الأربعاء 29 يونيو 2022
38 C
بغداد

    مع كتابات.. أحمد ضياء: في النص، كما في الحب، عليك أن تخلص له ليبرق

     

    خاص: حاورته- سماح عادل

    “أحمد ضياء” شاعر وناقد مسرحي، ممثل ومخرج عراقي، مواليد بابل ـ العراق، حاصل على الماجستير والدكتوراه في الفنون المسرحية. فاز بالجائزة الثانية في مهرجان ميزوبوتاميا في بلغراد. ترجمت بعض نصوصه إلى اللغات الفرنسية والإنكليزية والعبرية.

    صدر له: (“شعراء داخل حقول الألغام” مجموعة مشتركة عن دار مخطوطات لاهاي ـ “مملكة العظام” مجموعة شعرية من ورقة واحدة على ورقB2 وهي مجموعة تجريبية عن المركز الثقافي للطباعة والنشر بابل ـ “الحرب دموعها خشنة” عن دار الانتشار بيروت- “سكرة الإحسان تمارين ابتكار لعبة الوجود” مجموعة شعرية).

    كان لنا معه هذا الحوار الشيق:

    ** حصلت على الجائزة الثانية في مهرجان ميزوبوتاميا في بلغراد.. حدثنا عنها وماذا تحقق لك الجوائز على المستوى المعنوي؟

    – لا تضيف الجائزة شيء بالحقيقة، إذ أن الأفق المعرفي والكتابي يرسم عبر النص، وما يسرني حقا كتابة نص جديد ومختلف بحيث حتى أنا اتفاجئ به، هذه الجائزة الحقيقية التي أفخر بأني حصلت عليها من نفسي، رغم ذلك فهذه الجائزة كانت بشكل إيجابي على نفسي خصوصا وأن عدد المشتركين بها كثر وتميز نصي حقا.. كانت رائعة تلك اللحظات.

    ** ترجمت بعض نصوصك إلى اللغات الفرنسية والإنكليزية والعبرية. كيف تخدم الترجمة الكاتب في رأيك ولماذا ترجمت نصوصك إلى العبرية؟

    – الترجمة فعل تواصلي مع الثقافات ومن الضروري خلق حلقة عابرة بين هاذين الفضائين، فاعلية المثاقفة من شأنها دوماً تعريف الآخر بالمرحلة الكتابية التي تدور الآن، فالترجمة حالة ربط بين ثقافتين من شأنها أن تذهب بعملية التخلف واللحاق بكوكب المعرفة التنافذي. لا أعرف لم ترجمت للعبرية، لكن ذات مرة اتصلت بي صديقة لي قالت بأنها ترجمت نصا لي للعبرية وارسلته، ولا اعتقد أن ذلك الآخر أخذه على محمل الجدية، بحيث هكذا تميز.

    ** مجموعتك الشعرية “مملكة العظام” من ورقة واحدة على ورق (B2)” وقد أثارت الجدل.. هل تحاول التجديد في الشكل وطريقة تناول النصوص وتفاعل القارئ معها؟

    – نعم، أنا أكتب بطريقة أحمد ضياء خارج أي تأثير يذكر، في كل مرة أطلق على النصوص الشعرية الجديدة عصر أحمد الكتابي، فمن الأمور المهمة أن تختلف عن أبناء جيلك، وأن لا يكن لهم دور ما في مرحلة التأثير على التجربة، لذلك أستطيع إنتاج نصوص تشبه شخصي، لا نصوص تعيد وتجتر فيما كتب، بحيث أستطعت إنتاج “مملكة العظام” بهذه الهيئة المختلفة، نلت المجموعة استحسان العديد من النقاد والكتاب حتى انها وصفت من قبل أحد الناقد بإنها عبوة ناسفة بالشعر العالمي.

    ** لك مجموعة بعنوان “الحرب دموعها خشنة” كتب كثير من العراقيين عن الحرب سردا وشعرا، هل يمكن القول أن الحرب مكونا رئيسيا في تاريخ العراق الحديث، وهل مازال هناك المزيد من الرؤى وزاويا التناول الأدبي، في رأيك، التي لم يطرحها الكتاب العراقيون بعد للحرب؟

    – الحرب وويلاتها تأثثت على أبدان العراقيين لذلك في كل بيت تجد فاجعة جراء الحرب والمفخخات، لذلك في كل صباح نغمس أبداننا على مقولة (الله أكبر) بين المساجد وأصوات المنتحرين، وفي كل يوم ننتظر لحظة تفجيرنا، لم نكن أبدا نعيش بل كنا نضع أرواحنا في مقابض أيدينا، حتى إننا لو سمعنا ترتيل المفخخ نطير ولا نشعر بذلك، كانت الحرب ومازالت ثقيلة على العراقيين ولم تكتف بذلك بل حولتنا إلى كتلة بسيطة حتى ونحن نعيش الآن، فوقع الحرب وما بها من ويلات كانت وما تزال مصدر رعب، فكلما دوت صفارة الانذار، أعلم أن آلاف من الأبرياء تناثروا في الفضاء عبثا.

    ** لك كتاب تحت الطبع بعنوان (الميتامسرح الإفيهم والأداء)  حدثنا عن مصطلح “الميتامسرح” وعن كتابك؟

    – الميتامسرح، هو المسرح داخل مسرح، أو ما وراء المسرح، هو مصطلح ما بعد حداثي من شأنه جعل المتلقي يدرك بأن ما يحدث على خشبة مجرد لعبة مسرحية، الأمر الذي جعل منه مرحلة وعي أكثر من مرحلة تماهي، فالميتامسرح سلسلة الفضاء الكوني للصورة، لما يمتلكه من تحول في قابليات التقارب والتباعد والانتظار إلى أسس الاشتغال الجديدة، والميتامسرح فعل أدائي متطور غير منتهي عند حد بل نجده مثل الامبيا انشطاري يتولد مع الإبداع ليكون وجبة دسمة من الفضاءات الثقافية والبصرية.

    ** ما كان هدفك حين قررت الدخول في مجال النقد وماهي الإشكاليات التي يعاني منها النقد الأدبي بشكل عام في منطقتنا؟

    – الأمر كله أن الساحة مليئة بنقاد غير جادين ولا شأن لهم بالنقد، ولا يمكن إذا احصينا عددهم أن يتجاوزوا أصابع اليدين، وما يكتب عدا ذلك ليس نقدا بل هو تزلف للكاتب أو المخرج أو الشاعر، ومن ذلك الأمر ولما للنقد من قريب لنفسي، ولتمكني من المناهج النقدية الأدبية منها والثقافية شرعت بالدخول إلى النقد بعده عتبة مضافة لي، ولما زرعه في داخلي أستاذي في مادة الجمال “د. محمد أبو خضير”، وهنا استطعت أن أكون فضاءً ثقافيا عبر النقد يشبه ما أطمح له وأكونه، وهو الأمر الذي جعل من كتابتي بعيدة عن التزلف لأي كان فالأبيض أبيض والأسود أسود بلا أي وساطة أو تزويق.

    ** في ديوان “سكرة الإحسان تمارين ابتكار لعبة الوجود”  غزل عذب لحبيبة في مكان بعيد، مقدس، ممتلئ بكل التفاصيل الحلوة، ذلك العشق الذي يبلغ حد التماهي. صورة المعشوقة الأقرب إلى الإلهة وصورة العاشق المتماهي حد الانسحاق التام.. حدثنا عنها؟

    – نعم، هذا المكان البعيد يكمن في جغرافية قلبي، إذ لا يمكن للمسافة أن تكون حداً فاصلاً بين حبيبين، ومهما طال البعاد، ثمة شيء حقيقي في النفوس لا يمكن تجاوزه مطلقاً. كانت وما تزال الإلهة التي تنثر طيبا وجمالا وإنسانية، الإلهة التي لا يمكن للحظة أن تجعلها بعيدة عنك، في معشوقتي الصمت يتسع، والحب يبلغ ذروته. ماذا يعني الانسحاق التام؟ هل يعني الذوبان حد إني لم أعرف لي اسما أو صورة أو معنى؟ إذا كان كذلك فاليشهد الكون إني منسحق.

    في النص كما في الحب عليك أن تخلص له وأن تعطيه كل شيء ليبرق. عليك أن تنطلق من واقعك في النص لتعطي صبغة الفرادة لأن ما تراه لن يستطيع غيرك مشاهدته. هذا هو حبي ما أراه لوحدي وسيظل وحدي.

    ** في ديوان “سكرة الإحسان تمارين ابتكار لعبة الوجود”  كشاعر تريد من القارئ أكثر من قراءة أولى، ربما تريده أن يتفاعل بشكل أكبر مع كل تلك الرموز الرياضية وأن يكون قراءته ونسخته الخاصة من نصوصك. هل هذا صحيح؟

    – نعم، المغزى من إنتاج نص فريد هو عينه في التفكير فيه، ما فائدة كتابة شعر متشابه، تمثل مرحلة الكتابة الواعية سراجا مفاهيميا وابستمولوجيا في كوكبة النص، حيث إن المعادلات الرياضية بكل أجواءها الفكرية سواء معادلات أو لوغارتميات أو حتى الجذور تحوير لكل الفئات النصية والبلاغية، وأجدها بطارية أو نضيدة تعزز من كونية النص الحياتي.

    ** في نص “ريف بدوي آخر أو تراتيل جبل السناجب” جملة “الحياة بحاجة إلى مزيد من الكذب لتنضج” كررتها كثيرا وفي النهاية “الحياة تبنى على الصدق لتعطي”.. هل تتعامل مع الكلمات بشغف، تلعب معها وبها كتعويذات مقدسة لها سحرها الخاص، تفتش عن كلمات غير متداولة وكلمات أخرى لها سحر. ما حكايتك مع الكلمات؟

    – الكلمات صقيع الذات وصنيعها المتشح بالفقد، كلَّما بنيت الكلمات على رحيق الأزهار كلَّما ظهرت شروط حديثها الصوري، فالصدى المتلاطم يبني ملاكمة حضوره مع جملة اختبارات خيارية تعتبر نسيجا ضبابيا مرة ومرةً أخرى تبدو كقياس سرعة الريح، الكلمات وجه الله الصادق، التي كلَّما برزت كلَّما صار نضوجك الذاتي أوضح، الآن أنا شخص بلا كلمات بتُّ واضحا، يتشفى في خطابي الآخر وأعلن عن حيوية قبحي وسوء مواقفي، صرت الآن ذنباً، “مخزنُ أفكار الوحدة يلفنا الغرق كأي يمامة تضيّع صبرها” الكلمات لعبة القدر، وسر أسرارها المستعرة بالندم، الكلمات شك الفجيعة وحسن تدابير المعرفة.

    البدوي الوحيد الذي يرى الحياة على هيئة الإحسان والطبيعة هو أنا، حيث الشدة والوضوح وكثير من التكرار لكلمة أو جملة. الشغف الحقيقي يكمنُ في الشوق لكائن كلما تقربت منه أبتعد أميالاً والمشكلة الأكبر لا مسافة لتبتعد ولا غموض يدعو الفرد إلى الموت.

     

    ** في ديوان “سكرة الإحسان تمارين ابتكار لعبة الوجود” رغم أن الغزل يتسيد إلا أن الثورة، الوطن، الشهداء، الدماء، القتل، كل تلك المفردات التي تخص بمعنى ما العراق مازالت طازجة وتتناولها بحزن؟

    – حتماً سيكون التغزل بهذه البقعة رغم الغزل بها يكون عبر ما حققته انتفاضة تشرين داخلي، ما رأيته وما طمحت للوصول له. من المؤكد الغزل سيكون قرب (المطعم التركي) البقعة الوجودية التي رأيت العالم بلمحة الصدفة، بعد أن أنهكني البحث، لذا فكل مرة سأكون ببغداد يبتاع الحزن داخلي أروقة وأماكن ولقاءات، وأنا بذلك الأمر أكون تاريخا شعرياً يفضل الوجود داخلي، أنا بلا جسد ولا روح علقت كل ذلك الأمر على ناصية لحظة ومشروعية الانتقال، متحمسٌ وعجول ودقيق في نفس اللحظة، كل شيء يدون داخل ذاكرتي السمكية، ورغم هشاشتها، لكني أعبّدُ طرقا في رأسي لتكون على غير ما هي عليه.

    مرة أسهبت في الحديث عن حياتي حتى تكون لي رؤية جديدة هي من أكون وسط هذا، رغم الرغم من إدراكي إني الساعة المعلقة في اليد، والوشم في المعصم، والريح في مداعبة الأشجار، والهاجس في الأمان، والظل في الظل الواسع، لذا كنت مختلفا وما زلتُ، أنطق بلا وعي مسافة حروفي، وحالما تشرعُ الرياح بالرد أجدني أسهبت بلا شعور، أنا كوكب الاستيعاب فشلت في استيعاب ذاتي.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا