مع كتابات.. رلي براق: النص الذي تكتبه المرأة يعبر عن فلسفتها للحياة

    0

    خاص: حاورتها- سماح عادل

    “رُلى برّاق” شاعرة عراقية، مواليد الموصل- العراق، حاصلة على ماجستير في الأدب العربي، وهي عضوة اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، وعضوة في نادي الشعر في الموصل، وعضوة في تشكيل قصيدة النثر في الموصل، بدأت الكتابة في المرحلة الجامعية في جامعة الموصل، وحصلت على جوائزعديدة في الشعر والقصة والمقالة في مسابقتها الإبداعية السنوية. صدر لها مجموعة مشتركة بعنوان (زهر)، وصدر لها مجموعة شهرية بعنوان (ما وصل منها)، وقد فازت مؤخرا بجائزة الإصدار الأول عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق عن مجموعتها الشعرية الأولى.

    الى الحوار:

    (كتابات) متى بدأ شغفك بالكتابة وكيف تطور؟

    • أولُ تجربةٍ لي في الكتابةِ كانت في طفولتي.. كان عمري وقتَها إحدى عشرة سنة، ولدَ هذا الشغفُ لأنني كنتُ أرى الكتبَ من حولي، وكان الفضولُ يشدُّني لتصفحِها، لكنني لم أكنْ أفهمُ منها شيئاً على الرغم من اتقاني للقراءةِ لوحدي من عمر الثماني سنوات، حتى وقعَ بين يديَّ المجلدُ الثاني لأدونيس، فكان أولُّ كتابٍ أقرأه كاملاً.. ولم أحبّه لليوم، فالبدايةُ كانت فضولاً في التقليدِ، بدأَ من عمرٍ مبكرةٍ واستمرَّ في محاولاتِ الهلوسةِ والفوضى..حتى وجدتُ نفسي حقاً على أولِّ الطريقِ عام ٢٠١٥ أثناءَ احتلالِ مدينتي وحصارِها من داعش، حين قررتُ أن لا أخرجَ من باب بيتي حتى يذهبوا منها، هنا تحولَّ الشغفُ من التقليدِ والفضولِ إلى غايةٍ.. ألا وهي الهروبُ إلى الحياةِ بالخيالِ والكلماتِ، بناءُ عوالمَ جماليةً تناقضُ الواقعَ من خلالِ القصيدةِ، أصبحتْ الكتابةُ رسالةً وجوديةً وجماليةً فحسب، فكنتُ اقرأ وأكتب طوال العامين تقريباً..

    وتتطورَ اسلوبي من خلال القراءةِ والممارسةِ والتجريبِ.. وكان التأثيرُ المباشرُ لنضجِ الأسلوبِ لدي هو اعتكافي لقراءةِ شعر “محمود درويش” قرابةَ الشهرين، ثم الكتبِ الفلسفيةِ والجماليةِ ل”غاستون باشلار”، لذلك أعدُّ نفسي ابنتهُما شعرياً وجمالياً.. أما فكرياً فأنا للآن أبحثُ عن منهجٍ يلائمُ استيعابي للعبثيةِ التي تحاصرُ واقعنا وتضببُ مرآةَ أحلامِنا وآمالِنا ومستقبلِنا.

    (كتابات) في كتابك (ما وصل منها) رصد لمشاهد حياتية أقرب إلى السرد القصصي.. ما السر؟

    • بالتأكيد أنَّ الشعرَ عالمٌ ساحرٌ قادرٌ على اختراقِ حواجزَ الوجدانِ روحاً وعقلاً ، لكن الشعر يجنحُ غالباً إلى الكلياتِ، فيعطي ظلاً للشعورِ أو الحالةِ أو الفكرةِ، يبحثُ عن التأملِ والتفكيرِ والتأويلِ.

    في واقعنا الحالي نحتاجُ إلى استثارةٍ سريعةٍ ومباشرةٍ لوجدان المتلقي، فالحروبُ وما أنتجتْهُ من خرابٍ وموتٍ وبشاعةٍ لا تتيحُ للمتلقي هذه المسافة من التلقي، فمنذُ زمنٍ بعيدٍ اتجهتْ القصيدةُ إلى الأساليبِ الأخرى كالسردِ والقصِّ والسينما، إذ تمتلك القدرةَ على جذبِ المتلقي واستثارتِهِ بسهولةٍ، خاصةً في القصيدةِ التي تحولت عن نمطِ (الوزن والقافية) إلى إيقاعاتٍ أخرى مرجعياتُها النص فحسب، فتتيحُ تقاناتُها في رصدِ التفاصيلِ الصغيرةِ والمهمشةِ في الحياةِ اليوميّةِ، وهذا ما كنتُ أحتاجُ إليه لنقل الحربِ التي عاشتْها مدينتي، فهي لم تقتصرْ على الوجهِ الذي أظهرَهُ الإعلامُ، من الخرابِ والرعبِ الذي أنتجَه (داعش) فيها، بل هناك تفاصيلٌ أخرى، منها إنكسارُ الذاتِ، وإهانةُ النفسِ البشريةِ، وإذلالُ حريتَها، وضياعُ الحلمِ، وتشتتُ روابط الإنسانِ بالعيش، فلا يحقُّ لك شيءٌ حتى أن تقولَ أنا أنتمي، فكان انهياراً فظيعاً لكلِّ القيمِ والوجودِ والميثولوجيا.. التي كانتْ تحتاجُ إلى هذا النوعِ من التقاناتِ لرصدِ المشاهدِ الحياتيةِ اليوميةِ.

    (كتابات) في كتابك (ما وصل منها) الحرب حاضرة وبقوة كسبب رئيسي لمعاناة الناس.. حدثينا عن ذلك؟

    • لا شك في ذلك ..

    ف (الحربُ

    امرأةٌ ٍعاقرٌ..

    تحقدُ على زوجِها

    وتقنعُهُ بزوجاتٍ ينجبْنَ لهُ جذوراً لا تموتُ شجرتُها أبداً

    من يومِها والحطابونَ غارقونَ في العرقِ)..

    فهي الغوايةُ وشهوةُ الجحيمِ ورغبةٌ عارمةٌ في اللا شيء، لأن أولُّ خسائرِها الإنسانَ الذي يعدُّ من حتمياتِ الحياة..

    لكنني أقول دائما:

    قد تفاجئكَ الحربُ أحياناً؛

    فتهديكَ معجزةً اسمُها الحبّ.

    (كتابات)  لما اتجهت لكتابة الشعر.. وهل تنوين كتابة سرد سواء قصة أو رواية؟

    • لم اتجه مباشرةً إلى الشعرِ وكتابتِهِ، كانت الكتابةُ بحدِّ ذاتها هي شغفي، لذلك كتبتُ القصةَ القصيرةَ، وجربتُ الروايةَ إلا أنني لم اقتنع بها فتركتُها لزمنِها، فأنا لا أنوي، أكتبُ بلا قصديةٍ للشكلِ أو الأسلوبِ.. لكن تبقى للشعرِ نكهةٌ مميزةٌ وخاصةٌ، حين يضعُكَ في مساحةٍ من الابتكارِ المختزلِ والبليغِ، وخلقِ الصورة وإثارةِ الدهشة، ومحاورةِ الأماكنَ البعيدةَ في الروحِ، والتحليقِ عالياً في هاويةِ المعنى، والتذبذبِ في منطقةِ المنطقِ واللا منطق، الوعي واللا وعي، والقصدية واللا قصدية، والشكِّ واليقين، والثابتِ والمتحول.

    (كتابات)  ما تقييمك لحال الشعر في العراق والثقافة بشكل عام؟

    • الشعر دائماً في حالةِ حركةٍ وتحوِّلٍ وتتطورٍ، لم يتوقفْ زمناً عند شكلٍ واحدٍ وأسلوبٍ واحدٍ، يتأثرُ ويؤثرُ، لذلك هو متفاعلٌ مع الواقعِ الذي يُنتجُ فيه، ولا بأسَ أن يعاني من بعضِ الدخلاءِ، ذلك يُبرِّزُ الجيدَ منه أكثر، فالشيءُ بنقيضه يميزُ، نعم هناك غثٌّ كثيرٌ في الساحةِ الأدبيةِ والثقافيةِ العراقيةِ والعربيةِ، الناتجةُ عن اضطرابِ الأوضاعِ والمفاهيمِ والتقييمِ وهيمنةِ الايدلوجيات على تصنيفِ الشعراءِ ودعمهم أدبياً وإعلامياً ومادياً، ولكنّ هذا الأمرَ طبيعيٌ تمرُّ بيه كافةُ المجتمعاتِ، يبقى دائماً الرصينُ والجادُ والحقيقيُّ صامداً مع تغيّراتِ الزمنِ، فلا استطيعُ أن أقولَ الشعرُ يعاني، ولا استطيعُ أن أقولَ أنه بخيرٍ تماماً.

    (كتابات) هل في رأيك تكتب المرأة شعرا مختلفا عن الرجل وما رأيك في تصنيف الكتابة النسائية الذي يميز كتابات النساء؟

    • بالتأكيد تكتبُ شعراً مختلفاً، كما أن كلَّ إنسانٍ يكتبُ شعراً مختلفاً ببصمتِهِ وشخصيتِهِ وروحِهِ..

    أما بما يخصُّ مصطلح الكتابةِ النسويةِ، فهو معترفٌ به نقدياً وأدبياً، على الرغم من التجاذباتِ التي تعتري تحديدَه وتوضيحَه، من ناحيةِ أنه ما معنى الكتابة النسائية؟.. فالنصُّ الذي تكتبُه المرأةُ يجب أن يعبرَ عن وجهةِ نظرِها للاشياءِ، وعن فلسفتِها للحياةِ، وعن طبيعتِها في بيئتِها، وأن تعرضَ صفاتِها كأنثى في علاقاتِها بمحيطِها (الأم، الأب، الأبناء، الرجل، المرأة، الآخر، الصديق/ة، الحبيب، الوطن، البيت…إلخ)، بالطبعِ أنها تمتلكُ منظومةً فكرية وشعورية مختلفةً عن الرجلِ، وتفاعلاً مختلفاً مع الأحداثِ التي تصادفُها.

    (كتابات) هل واجهتك صعوبات كونك شاعرة امرأة؟

    • المرأةُ في مجتمعاتِنا تواجهُ صعوباتٍ في كونِها أيَّ شيءٍ مخالفاً لكونها أداةً لتكوينِ أسرةٍ وإنجابِ الأطفالَ وإدارةِ البيت، فلا شكّ أن تقفزَ امرأةٌ إلى أبعدِ من تعليمِها أو عملِها أو مشاركتِها في فعالياتِ المجتمع، إلى مساحةِ الفكرِ والإبداعِ والنقاشِ وطرحِ الأسئلةِ واقتراحِ الأجوبةِ والاعتراضِ والانتقادِ لكلِّ ما هو سلبي حتى وإن مسَّ ذلك قدسيةَ صوابِ الرجل، فذلك يجعلُها محطَّ الرفضِ والنفورِ من المجتمعِ وإن أوهمتْها الأقنعةُ الاجتماعيةُ بغيرِ ذلك، فالحقيقةُ أن فكرةَ كون المرأة إنساناً من الدرجةِ الثانيةِ لا تقتصرُ على تفكيرِ الرجل، بل حتى النسبةُ الكبيرةُ من النساء الأخريات ينظرنَ لأنفسهِن هكذا.

    (كتابات) ما رأيك في قصيدة النثر وهل أنت مع التحرر من الإيقاع والموسيقى في الشعر؟

    • قصيدةُ النثرِ شكلٌّ أدبيٌّ أثبتَ قدرتَهُ على الوجودِ، والتطورِ وتحقيقِ الشعريةِ حتى لامستْ شكلَ الشعرِّ كلَّهُ..

    أن نقولَ أنها تحررتْ من الإيقاعِ والموسيقى، فيه ظلمٌ لها وانزياحٌ عن الحقيقةِ، هي تحررتْ من نظامِ الوزنِ والقافيةِ، الذي لازمَ القصيدةَ العربيةَ حتى مطلعِ القرنِ الماضي، لأن قصيدةَ النثرِ لا تخلو من الإيقاعِ والموسيقى، بل أنها راحتْ تبتكرُ إيقاعاتٍ مختلفةٍ ومتنوعةٍ تبعاً لشكلِها في كلِّ قصيدةٍ، وتعدت مسألةِ الشكلِ العَروضي لرصفِ التفعيلاتِ والأبياتِ الشعريةِ، وانتقلتْ إلى مرحلةٍ أعمق في موسيقاها الداخليةِ والخارجيةِ التي تنبعُ من محتواها وجوهرِها. فلا نقولُ أنها تحررتْ من الإيقاعِ والموسيقى، إنما تحررتْ فيهما.

    (كتابات) هل ساعدتك وسائل التواصل الاجتماعي على الوصول لقرائك؟

    • نعم، ساعدتني كثيراً، على الرغم من بعضِ تأثيراتِها السلبية، التي تنعكسُ أحياناً على جودةِ النصِّ، أو التأني في كتابتِه، أو عدم التسرعِ في نشرِه، إلا أنها كانتْ نافذتي الأولى، ولا تزالُ الأوسعَ للوصولِ إلى القرَّاءِ، خاصةً أن عمليةَ القراءةِ الورقيةِ تعاني وسط هذا التطورِ الحاصلِ، واجتياحِ التكنولوجيا، وانتشارِ الحواسيبِ والأجهزةِ الذكيةِ.

    ثم أن لكلِّ عصرٍ وسائلُه للوصولِ للقراءِ، ولابدَّ من الاستفادةِ منها لتحقيقِ الانتشارِ والحضورِ، على أن تبقى مسافةُ المسؤوليةِ تجاه القارئ ومتطلباتِ الواقع.

    (كتابات)  هل كان النشر سهلا بالنسبة لك وما هو جديدك؟

    • لم يكن متاحاً كثيراً، فكان في نطاقِ الجرائدِ الفقيرةِ في عددها  ووصولها ومتلقيها، التي كانت تصدرُ في مدينتي في وقتها، وهذا الأمرُ اختلفَ الآن كثيراً.

    كذلك لم أكنْ اسعى للنشرِ، قدرَ سعيي للكتابةِ، ولم أكن أرى أنني أكتبُ ما يستحقُ النشرَ والانتشار، وما يتركُ بصمةً خاصةً بي لدى المتلقي.. بما يخص القادم.. لديَّ مجاميعُ شعريةٌ قيدَ الإعدادِ، وانتظرُ فرصةً مناسبةً للنشرِ.

    قصيدة تساقطَ عن قلبي الكثيرُ

    رلي براق

    إليــــــه جـداً..

    أن تتقنَ دفءَ الجدرانِ

    وأنتَ تعدُّ خيباتِكَ

    والأصدقاءَ

    ووحدتَكَ على أصابعكَ الناقصةِ من الحظِّ

    أن تعانقَ الشجنَ كشالٍ يبحثُ عن نبضِ الفرحِ حول عنقٍ مذبوحٍ

    وتسألُ الوجوه التي لا تراها

    أين المرايا؟

    أين كلُّ ذلك الغناءِ الصاخبِ؟

    أين احتفالُ النوافذَ في آذار؟

    أن تحاولَ المشي وأنتَ مكسورٌ

    تدوسُ الرخامَ

    والحجرَ

    والرملَ

    والوقتَ المرمي في كلِّ مكانٍ

    وتغوصُ قدماكَ في الوجعِ الأبدي

    وهي تركضُ ككلِّ الكائناتِ الفارغةِ إلا من الحبِّ

    يااااه…

    أين أذهبُ بكلِّ هذا الحبِّ المخنوق؟!

    أية لعنةٍ أن تشاهدَ الموتَ

    وأنتَ تحبُّ

    وتحزنُ

    وتحنُ

    وتغضبُ

    وتكرهُ حدَّ البكاءِ

    أيُّة لعنةٍ

    نتوارثُها حرباً بعد حربٍ..

    أن تفتحَ أبوابَ روحِكَ كلّها

    تستقبلُ الدخانَ

    والأنقاضَ

    والأرواحَ المعلقةَ بطيبتِها

    واليتمَ

    والطعناتِ

    والضجيجَ

    وفيروز

    والعصافيرَ

    والأشجارَ المبتورةَ الأغصانِ

    والحبيبَ البعيد

    القريب

    القريييييب

    وأنتَ.. تتخلى عن جسدِكَ

    وترحلُ هكذا

    كحقيبةٍ تضمُّ الأشياءَ

    كلحظةٍ ضاعتْ بلحظةٍ

    أن تكتبَ جملةً قصيرةً

    وتنساها!

    تساقطَ عن قلبي الكثيرُ منها.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا