مصطفى صادق الرافعي.. كره قيود الشعر وكتب عن الحب و المساكين

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    “مصطفى صادق الرافعي” اسمه “مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي العمري”  ينتمي إلى مدرسة المحافظين وهي مدرسة شعرية تابعة للشعر الكلاسيكي لقب بمعجزة الأدب العربي.

    حياته..

    ولد في  يناير 1880 في بيت جده لأمه في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية، وعاش حياته في طنطا. تولى والده منصب القضاء الشرعي في كثير من أقاليم مصر، وكان آخر عمل له هو رئاسة محكمة طنطا الشرعية. أما والدة الرافعي فكانت سورية الأصل وكان أبوها “الشيخ الطوخي” تاجر تسير قوافله بالتجارة بين مصر والشام، وأصله من حلب، وكانت إقامته في بهتيم من قرى محافظة القليوبية.

    دخل “مصطفى صادق الرافعي”  المدرسة الابتدائية في دمنهور حيث كان والده قاضيا بها، وحصل على الشهادة الابتدائية بتفوق ثم أصيب بمرض يقال أنه التيفود أقعده عدة شهور في سريره وخرج من هذا المرض مصابًا في أذنيه، واشتد به المرض حتى فقد سمعه نهائيا في الثلاثين من عمره. لم يحصل الرافعي في تعليمه النظامي على أكثر من الشهادة الابتدائية، مثله مثل العقاد في تعليمه، فكلاهما لم يحصل على شهادة غير الشهادة الابتدائية. كذلك كان الرافعي صاحب عاهة دائمة هي فقدان السمع، ومع ذلك فقد كان الرافعي من أصحاب الإرادة الحازمة القوية فلم يعبأ بالعقبات، وإنما اشتد عزمه وأخذ نفسه بالجد والاجتهاد، وتعلم على يد والده وكان أكثر عمل عائلته في القضاء.

    ترك الشعر..

    لم يستمر “مصطفى صادق الرافعي”  طويلا في ميدان الشعر، فقد انصرف عنه إلى الكتابة النثرية لأنه وجدها أطوع. أنجز في الميدان الأدبي نجاحا، ولعل “الرافعي” هو من أطلق أول صرخة اعتراض على الشعر العربي التقليدي في أدبنا، فقد كان يقول: “إن في الشعر العربي قيودًا لا تتيح له أن ينظم بالشعر كل ما يريد أن يعبر به عن نفسه” وهذه القيود هي الوزن والقافية. كانت وقفة “الرافعي” ضد قيود الشعر التقليدية أخطر وأول وقفة عرفها الأدب العربي في تاريخه الطويل، وأهمية هذه الوقفة أنها كانت في حوالي سنة 1910 وقبل ظهور معظم الدعوات الأدبية الأخرى التي دعت إلى تحرير الشعر العربي جزئيًا أو كليًا من الوزن والقافية.

    الميدان الأول الذي انتقل إليه “الرافعي”، الذي كان مقيدًا بالوزن والقافية، هو ميدان النثر الشعري الحر في التعبير عن عواطفه العتيقة التي كانت تملأ قلبه ولا يتعداها إلى تصرفات تخرج به عن حدود الالتزام الأخلاقي والديني كما كان يتصوره. أما الميدان الثاني الذي خرج إليه فهو ميدان الدراسات الأدبية وأهمها كان كتابه عن تاريخ آداب العرب، وهو كتاب بالغ القيمة، ولعله كان أول كتاب في موضوعه يظهر في العصر الحديث، لأنه ظهر في أوائل القرن العشرين وبالتحديد في سنة 1911. ثم كتب “الرافعي” بعد ذلك كتابه المشهور “تحت راية القرآن” وفيه يتحدث عن إعجاز القرآن. ويرد على آراء الدكتور “طه حسين” في كتابه المعروف باسم “في الشعر الجاهلي”.

    والميدان الأخير، الذي تجلت فيه عبقرية “الرافعي” ووصل فيه إلى مكانته العالية في الأدب العربي المعاصر والقديم، وهو مجال المقال، والذي أخلص له الرافعي في الجزء الأخير من حياته وأبدع فيه، وهذه المقالات جمعها “الرافعي” فكانت كتابه “وحي القلم”.

    كتبه..

    ديوان الرافعي: (ثلاثة أجزاء) صدرت طبعته الأولى بين سنتي  1903و 1906. وقدم لكل جزء منها بمقدمة في معاني الشعر تدل على مذهبه ومنهجه.

    ديوان النظرات: (شعر) صدرت طبعته الأولى عام 1908.

    ملكة الإنشاء: كتاب مدرسي يحتوي على نماذج أدبية من إنشائه، أعدّ أكثر موضوعاته وتهيأ لإصداره في سنة 1907، و نشر منه بعض النماذج في ديوان النظرات، ثم صرفته شؤون ما عن تنفيذ فكرته فأغفله، و قد ضاعت أصوله فلم يبق إلا النماذج المنشورة منه في ديوان النظرات.

    تاريخ آداب العرب: (ثلاثة أجزاء) صدرت طبعته الأولى في جزأين عام  1911 . وصدر الجزء الثالث بعد وفاته بتحقيق “محمد سعيد العريان” وذلك عام 1940. يراه أكثر الأدباء كتاب الرافعي الذي لا يعرفونه إلا به.

    إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: (وهو الجزء الثاني من كتابه تاريخ آداب العرب)، وقد صدرت طبعته الأولى باسم إعجاز القرآن والبلاغة النبوية عام 1928.

    حديث القمر: أول ما أصدر الرافعي في أدب الإنشاء، و هو أسلوب رمزي في الحب تغلب عليه الصنعة، أنشأه بعد رحلته إلى لبنان في سنة 1912 حيث التقى لأول مرة بالآنسة الأديبة (م.ي) فكان بينهما ما كان. استلهم الكاتب من شخصية الفتاة اللبنانية التي عشقها وحي مناجاته مع القمر، وأراد أن يُعَلِّم الطلاب فن البلاغة والإنشاء من خلال تلك المناجاة. فالكاتبُ في هذا الكتاب يُنْزِلُ القمر من علياء السماء كي يرى فيه صورة المحبوبة بأسلوبٍ يفصحُ عن نفيس الدر في فن الإنشاء؛ فهو يتخذ من وجه القمر آيةً يُفَنِّدَ فيها دلائل الإعجاز الجمالي في هذا الوجود الرباني. فيستنطِقُ بحديثه مع القمر لسان الطالب ببدائع اللفظ الإنشائي، وقد وفِّقَ الكاتبُ في اصطفائه للقمر؛ كي يرسم على صفحته إبداع الخالق ويستقي من جماله القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية. وذلك لأن القمر الساكن في أفق الليل هو خير صديقٍ تُوْدِعهُ النفس آلامها وأحزانها.

    المساكين: سطور في بعض المعاني الإنسانية ألهمه إياها بعض ما كان في مصر من أثر الحرب العامة، صدرت طبعته الأولى عام 1917 . «المساكين» هو كتاب نثري صِيغَتْ صورُه من آلام النفس الإنسانية في صورة قصصية يرويها لنا الكاتب على لسان الشيخ علي شيخ المساكين، الذي يقصُّ مأساةَ الفقر والعَوَزِ الإنساني في رحاب قصصٍ تحمل الكثير من العِبَر والعِظات الدينية والاجتماعية. ويعرض الرافعي في هذا الكتاب فلسفة الفقر التي يصيغ تفاصيلها بواسطة أدواتٍ من البلاغة الأدبية التي عَهِدْناها منه؛ لأنه المبدع الذي ينظر إلى مأساة الفقر بنظرة الفيلسوف ومداد الأديب الذي يحوِّل مأساة الواقع إلى صورةٍ بلاغية تحوِّل الفقر إلى طاقة إبداعية، تضع الفقر في صفحاتٍ من الحكمة الفلسفية والبلاغة الأدبية.

    نشيد سعد باشا زغلول: كتيّب صغير عن نشيده (اسلمي يا مصر) الذي أهداه إلى المرحوم “سعد زغلول” في سنة 1923، طبع في المكتبة السلفية بالقاهرة و أكثر ما في الكتاب من المقالات هو من إنشاء الرافعي أو إملائه.

    النشيد الوطني المصري: (إلى العلا….) ضبط ألحانه الموسيقية الموسيقار منصور عوض.

    رسائل الأحزان: كتاب أنشأه في سنة 1924 يتحدث فيه عن شيء مما كان بينه وبين فلانة، على شكل رسائل.

    السحاب الأحمر: هو الجزء الثاني من قصة حب فلانة، أو الطور الثاني من أطواره بعد القطيعة، صدر بعد رسائل الأحزان بأشهر.

    تحت راية القرآن: مقالات الأدب العربي في الجامعة، والرد على كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين. صدر في سنة 1926.

    على السفود: وهو رد على “عباس محمود العقاد”، نشرته مجلة العصور في عهد منشئها الأول الأستاذ “إسماعيل مظهر”، و لم تذكر اسم مؤلفه و رمزت إليه بكلمة: إمام من أئمة الأدب العربي،و«على السَّفُّود» هو كتاب نقدي يجسدُ واحدةً من أشهر المعارك الأدبية التي دارت بين الرافعي والعقاد؛ فقد كُتِبَ في فترةٍ اتسمت باحتدام الصراعات الفكرية والأدبية؛ والتي أدَّت بدورها إلى إثراء الحياة الفكرية والثقافية في مصر والعالم العربي، وقد أشار النقاد إلى الأسباب التي دفعته إلى نشر هذه المقالات؛ ومنها أنه أراد أن يحرر النقد من طَوْقِ عبودية الأشخاص، وقد رمى الرافعي من خلال هذه المقالات إلى الثأر لشخصه، ولكتابه إعجاز القرآن الذي رماه فيه العقاد بسهم الانتحال من كتاب سعد زغلول، وقد تباينت آراء النقاد حول الحكم على الأسلوب الذي انتهجه الرافعي في كتابة هذه المقالات؛ فمنهم مَنْ استهجن هذا الأسلوب ومنهم من استحسنه، واعتبره ضربًا من ضروب الإصابة في القول، وقد وفق الكاتب في استخدامه للفظ السفود؛ للإشارة إلى ما تضمنته هذه المقالات من نقدٍ مؤلمٍ لاذع.

    أوراق الورد: الجزء الأخير من قصة حبه، يقوم على رسائل في فلسفة الجمال و الحب أنشأها ليصور حالاً من حاله فيما كان بينه و بين فلانة، و مما كان بينه وبين صديقته الأولى صاحبة حديث القمر.

    رسالة الحج: أنشأه في صيف سنة 1935، استجابة لرأي صديقه المرحوم حافظ عامر و إليه نسب!

    وحي القلم، (ثلاثة أجزاء) وهو مجموعة فصول ومقالات وقصص كتب المؤلف أكثره لمجلة الرسالة القاهرية بين عامي 1934- 1937 . طبع منه جزءان في حياته، ثم أعيد طبعه مع الجزء الثالث أكثر من مرة بعد موته.

    رسائل الرافعي: وهي مجموعة رسائل خاصة كان يبعث بها إلى محمود أبي رية، وقد اشتملت على كثير من آرائه في الأدب والسياسة ورجالهما.

    السمو الروحي الأعظم والجمال الفني في البلاغة النبوية: وهو بحث نفيس أنشأه الرافعي إجابة لدعوة جمعية الهداية الإسلامية بالعراق  لتنشره في ذكرى المولد النبوي.وهو منشور بتحقيق خلف، وقد قال في مقدمة تحقيقه عن هذا البحث : (هو خليق بأن يصل ليد كل عربي قارئ، ومَقْمَنَةٌ لأن يُتلى على كل أمي عابئ).

    موعظة الشباب (مسرحية)

    رواية حسام الدين الأندلسي (مسرحية) طبعت بمطبعة الواعظ بمصر سنة ـ 1905، و لم تذكر في كُتب مَن كَتب عن الرافعي، ولا حتى عند العريان.

    قالوا عنه..

    كتب الإمامُ محمد عبده إلى الرافعي: «ولدنا الأديب الفاضل مصطفى أفندي صادق الرافعي، زاده الله أدباً.. لله ما أثمر أدبك، ولله ما ضَمِن لي قلبُكَ، لا أقارضك ثناء بثناء؛ فليس ذلك شأن الآباء مع الأبناء، ولكني أَعُدك من خُلَّص الأولياء، وأُقدم صفك على صف الأقرباء.. وأسأل اللهَ أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق الباطل، وأن يُقيمَك في الأواخر مقامَ حَسَّانٍ في الأوائل، والسلام».

    وقال الزعيم مصطفى كامل: «سيأتي يوم إذا ذُكر فيه الرافعيُّ قال الناس : هو الحكمة العالية مصوغة في أجمل قالب من البيان».

    وقال السيدُ محمد رشيد رضا منشئُ مجلة «المنار» واصفاً الرافعي: «الأديب الأروع، والشاعر الناثر المبدع، صاحب الذوقِ الرقيق، والفهمِ الدقيق، الغواص على جواهر المعاني، الضارب على أوتار مثالثها والمثاني».

    وقال عنه الأديبُ “عباس محمود العقاد” بعد وفاة “الرافعي” بثلاث سنين: «إن للرافعي أسلوباً جزلاً، وإن له من بلاغة الإنشاء ما يسلكه في الطبقة الأولى من كُتَّاب العربية المنشئين».

    وقد قال قبلُ (قبل أن تدور رحى الحرب بينهما ببضع عشرة سنة): «إنه ليتفق لهذا الكاتب من أساليب البيان ما لا يتفق مثلُه لكاتب من كتاب العربية في صدر أيامها» .

    وقال عنه “أحمد محمد شاكر”: «إمام الكُتَّاب في هذا العصرِ، وحجة العربِ».

    وفاته..

    توفي “مصطفى صادق الرافعي” عن عمر يناهز 57 عاماً في مايو عام 1937 استيقظ الرافعي لصلاة الفجر، ثم جلس يتلو القرآن، فشعر بحرقة في معدته، تناول لها دواء، ثم عاد إلى مصلاه، ومضت ساعة، ثم نهض وسار، فلما كان بالبهو سقط على الأرض، ولما هب له أهل الدار وجدوه قد أسلم الروح، وحُمل جثمانه ودفن بعد صلاة الظهر إلى جوار أبويه في مقبرة العائلة في طنطا..

    نصين في الغزل للرافعي..

    يا طيرُ ما لِلنومِ قَدْ طَارا ومَا قَضينا مِنهُ أوطَارا

    كأنَّ هَذا السُّهدَ لا يَأتلي يَطلبُ مِن أجفانِنَا ثَارا

    إنْ كُنتَ ظَمآنَ فذِي دَمعِي تفجَّرَتْ في الأرضِ أنهارا

    أو كُنتَ ذَا مَسبَغةٍ فالتَقِط حَبةَ قَلبي كيفَما صَارا

    أو كُنتَ مُشتاقاً فكُنْ مِثلنا عَلى الهَوى يا طَيرُ صَبَّارا

    وجَارني إنْ كُنتَ لي صَاحباً فإنَّ خيرَ الصُّحبِ مَن جَارى

    يا طيرُ كَم في الحُبِّ مِن سَاعةٍ تَخالُ فِيها العُمرَ أعمارا

    إن قُلتُ تُلهينِي بِها فِكرةٌ جَرتْ عَلى الأفكارِ أفكارا

    أو قلتُ أنساها أقَامَ الهَوى مِن حَرِّها في القَلبِ تِذكارا

    والصَّبُّ ما ينفكُّ في حِيرةٍ تزيدُهُ حُزناً وأكدارا

    ما لي أرى الأطيارَ نواحةً كأنَّما فارقنَ أطيارا

    وما لأغصانِ الرُّبى تلتقي كأنَّما يبثثنَ أسرَارا

    فاسأل نسيمَ الصُّبحِ إن مرَّ بي هلْ حمَّلَتْهُ الغِيدُ أخبارا

    وسلْ عن الدِّيارِ ويا ليتني أزورُ يوماً هذهِ الدَّارا

    كأنَّها الجَنةُ لكنَّني أبطنتُ مِن وَجدي بها النَّارا

    سَماؤها مُطلعةٌ أنجُما وأرضُها تطلعُ أقمَارَا

    …….

    خَداكِ يا ذاتَ العيونِ الغَائراتِ النُّعَّسِ

    كالوَردِ إلَّا أنَّهُ يَحميهِ لحظُ النَّرجسِ

    أما وقدُّكِ وهوَ مِن تِلكَ الغُصونِ الميسِ

    وشفاهكِ الحمراءُ والخمرُ الذي لمْ احتسِ

    إني إذا رَقصَ القَوامُ ومَالَ تحتَ السُّندسِ

    ونظرتُ ثغركِ ضَاحِكاً وبقيتِ لي لمْ تَعبسي

    وسقيتِني رَاحَ الهَوى مِن غيرِ تِلكَ الأكؤسِ

    لأرى الكَواكبَ خادماتِي كالجَوارِي الكُنَّسِ

    وأظنني بَينَ الملوكِ مَليكَ كلِّ الأنفُسِ

    وأرى بحبِّكِ كلَّ آنسٍ حاضراً في مَجلِسي

     

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا