الأربعاء 18 مايو 2022
20 C
بغداد

    مع كتابات.. سفيان البراق: الخيالُ هو حياتنا الأخرى التي نعايشها هربا من ضحالة هذا العالم

     

    خاص: حاورته- سماح عادل

    “سفيان البراق” قاص مغربي، من مواليد 1998. فاز بمسابقة القصة القصيرة بمصر والتي كانت تزامنية مع أسبوع اللغة العربية، وفاز كذلك بمسابقة دار “مها” للنشر والتوزيع في فرع القصة القصيرة. وحاز على المركز الثالث في المسابقة العربية للقصة القصيرة.  أصدر مجموعة قصصية بعنوان “حرب البقاء”، ومجموعة قصصية بعنوان “خلف جدار الذاكرة” ضمن منشورات جامعة المبدعين المغاربة. ومجموعة بعنوان “مرافيء العشق”.

    إلى الحوار:

    ** في مجموعة “مرافئ العشق” أليس من الغريب أن يحتوي الإهداء على الكراهية؟

    – لا أقصد أني أحملُ ضغينةً تجاه الفئات المذكورة في الإهداء، بقدر ما كان هذا الأخير وصفاً للدناءة التي يتّصفون بها، والمواربة التي يتحلّون بها. كما أنّ هذه الفئات اقترنت بالمناورة والمخاتلة، وتحاشت النُّبل ودماثة الأخلاق لذلك ارتأيتُ أن أكتب الإهداء بتلك الطريقة التي لا تنمّ عن كرهٍ مسبق، لأنّه ليس من سماتي. ليس من اللائق أن يكره أيّ إنسان الآخر، لأنّ الضغائن لا يجبُ أن تتقوّى، بل يجبُ أنْ يتّصف الإنسان بالحِلْم والمشاعر النّبيلة رغم سماجة الآخر وشرّه.

    **  في مجموعة “مرافئ العشق” في قصة ” لكل ألم علة” تحكي كارثة ألمت برجل كادح وتأثيرها عليه وعلى أسرته حدثنا عن ذلك؟

    – هذه القصّة مُستلهمة من الواقع بدرجةٍ كبيرة، لأنّه هذه المأساة، التي تُدمي القلب، يمكنُ أن يُعاينها أيّ شخص في المجتمع. حاولتُ قدر الإمكان تصوير دروب الحياة باعتبارها دروباً قد تعصفُ بحياة الإنسان على حين غِرّة. كما أنّ بطل القصّة تحوّلت حياته إلى جحيمٍ حقيقيّ في ظرفٍ وجيز، في ظلّ غياب التأمين الذي يمكن أن يضمن له عيشاً كريماً، وهذه هي النّقطة التي حاولتُ أنْ أبرزها بشكلٍ ضمني مبتعداً عن التقريرية المباشرة تاركاً المجال للقارئ ليغوص في النّص ويستخلص ما تأتّى له. فلو أمّن هذا الرّجل، المنحدر من طبقة اجتماعية غارقة في الفاقة والإملاق، دراجته النارية لم عاش هذا الضياع الكاسر بصرف النّظر عمّن أخطأ هل هو أم صاحب الشاحنة؟

    **  في مجموعة “مرافئ العشق” في قصة “مزحة الكتابة” انتقاد للأوضاع الثقافية في المنطقة، وكيف أنها تعتمد على العلاقات الاجتماعية وعلى اعتبارات أخرى كثيرة غير جودة الكتابة وحرفيتها. هل عانيت من إهمال الوسط الثقافي وتهميشه للكتاب؟

    – حقيقة لم أعِش ذلك من قبل لأنّ تجربتي فتيّة ومتواضعة جداً، ومازلتُ في بداياتي الأولى أقرأ وأتعلم باستمرار. هذه القصّة متخيّلة، بيد أنّها أحداثها يمكنُ أن تقع بلا شك. في هذه القصّة سلّطتُ الضوء على اللغط الذي يتبعُ الجوائز مباشرة بعد إعلان من تمكّنوا من نيلها ووقفوا فوق منصّة التتويج التي لا تقبلُ فوق ظهرها إلاّ المثابر.

    من يحظى بالفوز بها يقول إنّ الجائزة كانت موضوعية، وفازت الأعمال الجديرة بالفوز، وعلى العكس من لم يُحالفه الحظّ يشكّك فيها ويطعن في مصداقيتها. وهذا في رأيي المتواضع لا يجوز. إذْ لا يحقّ لأي شخص أن يطعن ويضرب في نزاهة جائزة كيفما كانت مرموقةً أو متواضعة، لأنّ الجوائز في الأصل هي أكبر دفعةٍ معنوية ينالها الكاتب للمضي قدماً. دائماً أقول إنّ الجوائز شيءٌ محمود تحفّز الروح التنافسية بين الكُتّاب على الإبداع أكثر، وهذا شيءٌ مرغوبٌ فيه لنا كقرّاء لأنّنا سنقرأ أعمالاً جيّدة ومُقتدرة.

    ** أصدرت عدة مجموعات قصصية. هل تستقي أحداث وشخوص قصصك أم يلعب خيالك دورا كبيرا في نسج القصص؟

    -الخيالُ هو حياتنا الأخرى التي نرتمي فيها كلّما سئمنا من ضحالة هذا العالم. أحاول، قدر الإمكان، أنْ أجعل نصوصي متأرجحة بين الواقع والخيال. غير أنّ الواقع هو الفضاء الذي أنهلُ منه كلما سنحت الفرصة لأترجم ما استلهمتهُ منه في معمارٍ سردي ينسجمُ مع قواعد القصّة القصيرة المتعارف عليها. فكل كاتبٍ لا يخرجُ في نصوصه من الواقع الذي عاش فيه، كما قد نجد حضوره في شخصيّة من الشخوص التي ابتدعها بشكلٍ صريح وبارز أو بشكلٍ مبعثر، وكلا الأمرين سيّان.

     **هل واجهتك صعوبات في النشر وما رأيك في النشر الذي يأخذ طابعا تجاريا بدلا من دعم مؤسسات الدولة للثقافة؟

    أغلب دور النشر، ولا أقصد دور النشر المغربية بطبيعة الحال، تطلبُ من الكاتب أن يدفع مساهمةً من أجل أنْ يتمّ نشر عمله الإبداعي. مررتُ بتجربتين مريرتين في النّشر؛ إذ لم أكن أعرف طرق النّشر والتوزيع، بيد أنّ “مرافئ العشق” ارتأيت ألا أنشرها، ورشّحتها لجائزة كتوبيا للنّشر سنة 2020م، وتمكّنت من التأهل للقائمة الطويلة بعد منافسة كبيرة مع العشرات من الأعمال القصصية في العالم العربي، كما نالت قصة من القصص الواردة فيها بعنوان: “أحلام مغدورة” جائزة البروفيسور “فرانسيس دينغ” في دورتها الأولى سنة 2021م.

    قبل أن تتبنى دار “ويلوز هاوس” المحترمة والمهنية هذا العمل وتنشره باحترافية. أغلب الكتّاب حالياً صاروا يحجمون عن النّشر ويرشّحون أعمالهم للجوائز حتى تنال التقدير اللازم وتصل للقارئ في كلّ مكان، لأنّ النشر غير المحترف يُقبر العمل بصفةٍ نهائية.

    تسهر وزارة الثقافة المغربية على نشر مجموعة من الأعمال الأدبية كل سنة، وهذا شيءٌ مفرح، كما دأبت على دعم عدة كُتّاب ومبدعين لنشر انتاجاتهم الإبداعية، وهذه بادرة تستحق عليها الوزارة الوصية على الثقافة وافر التنويه، كما درجت على تنظيم جوائز محترمة جداً وأذكر على سبيل التمثيل لا الحصر: جائزة المغرب للكِتاب.

    ** هل فكرت في كتابة الرواية؟

    – لم أفكر في ذلك بكل صراحة، لأنّ الرّواية صنف أدبي صعب يتطلّبُ تجربةً كبيرة في الكتابة، وأنْ تُراكم عدداً كبيراً من القراءات في هذا الصنف الأدبي المجيد. كلّ ما أفعلهُ الآن هو أنني أقرأ لأساطين الرّواية العربية (عبد الرحمن منيف، نجيب محفوظ، الطيب صالح، حنّا مينا، سليم بركات، ربيع جابر، عبده خال، حيدر حيدر، إبراهيم الكوني… إلخ) بلا انقطاع وأنهل من تجاربهم الأدبية، وأنفتحُ من حين لآخر على أعمال جهابذة الرّواية العالمية في أوروبا مع (دوستويفسكي وكونديرا وكافكا، وتولستوي وأنطوان تشيخوف وأندري مالرو… إلخ)، وروّاد الأدب اللاتيني، وفي آسيا مع “هاروكي موراكامي”.

    هناك كُتّاب كبار يحظون بمكانةٍ خاصّة في العالم العربي نجحوا، باقتدار، في كتابة الرّواية والقصة، وأقصد: نجيب محفوظ، منيف، الطيب صالح، عبده خال، يحيى حقّي. وهذا أعتبره استثناءً، والاستثناء لا يُقاس عليه، فكتّاب الرواية حاليا قد لا يكتبون القصّة إلّا عند الاقتضاء، والعكس كذلك، لأنّ كل جنس له خواصه، وكلّ كاتبٍ يكتبُ في الصنف الذي استلبه ووجد ذاته فيه.

    ** هل الانتقاد والسخرية مكونان أساسيان من مكونات الكتابة لديك؟

    – السخرية تحضرُ في بعض ما أكتبه سواء بشكلٍ صريح أو بصورة ضمنية، وهي سخرية من واقعٍ معين أو موجة عابرة أو من حدث مستجد. بخصوص الانتقاد فهو مرادف للسخرية في الكتابة الإبداعية في اعتقادي، والانتقاد يجبُ أن موضوعياً وبكامل اللياقة في التعبير بعيداً عن العبارات الفجّة الرّائجة في الميديا مثلاً.

    ** ما رأيك في الصحافة الثقافية والنقد وهل يواكبان الإنتاج الغزير للكتاب في المنطقة؟

    – الصحافة الثقافية في المغرب، على سبيل التمثيل، هي مواكبة لأهم الأحداث والتظاهرات الثقافية في المغرب بشكل مُستمر، وهذا يتّضح بجلاء كبير من خلال الجرائد سواء في صيغتها الورقية أو الالكترونية، ومن خلال السمعي البصري الذي نجد فيه تغطيات جيّدة لكل ما هو ثقافي بشكلٍ يومي تقريباً. وهذا نابعٌ من أنّ الصحفي صار يعتني بالثقافة بمختلف تجلياتها وتمظهراتها لأنّ معاهد الصحافة والإعلام صارت تسهر على تكوين صحفيٍّ رصين، وهناك استثناءات لا تولي أيّ اهتمام لذلك، وهم قلّة، والاستثناء لا يُقاسُ عليه.

    ** الكتابة عن الحب والعشق هل من أنواع الكتابة الرائجة التي يقبل عليها فئة الشباب من القراء وهل تفكر ككاتب في أنواع النصوص الرائجة حين تكتب؟

    – قد يعتقدُ أحدهم من خلال العنوان أنّ هذا العمل مخصص للحديث عن العشق وعقابيله، عن الحبّ الجارف ونهاياته، غير أنّ عنوان مجموعتي القصصية الأخيرة “مرافئ العشق” يجافي تماماً مواضيع القصص الواردة فيه التي تمحورت حول قضايا اجتماعية وإنسانية في المقام الأول. لستُ من الكُتّاب المهمومين بمثل هذه المواضيع. يمكن أن يكون موضوع العشق حاضراً في نصٍّ معين لكن بشكلٍ موجز، أمّا أنْ أُسهب وأسترسل في الكتابة عنه فإنني لا أستطيع فعل ذلك. سبق وقلت إنّ الكاتب يكتبُ انطلاقاً من واقعه.

    **هل الكاتب في منطقة الشرق مظلوم ومهضومة حقوقه ويعاني من مقارنة بالكاتب في الدول الغربية والذي يجد مؤسسات تدعمه في رأيك؟

    – لا أستطيع الحسم في ذلك في الحقيقة، فلو كان مكاني كاتب آخر راكم تجارب عديدة في الكتابة لكان جوابه أكثر دقة وصراحة، أمّا أنا فمازلتُ أتقفّى آثار الكتابة وأتعقّبُ طرقها وقواعدها. ما يمكنني قوله هو إنّ الكتّاب العرب،في مختلف المراحل، لهم مكانتهم، وباتوا ذائعي الصّيت، وينالون جوائز تتبوأ مكانة كبيرة في الساحة الثقافية العربية، وتترجم أعمالهم الأدبية إلى لغات عالمية ليقرأ لهم الجميع.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا