرجوا للمدرسة أو الكُتَّاب ليدرسوا، بعد أنْ تناولوا إفطارهم. وليس في أذهانهم عنك الآن إلاَّ كونك تعمل، تحملُ السلاسل الثقيلة، وتَنقلها من الشاحنات إلى أماكن البيع. في حين أنَّك مكوّم كالهم الثقيل الذي يعتصِرُ قلبك الآن بإحدى ردهات قسم المُستعجلات بمستشفى لم تعرِفْهُ من قبل. وضعوك، رَموك، لا فرق… المهم أنَّهم نسوك… سمحوا فيك.

يجبُ على الآلام التي تنهشُ جانبك الآن أنْ تستوعِبَ عمليةَ مجيء الطبيب في مستشفياتِ المخزن. إن الطبيب هنا، هو كلُّ شيء، رغم أنَّه لنْ يفعلَ شيئاً. فهو لم يأتِ إلاَّ بعد أنْ جاءت زوجتك وابنتك الكُبرى، وجلستا بعد أن بكيتا ما شاءَ لهما سائقُ الشاحنة أنْ تبكيا. ثم دخل مكتبهُ ومكثَ فيه حتى خيّل إليك أنه لم يأتِ بعد، ثم ألقى أوامِرهُ بتهييئك وتخديرك، إلى أنْ وجدتَ نفسكَ ببيتكَ ممدوداً، لا تَقوى على الحركة، والبيتُ من حولك مملوءٌ عن آخره، نسوةٌ هنا ورجالٌ هناك، والصبية الصغار يذرعون البيت جيئةً وذهاباً، ويملأونهُ صراخاً وعويلا. لكنك تنظرُ إلى أبنائك فقط، فأنتَ من اليوم فصاعِداً واحدٌ منهم، وعليهم أنْ يتعودوا على رؤيتك صباحا بجانبهم، كسيراً مقهوراً؛ فأنتَ الآن تملكُ جسدك وروحك، ووقت العالم. أنتَ من اليوم لا حاجةَ بالإسراع في فعلِ شيء وأيُّ شيء؟.

أنتَ الآن آلةٌ مُعطلة، رُميّت بعد طول وسوءِ استخدام. أنتَ الآن، بكبريائك وأنفتِك، تطلبُ من صغيرك بخوفٍ واحترام أن يُساعدك على حلاقةِ ذقنك، بأن يقبض أمامك المرآة الصغيرة التي في بيتك. أمَّا حين تريدُ أن تقضي حاجتك، فتلك مأساة أخرى يعلمُ الله وحدهُ كم أحسست معها بالضُعف والخذلان… وما أكثر مآسيك. كنت تقول لابنك الصغير: “ابتسم للحياةِ تبتسمُ لك”. ولكن أنتَ ابتسمتَ لها فرمتك بحجارةٍ هشَّمت أسنانك.

 



الكلمات المفتاحية
الكاتب سفيان البراق

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.