محددات استراتيجية الأمن الإسرائيلي

الاثنين 06 أيار/مايو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

إعداد/ عمر الشيخ
نظرية الأمن الإسرائيلي هي عبارة عن مجموعة من النظريات والعقائد والمفاهيم العسكرية، والمطالب بتطويرها دائما حسب المستجدات هي المنبع الذي يستقي منه العسكريون الإسرائيليون توجهاتهم، ومن ثم بناء عقائدهم، كما أنها الأساس، الذي ترتكز عليه استراتيجيتهم
وأساليبهم في إدارة الصراع مع الدول العربية [1].
وعند تناول نظرية الأمن الإسرائيلية والعقيدة العسكرية وما ينبع منها من أفكار ومعتقدات وأيديولوجيات عسكرية، لابد من بيان المحددات الأساسية التي تُبلور وتُشكل هذا الفكر، وفي إطار هذه المحددات يمكن التمييز بين مجموعتين رئيستين، الأولي الداخلية، والثانية
الخارجية.

ولتناول هاتين المجموعتين حيث تم تقسيم هذا الفصل إلى مبحثين وذلك على النحو التالي:

المبحث الأول: المحددات الداخلية

المبحث الثاني: المحددات الخارجية

المبحث الأول: المحددات الداخلية لنظرية الأمن الإسرائيلي
تنصرف المحددات الداخلية لنظرية الأمن الإسرائيلي إلى المحددات الدينية والفكرية والتاريخية والجغرافية والاقتصادية والبشرية، وذلك على النحو التالي:

أولاً: المحددات الدينية لنظرية الأمن الإسرائيلي:
كان الدافع الرئيسي ليهود العالم وحركتهم الصهيونية العالمية منذ مؤتمر (بال) في سويسرا عام 1897 هو البحث عن وطن قومي يحقق لهم الأمن، فاليهودي طوال تاريخه يبحث عن مكان آمن، سواء أكان هذا المكان حارة يهود، أو “جيتو” أو دولة كاملة، ومنذ خروج
اليهود من مصر، ثم تشتيتهم في أرجاء مملكة (نبوخذ نصر) البابلي، ثم شتاتهم الأكبر في عام 70 ميلادية، وهم يحلمون بوطن خاص بهم في أي مكان في العالم [2].

لقد ساعدت الظروف السياسية للعالم عامة ولمنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بما في ذلك الحربين العالميتين الأولى والثانية وخضوع الدول العربية للاستعمار البريطاني والفرنسي؛ على تسلل يهود العالم إلى
فلسطين ويدفعهم في ذلك معتقدهم الديني في (أرض الميعاد) وشعب الله المختار حتى تحقق حلمهم بإقامة دولة لهم عام1948.

لقد تشكلت العقلية الإسرائيلية داخل إطار الدائرة الدينية، والتي تؤكد أن إسرائيل هي وعد الرب لنبيه إبراهيم، (في ذلك اليوم ظهر الرب وقطع مع إبرام ميثاقاً قائلاً لنسلك أعطى هذه الأرض، فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر له) [3]، وهي أيضاً حلم صهيوني، وأن هذا
الحلم الذي توارى في سنوات الشتات والاضطهاد بفعل ظلم وطغيان قوى القهر والبغي لم يكن غائب من وجدان بني إسرائيل [4].

وبفضل الصهاينة الأوائل والصهيونية الحديثة أحُيى هذا الحلم ليرى الإسرائيليون أن من يصادر أحلامهم أو يقف أمام طموحاتهم إنما يصادر حقاً أصيلاً لهم شرعه الرب، كما أنه يصادر القوة الروحية الجبارة التي تدفع اليهود دفعاً للعمل والمثابرة والتضحية، بالإضافة إلى
أن حلم صهيون وأرض الميعاد هما عامل الربط بين يهود الشتات وأرض ويهود إسرائيل، وكل من يجترئ على حلم صهيون فإنه يجرد الصهيونية من مقوم الوحدة بين يهود العالم وبين أرض صهيون، وهو ما يقود بالتالي أركان الأمن الإسرائيلي [5]، وقد ذكرت “جولدا
مائير” (*) أن إسرائيل قد وجدت “تحقيقا “لوعد الرب، وبهذا لا يصح أن نسأله إيضاحاً عن شرعية ذلك الوجود [6]. وقال “مناحيم بيجن”[7]: “لقد وعدنا الرب هذه الأرض، ولنا الحق فيها “[8].

ومن هنا يمكن القول أن الفكر العسكري الأمني الإسرائيلي قد استمد شرعيته السياسية من الأفكار والتعاليم التي جاءت بها الديانة اليهودية، وذلك في إطاره العام الذي صاغه ديفيد بن جوريون أحد مؤسسي دولة إسرائيل وأول رئيس وزراء للدولة العبرية، وذلك إلى الحد
الذي يمكن القول فيه إن الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية ما هي إلا الإطار الفكري والتطبيقي للعقيدة الدينية، سواء في الدعوة للاستيلاء على الأرض “تنفيذاً لوعد الرب”، أو من خلال القناعات اليهودية الصهيونية [9].

فإسرائيل هي “وعد الرب لنبيه إبراهيم”، وهي حلم صهيون، وأن هذا الحلم الذي توارى في سنوات الشتات والاضطهاد بفعل ظلم وطغيان قوى القهر والبغي لم يكن غائباً عن وجدان بني إسرائيل [10]، ويعتقد اليهود وفقاً للشرائع اليهودية، بأن الرب قد اصطفاهم دون
غيرهم من بني البشر، وملكهم الأرض بما فيها ومن عليها ومكنهم على غيرهم من الأمم الأخرى [11]، فقد جاء في التوراة الكتاب المقدس لدى اليهود: “كل موضع تطأه أخامص أقدامكم يكون لكم من البرية ولبنان من النهر الكبير نهر الفرات إلى البحر الأقصى يكون
تخمكم، لا يقف إنسان في وجوهكم فإن الرب إلهكم يلقى ذعركم ورهبتكم على كل الأرض التي تطأونها كما وعدكم”[12].

وجاء أيضاً في موضع آخر في التوراة: ” وأما مدن أولئك الأمم التي يعطيها لك الرب إلهك ميراثاً فلا تستبق فيها نسمة بل أبسلهم إبسالاً الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك”[13]، وجاء في التلمود: “كل ما يخص الأمم هو
ملك للأمة اليهودية المؤهلة أن تستولى عليها بدون أدنى شك”[14].

وقد حددت (التوراة) حدود دولة بني إسرائيل بكل دقة وتفصيل منذ أكثر من خمسة وثلاثين قرناً، حسب المفهوم اليهودي، فقد جاء في سفر يشوع، “وكان بعد وفاة موسى عبد الرب، أن الرب كلم يشوع بن نون خادم موسى قائلاً: إن موسى عبدي قد مات والآن قم فاعبر
هذا الأردن أنت وجميع هؤلاء الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لبني إسرائيل، من البرية ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات جميع أرض الحثيين وإلى البحر الكبير الذي في وجهة مغارب الشمس تكون تخومكم”[15].

لكن التعريف الجغرافي الدقيق لمصطلح (أرض إسرائيل) لا يزال موضع خلاف بين الصهاينة أنفسهم، فبعض الصهاينة يرى أن أرض إسرائيل تشمل (بالإضافة إلى فلسطين نفسها) كامل سيناء والأردن وسوريا ولبنان وأجزاء كبيره أيضاً من تركيا، ومنهم من يضع الحدود
الشمالية (فقط) عند منتصف الطريق عبر سوريا ولبنان، عند خط العرض لمدينة حمص، وهو ما كان بن جوريون يؤيد وجهة النظر هذه [16].

وتدعو التوراة اليهود ليس فقط للاستيلاء على أرض فلسطين وحسب، بل بقتال سكانها وقتلهم أن أمكن، فقد جاء فيها: “ومد داود يده إلى الكنف وأخذ منه حجراً ورماه بالمقلاع، وضرب الفلسطيني في جبهته، فارتد الحجر في جبهته وسقط على وجهه إلى الأرض، فتمكن
داود من الفلسطيني بالمقلاع والحجر وضرب الفلسطيني وقتله، ولم يكن سيف بيد داود”[17].

وتلك العبارات العنصرية لا تزال تردد حتى الآن من حاخامات اليهود وأحبارهم، والدليل على ذلك ما فعله الحاخام أبرهام أفيدان، حين حض، في عام 1973، أفراد الجيش الإسرائيلي العاملين في الضفة الغربية بقتال الفلسطينيين وقتلهم، إذ يقول:

“عندما تصادف قواتنا مدنيين خلال الحرب، أو أثناء عملية مطارده، أو في غارة من الغارات، وما دام هناك عدم يقين حول ما إذا كان هؤلاء المدنيون غير قادرين على إيذاء قواتنا، فيمكن قتلهم بحسب الهالاخاه (الشرائع التوراتية)، لا بل ينبغي قتلهم…. إذ ينبغي عدم
الثقة بالعربي في أي ظرف من الظروف، حتى وإن أعطى انطباعاً بأنه متمدن…. ففي الحرب، يسمح لقواتنا وهي تهاجم العدو، بل إنها مأمورة بالهالاخاه، بقتل حتى المدنيين الطيبين، أي المدنيين الذين يبدون طيبين في الظاهر”[18].

أن أبرز ما مميز به الفكر العسكري (الأمني) لليهود، القديم والمعاصر، هو ذلك الربط الوثيق بين “حروب إسرائيل” وبين “رب الجنود”، فالحرب عمل مقدس، في ذلك الفكر، لأن قائدها هو الله، “يهوه إله إسرائيل”، وهو في الوقت نفسه رب الجيوش، محارب شديد، يقود
شعبه بعنف وغلظة، وترتيباً على ذلك فكل حروب إسرائيل، فديمها وحديثها، إنما هي حروب مقدسة، وفي هذا المعنى يقول “موشى جورين ” حاخام جيش الدفاع الإسرائيلي، إبان الجولة الثالثة في يونية 1967: “إن حروب إسرائيل الثلاثة مع العرب في سنوات
1948،1956،1967 إنما هي حروب مقدسة، إذ دارت أولاها “لتحرير إسرائيل”، “ومن أجل تحرير وتثبيت وتحقيق أمن إسرائيل نؤمر بالقتال”.

فقد خاطب الحاخام موشى جورين، جنود الجيش، صباح الخامس من يونيه 1967، مع بداية الجولة الثالثة، ليحثهم على القتال قائلاً: “لقد جاء اليوم العظيم لأمة إسرائيل، ولسوف يساعدكم رب المعارك وينصركم”، وتلجأ إسرائيل إلى الحرب، لتحقيق ما تصبو إليه،
وذلك بحكم عقيدتها الدينية، وتراثها التاريخي، وهي تعتبر انتماء المواطن إلى الجيش، شرفاً لا يعدله شرف لأن “التوراة والسيف نزلا من السماء”، وكما حمل يهوه رب إسرائيل “التابوت المقدس” وسار به أمام الجنود إلى المعركة، تسير إسرائيل اليوم إلى معاركها وقد حملت
أمامها ذلك الصندوق المقدس، تيمنا بالتراث، وإحياءً للتقاليد وقد كتب عليه “انهض يا الله ودع أعدائك يشتتون، واجعل من يكرهك يهرب من أمامك”.

ويمكن بيان العناصر الأساسية للفكر (الأمني) الإسرائيلي وفقاً للرؤية الدينية وما تقوم عليه من مقولات وأبعاد وذلك على النحو التالي:

1ـ في كتاب العهد القديم: إذا كان للحرب، في موازين العقيدة اليهودية، كل هذه القدسية، وتلك الوشائج برب الجنود، فيكون منطقياً أن ينظر إلى كل ما يترتب عليها من عواقب، كنتائج طبيعية تتطلبها ضرورة إطاعة “الأوامر الإلهية”، التي تأمر بالاستيلاء على أرض
الميعاد وتفريغها من السكان الأصليين، هكذا كان “وعد الله” لشعبه المختار في التوراة، كذلك حول هرتزل هذا الوعد الديني إلى “مخطط صهيوني سيأسى”، ولا تكتفى الصهيونية بذلك، بل تستبيح دون قيود، أو حدود، أية أرض تطؤها أقدام جنود إسرائيل، فتلك وصية
الرب ووعده الإلهي لشعبه المختار “كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى”[19].

وفي المعنى نفسه، قال بن جوريون في خطاب له أمام الكنيست: “هنا الحدود (قصد بذلك شبه جزيرة سيناء، التي تم الاستيلاء عليها عام 1956، وضمها الكنيست للأراضي الإسرائيلية) حيث يصل الزحف الإسرائيلي، إن ما حدده الرب هو أفضل ضمان لإسرائيل، أما
الضمانات التي أعطتها لنا الدول الثلاث الكبرى (البيان الثلاثي الذي أصدرته الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا وفرنسا عام 1950 لضبط التسلح في الشرق الأوسط وضمان حدود إسرائيل) فليس لها مثل هذا الوضوح أو تلك الثقة”.

2ـ في كتاب التلمود: ورد في التلمود أن: “الأرض المقدسة، هي أعلى من كل الأراضي”[20]، كما جاء فيه الدعوة إلى تفضيل السكن في أرض الميعاد، في مدينة أكثر سكانها من غير اليهود، على السكن خارج الأرض المقدسة في المدينة، أكثرية سكانها من اليهود [21
]، كما ورد فيه أن هواء فلسطين هو الأفضل في الكون، وهو يكفي لجعل الإنسان حكيماً [22].

3ـ فكرة الخلاص، والعودة إلى أرض الميعاد: إن ما يربط بين اليهود ويجعل تلك الصفات الأخرى كالدين هي صفة أخري أساسية، هي رؤيا العودة.. الإيمان بأن الخلاص هو العودة الي جبل صهيون [23].

وجوهر هذه الفكرة، من وجهة النظر اليهودية، ينطوي على إعادة بعث الشعب اليهودي، وعودته إلى الأرض التي وعدهم بها الله (في فلسطين)، وكان من نتيجة هذه الفلسفة انطباع أمل العودة إلى فلسطين لدى اليهود، بوصفه الخلاص من عهد العبودية والتشتت، وكانت
فكرة الخلاص مرتبطة بمجيء المسيح المنتظر ليخلصهم، وظل الأمل يتردد في كتابهم المقدس معبرا عن الحنين إلى الأرض المقدسة بوحي ديني، إلا أن قادة الصهيونية حاولوا جعل فكرة الخلاص عقيدة سياسية، أكثر منها دينية، فهم يرددون أن أرض الميعاد، هي
الأرض التي يقول اليهود إن الله قد وعدهم بها.

وذلك بناء على عدة نصوص وردت بالتوراة، أهمها ما يلي:

العهد لإبراهيم: قال الرب لإبراهيم “اذهب من أرضك ومن عشيرتك، من بيت أبيك، إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة”[24]. وقال الرب “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”[25]، وقال الرب
” وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك.. أعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكاً أبدياً”[26].
العهد لإسحاق: جاء بالكتاب المقدس، سفر التكوين: “فقال الله بل سارة امرأتك تلد لك أبناً وتدعو اسمه اسحق وأقيم عهدي معه أبديا لنسله من بعده [27]
العهد ليعقوب: جاء بالكتاب المقدس سفر التكوين: “…الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك.. وتمتد غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً” [28].
لقد ترسخت تلك المعتقدات والشرائع العنصرية الفوقية في عقلية وفكر – القادة الإسرائيليين والمفكرين – ولا أدل على ذلك من قول بن جوريون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول: “أن أورشليم ليست فقط عاصمة إسرائيل اليهودية العالمية، إنها تفوق لتصبح المركز الروحي
للعالم كما صورها الأنبياء”.

وفي ذات السياق، قال مناحيم بيجن، رئيس الوزراء الإسرائيلي عام 1977، في كتابه ثورة اليهود “لقد أتى اليهود إلى فلسطين ليبقوا ويؤسسوا وطنهم الذي يمتد من النيل إلى الفرات”[29]، واعتبر “إيجال آلون” وزير الدفاع الإسرائيلي إبان السبعينيات، أن الوسائل التي
تتبعها الدولة العبرية، في تحقيق مصالحها الحيوية وفي التعامل مع الآخرين، لها مرجعية دينيه من التوراة [30].

وذهب المفكر الاستراتيجي الإسرائيلي “لانير” إلى أبعد من ذلك حينما قال بأن الهجوم الاستباقي مأخوذ من التوراة [31]، داعماً قوله هذا بما جاء في التلمود “من قام عليك ليقتلك اسبقه واقتله”[32].

اما “شارون” فقد طالب رسمياً أثناء انعقاد مؤتمر حزب الليكود عام 1993، بضرورة تبني إسرائيل (الحدود التوراتية) في سياستها الرسمية [33].

ويرى “إيجال الون” أن مفهوم الأمن الإسرائيلي -حتى قبيل إنشاء الدولة يعتمد على ما ورد في التوراة من نصوص، حيث ذكر أن من يصادر أحلام أو طموحات بني إسرائيل إنما يصادر حقاً شرعه الرب، كما أنه يصادر القوة الروحية الجبارة التي تدفع اليهود دفعاً للعمل
والمثابرة والتضحية، بالإضافة إلى أن حلم صهيون وأرض الميعاد ما هي إلا عوامل ربط يهود الشتات بأرض يهود إسرائيل، وكل من تجرأ على حلم صهيون فإنه يجرد الصهيونية من مقوم الوحدة بين يهود العالم وبين أرض صهيون، وهو ما يقوض أركان الأمن
الإسرائيلي [34].

وعلى ذلك كان الدين اليهودي هو الأساس الذي ارتكزت عليه النظرية الأمنية، من المنظورين السياسي والعسكري، والذي اتخذه دعاتها حجة للمناداة “بالقومية اليهودية”، وسنداً للمطالبة بتحقيق “الوعد الإلهي”، ودعوة لاغتصاب أرض فلسطين، وحق العودة إليها لبناء
الدولة اليهودية الحديثة والمعبد الثالث في أورشليم.

ولتحقيق ذلك بذلت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الجهود لترسيخ تعاليم الديانة اليهودية، التي تحض على القتال، وتحث على تعبئة الموارد والإعداد للحرب، كما تعمل بلا ملل على نشر الوصايا الدينية العسكرية لتصبح جزءاً من حياة الجنود، وزادهم اليومي، ثقة منها
بأن ذلك هو السبيل الأمثل، نحو خلق الشخصية العسكرية المقاتلة، المتحلية بصفات المبادأة والتعرض، المشحونة بروح الهجوم والرغبة في القتال [35].

وفي إطار ما سبق نجد أن التوراة شكلت جذور الفكر العسكري الصهيوني المعاصر، بينما رسمت النظرية الصهيونية أصوله، فهي أباحت اغتصاب فلسطين، إطاعة لوعد الله وتتيح الحرب تحقيقا “للمهمة الإلهية”.

ثانياً: المحددات التاريخية للفكر الأمني الإسرائيلي:
استطاع بعض اليهود ربط الديانة اليهودية، بمزيج من السياسة والقومية في أيدلوجية عنصرية عرفت بالصهيونية [36] وروجوا لها من خلال عدة ركائز، أبرزها، عدم الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها والانعزال في مناطق خاصة بهم (الجيتو)-والولاء المزدوج
للدولة التي يعيشون فيها -الاضطهاد ومعاداة السامية.

وتعرف الصهيونية من الزاوية التي ينظر إليها منها، فهناك من يعرفها من منطلق قومي، وآخرون يعرفونها من منطلق سيأسى فالصهيونية كعقيدة قومية تعرف بأنها: “الإيمان بالوحدة القومية لجميع اليهود المنحدرين من أصول يهودية”، فالسلالة أو العرق هي أساس
الوحدة القومية بين اليهود؛ أي الحقيقة البيولوجية المحضة هي التي تجعل من الشخص يهودياً في نظر الصهيونية، أما سياسياً فتعرف الصهيونية بأنها “حركة الشعب اليهودي في طريقه إلى فلسطين”[37]، التي يعتبرونها أرض الآباء والأجداد، وتعود بدايات الصهيونية
كحركة قومية يهودية، إلى نهايات القرن التاسع عشر حينما ظهرت بين أوساط يهود أوروبا المتأثرين بفكرة القومية التي كانت تجتاح أوروبا خلال تلك الفترة، والقاضية بأحقية كل أمة بأن يكون لها وطن خاص بها.

وبعد نقاش وجدال بين مختلف تيارات الحركة الصهيونية، نادت الصهيونية آنذاك بإيجاد حل للمسألة اليهودية في أوروبا يقوم هذا الحل على إيجاد وطن خاص باليهود، شأنهم في ذلك شأن الأمم الأخرى، يكون ملاذاً ومستقراً لجميع يهود العالم، كما تجاهر الصهيونية
بالعزم على التوسع، تنفيذا “لوصية نزلت من السماء” على بني إسرائيل، وهو ذات الفكر الغريب في منهجه، الذي ينسب كل أسباب القتال ودوافع الحرب، إلى “يهوه”، رب الجنود، وإله إسرائيل [38].

ويمثل تمسك العقيدة اليهودية “بوعد الله لشعبه المختار”، تطلعاً منها إلى “امتلاك أرض الميعاد”، وأخذت الصهيونية على عاتقها رسم الاستراتيجية، وصياغة الوسيلة والأدوات، وفي مقدمتها الأداة العسكرية، لتحويل الأمل المنشود إلى واقع ملموس، وكان ذلك باستباحة
أرض فلسطين، وتفريغها من سكانها الفلسطينيين، عن طريق الاستيطان والحرب، ومن ثم فرض الإرادة لإقامة الدولة، وهو ما أكده دفيد بن جوريون حين قال: “إن جنود موسى ويسوع وداود، لم يكفوا عن القتال، حتى فيما بينهم، وكذلك جنود صهيون، لن يتوقفوا عن
الحرب”.

وعملت “الصهيونية” Zionsm على تحويل العقيدة الدينية اليهودية، إلى “نظرية سياسية” تطالب بـ “حق تاريخي”، وتستند إلى “وعد إلهي”، وإلى نظرية عسكرية، ونظرية أمنية كذلك، وزعمت الصهيونية إنه مثلما حفظ الدين اليهودي الشعب من الاندثار عبر قرون
طويلة، يستطيع الدين أن يعيد جمع شمل الشعب فوق “أرض الميعاد”، داخل إطار الدولة التي تربط بين تراث الماضي البعيد، ومستجدات وحقائق الحاضر، وأمنيات المستقبل. لذلك، تمثل الديانة اليهودية إطاراً عاماً للنظرية الصهيونية، فالتوراة مصدر العقيدة اليهودية”،
منها نبعت فكرة “الخلاص والعودة”، وعلى هديها رسم اليهود حياتهم، ونظموا علاقاتهم، ورتبوا معاملاتهم، وبها أعادوا كتابة تاريخهم العسكري، واستنبطوا، كذلك، عقائدهم العسكرية.

وتمكنت الصهيونية السياسية بزعامة ثيودور هيرتزل من تمرير رؤيتها الخاصة داخل الحركة، والقائلة بأن حل المسألة اليهودية يتم من خلال إيجاد وطن خاص باليهود، واستقر الرأي، فيما بعد، أن يكون هذا الوطن في فلسطين وطنهم القديم وأرض الميعاد المزعومة
[39].

وفي هذا السياق اتخذت الحركة الصهيونية من قواعد أو مبادئ الانغلاق على الذات منهجاً لها ومن العنف والتوسع مسلكاً لها وذلك من أجل تجسيد تلك الرؤية إلى واقع، كان من أهمها:

1– فكرة السيادة العالمية لليهود والانغلاق على الذات (الجيتو)
نبعت هذه الفكرة من عقيدة التفوق والتميز، نتيجة لكون شعب بني إسرائيل شعب الله المختار، لذلك فرسالتهم بدور القيادة العالمية، على أن تكون القاعدة التي ينطلقون منها، هي العودة والاستيلاء على أرض الميعاد.

إن الحافز الأقوى للحركة الصهيونية هو تمكين الأمة اليهودية من تحقيق ذاتها عن طريق تجميع اليهود في دولة خاصة بهم كما يقول “وايزمان”: “إن هدف الصهيونية بناء قومية تكون يهودية بقدر ما هي الأمة الفرنسية فرنسية وبقدر ما هي الأمة البريطانية
بريطانية”[40].

وحتى تستطيع الأمة اليهودية تحقيق ذاتها يجب عليها: الانغلاق على ذاتها، والتميز عن غيرها، والتفوق على غيرها[41]، فالانغلاق على الذات (الجيتو) يحول دون اندماج اليهود في المجتمعات الأخرى، وبهذا يشكلون أمة واحدة لها خصائص قومية مشتركة، فاندماج
اليهود في المجتمعات الأخرى، وفقاً للعقيدة الصهيونية، يعني فقدان الهوية اليهودية وبالتالي الاتجاه نحو الزوال، وللحيلولة دون ذلك، ينبغي على الأمة اليهودية أن تتميز عن غيرها حتى تتمكن من تحقيق ذاتها وخلاصها القومي، وهذا يتطلب: انتقال جميع اليهود من
أرض الشتات (المنفى) إلى الوطن الأم (فلسطين)، ورحيل كل من هو غير يهودي عن التجمع لا يستطيع تحقيق ذاته إلا عندما يتم تجميعه في وطن خاص به لا يقيم فيه سواه.

من الملاحظ أن الصهاينة يركزون على مفهوم الخصوصية لدى اليهود، وحجتهم الرئيسية أن اليهود يشكلون عنصراً منفصلاً وبالتالي فليس من الممكن أن تزدهر موهبتهم القومية إلا إذا تجمعوا في وطن خاص بهم.

ونظراً لما تميزت تصرفاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بالعنصرية الشديدة، والانعزال نتيجة للفلسفة اليهودية، وعدم الاندماج مع سائر بني البشر تكوين جيتو (Ghetto) في أي بلد يقطنونه واستغلال غير اليهود، بالإضافة لعدم الولاء الكامل للدولة التي يقيمون
بها، ويعدون مواطنين فيها، وفي إطار رد الفعل لتصرفات وسلوك اليهود، السياسي والاجتماعي والاقتصادي، أن تعرضوا لموجات من الاضطهاد، على مدار الفترات المختلفة، وأدى ذلك إلى ظهور مصطلح سياسي أطلقوه وهو “اللاسامية”.

ومن البديهي أن ليس لهذه المفاهيم التي يتبناها الصهاينة أية روابط بالعلم؛ فانطلاقاً من الدراسات العرقية والسيكولوجية، توصل العلم إلى حقيقة واحدة وهي أن جميع الأجناس البشرية متكافئة من حيث التركيب العضوي (الفسيولوجي)، كما أنها كلها قادرة على خلق قيم
ثقافية وتراث فكري، فيذهب البروفيسور جوان كوماس (Juan Comas)، الأستاذ بجامعة المكسيك الوطنية والمتخصص في علم الأصول العرقية للإنسان، إلى أبعد من ذلك حين يقول:

“من الغريب أن اليهود الصهيونيين يتحدثون دوماً عما يسمونه (شعباً يهودياً) ذا مميزات خاصة يبالغون في خصوصيتها، بيد أن الحقيقة العرقية هي أن اليهود هم من الناحية العنصرية ذوو أصول وخواص متغايرة، وليس هناك أساس للادعاء بوجود عنصر يهودي
خاص بالفعل، ذلك أن هجراتهم المستمرة عبر التاريخ وعلاقاتهم، طوعاً أو كرهاً، بعدد كبير جداً من الشعوب قد عرضهم لقدر كبير جداً من التهجين، أي التزاوج مع سلالات مختلفة، بحيث يمكن القول بأن ما يسمى شعب إسرائيل يتشكل من فئات ذات سمات وخصائص
كمختلف الشعوب”[42].

ويقدم “كوماس” دليلاً يثبت فيه صحة أقواله، فيقول “كان من بين كل 100 عقد زواج يهودي في ألمانيا خلال الفترة الواقعة بين عامي 1921- 1925، 58 عقداً بين أزواج من اليهود فقط والباقي مختلط”[43]، ومع هذا فقد طبق الصهاينة في التجمعات الاستيطانية
التعاليم الصهيونية سابقة الذكر تجاه عرب فلسطين، من عزل أنفسهم عن عرب فلسطين إلى مقاطعة المنتجات والأيدي العاملة العربية حسب سياسة العمل العبري كخطوة أولى باتجاه طردهم من وطنهم حينما يتمكنون من ذلك، كما يقول هيرتزل في مذكراته “يجب دفع
السكان الأصليين المعدمين إلى النزوح عبر الحدود، وذلك عن طريق حرمانهم من العمل”[44].

وفي عام 1948 حققت للحركة الصهيونية ما تصبو إليه حينما تمكنت المنظمات الصهيونية شبه العسكرية من هزيمة الجيوش العربية في فلسطين واستيلائها على 77,4% من أرض فلسطين، وإعلانها إقامة دولة إسرائيل في الرابع عشر من أيار 1948، وبعد الحرب
أتبعت الدولة العبرية سياسة التمييز ضد العرب الفلسطينيين الذين بقوا في مدنهم وقراهم في محاولة لتهجيرهم أو السيطرة عليهم تماشياً مع سياستها الرامية إلى تقليص الوجود العربي وتأثيره داخل الدولة اليهودية إلى أقصى حد ممكن، وقد شملت تلك السياسة شتى مناحي
الحياة السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعرب الفلسطينيين.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن مفهوم الأمن الإسرائيلي أرتبط دراماتيكياً بالنظرة الإسرائيلية إلى الذات ونظرة اليهود إلى أنفسهم، وهو الأمر الذي يؤدي إلى توظيف التفوق العسكري لتحقيق التوازن والاستقرار كما تراه المؤسسة العسكرية الحاكمة في إسرائيل [45].

فعلى المستوى السياسي، حرم العرب من حق المواطنة واقتصر هذا الحق على اليهود بموجب قانوني العودة والجنسية (1950 -1952) اللذان ينصان على حق كل يهودي في التوجه إلى إسرائيل للإقامة فيها واكتساب المواطنة تلقائياً، واليهودي بحسب القانون
الإسرائيلي هو كل من كانت والدته أو جدته، أو جدته لأمه، أو جدته لجدته اليهودية في ديانتها، أو إذا اعتنق اليهودية طبقاً لتعاليم الدين اليهودي [46].

أما العربي الفلسطيني فلا يستطيع أن يحصل أو يكتسب المواطنة إلا من خلال ثلاث طرق هي: الإقامة الدائمة، الولادة في البلاد أو التجنس، ومن الجدير ذكره أن هذين القانونين قد عمداً للحيلولة دون عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي شردوا منها قسراً قبيل
أو أثناء حرب عام 1948 من قبل المنظمات الصهيونية المختلفة، وحظر على العرب إنشاء الأحزاب العربية إلا بعد اعترافها بيهودية الدولة، والدخول إلى المؤسسات القومية الصهيونية كالوزارات والدوائر الحكومية والجيش والصندوق القومي اليهودي والمنظمة
الصهيونية. وطبق عليهم نظام الحكم العسكري حتى العام 1966، والذي منح الحكام العسكريين سلطات تنفيذية وقضائية واسعة منها إلزام المواطن العربي بالحصول على تصريح سفر للتنقل من قرية لأخرى لأغراض العمل أو الزيارة، وفرض جرامات مالية باهظة على
المواطنين العرب تحت ذرائع أمنية، إضافة إلى فرض الإقامة الجبرية على عدد من الشبان العرب داخل منازلهم أو بإثبات الوجود اليومي في مركز الشرطة لأسباب أمنية – حسب ادعائهم [47].

وعلى المستوى الاقتصادي، فقد حرم العرب من العمل في المرافئ وصناعة الماس والصناعات العسكرية والمستويات الإدارية والفنية العليا، وفتح المجال أمامهم للعمل فقط في الأعمال الشاقة كالزراعة والبناء، هذا فضلاً عن تدنى مستوى المعيشة والدخل للعرب
الفلسطينيين قياساً باليهود بسبب عدم توزيع العمل بالتساوي بين اليهود والعرب.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد وضعت العديد من الخطط لحرمان العرب من إعانات البطالة والشيخوخة والعجز وإعانات الأطفال.

وعلى المستوى الثقافي، فقد منعت السلطات العسكرية الإسرائيلية المواطنين العرب من إنشاء منظمات جماهيرية اجتماعية أو ثقافية أو أندية رياضية [48]، وحالت دون إنشاء محطات إذاعة وتلفزة تبث باللغة العربية بهدف طمس الثقافة العربية الإسلامية، هذا فضلاً عن
التميز بين اليهود والعرب في الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والهاتف وترخيص البناء [49].

لقد عاش العرب الفلسطينيون في مناطق 1948 في عزلة عن إخوانهم في الضفة الغربية وقطاع غزة وعن البلدان العربية حتى حرب 1967، ولم يتمكنوا من الاحتكاك بالعرب أو إخوانهم الفلسطينيين أو معرفة أخبارهم إلا من خلال وسائل الإعلام كالإذاعة أو التلفزيون
[50]، ومع هذا، تزايد تعداد السكان الفلسطينيين في مناطق 1948 من 160 ألفاً ظلوا في قراهم ومدنهم عند قيام إسرائيل إلى 300 ألف نسمة عام 1960، ووصل إلى 400 ألف نسمة عام 1967، و500 ألف مواطن عام 1978[51]، وحوالي 1.100.000 مواطن
عام 2002[52].

يستدل مما تقدم أن الحركة الصهيونية تسعى إلى إقامة دولة يهودية ضمن المنطلقات التالية: لا يستطيع اليهود بفطرتهم أن يتعايشوا مع غير اليهود، ولكي يحافظ اليهود على أنفسهم لابد لهم من التجمع في وطن خاص بهم دون سواهم، وهذا يعنى ضرورة التخلص من
سكان فلسطين الأصليين، وأن العناصر غير اليهودية يجب أن تستبعد من الدولة اليهودية أو أن تعيش منعزلة عن اليهود بحيث تفصل بين الجانبين حواجز قانونية وسيكولوجية.

2– العنف
يذهب بعض الدارسين إلى أن تجربة الإبادة النازية قد تركت أثراً عميقاً في الوجدان اليهودي “والإسرائيلي” بحيث تجذّر الخوف من الإبادة في الوجدان وأصبح شيئاً من قبيل العقدة التاريخية أو العقدة النفسية الجماعية المتجذرة في العقل الجمعي اليهودي رغم زوال
العناصر الموضوعية، وقد يكون لهذا التفسير بعض المصداقية، وبخاصة أن الصهاينة والإعلام الغربي قد حوّلوا الإبادة النازية ليهود الغرب إلى ما يشبه الأيقونة التي لا علاقة لها بالزمان أو المكان وجعلوها مركز ما يسمى “التاريخ اليهودي”، ويرى البعض أن عقلية
الحصار هي بعض بقايا ورواسب الوجود في الجيتو اليهودي في أوروبا، وأن يهود أوروبا (وبخاصة شرق أوروبا) عاشوا عبر تاريخهم لا سيادة لهم ولا يشاركون في أية سلطة ، معرضين دائماً لهجوم الأغيار عليهم.

وبسبب هذا الهاجس الأمني وعقلية الحصار تؤكد “إسرائيل” دائماً أنها قلعة مسلحة لا يمكن اختراقها، قوة لا تقهر، قادرة على الدفاع عن نفسها وعلى البطش بأعدائها، ولكنها مع هذا مهددة طيلة الوقت بالفناء (ومن هنا أسطورة ماسدا وشمشون).

وما عقلية الحصار سوى نتاج لهذا الوضع البنيوي، أي أن نظرية الأمن “الإسرائيلي” والهاجس الأمني يفترض أن الصراع حالة دائمة، هذا الإدراك يعبّر عن نفسه عبر مفاهيم التي تشكل ركائز نظرية الأمن في “إسرائيل” التي تدور جميعها حول فكرة إلغاء الزمان
والارتباط بالمكان

أن كل هذه الأسباب قد تفسر حدة الهاجس الأمني وعقلية الحصار، ويذكر د. المسيري أن الهاجس الأمني قد يكون حالة مرضية ولكنه في نهاية الأمر ثمرة إدراك عميق وواقعي (واع أو غير واعٍ) من جانب المستوطنين الصهاينة لواقعهم، حيث أدراك هؤلاء المستوطنون
أن الأرض التي يسيرون عليها ويدّعون ملكيتها منذ آلاف السنين هي في واقع الأمر ليست أرضهم وليست أرضاً بلا شعب كما كان الزعم، وأن أهلها لم يستسلموا كما كان متوقعاً منهم، ولم تتم إبادتهم كما كان المفروض أن يحدث [53].

وقد مارست المنظمات الصهيونية شبه العسكرية تحت شعار “بالدم والنار سقطت يهودا وبالدم والنار ستقوم يهودا”[54]، سياسة العنف ضد العرب الفلسطينيين في المدن والقرى الفلسطينية، فارتكبت العديد من المجازر لإرهاب الفلسطينيين ودفعهم إلى ترك قراهم ومدنهم،
ومن هذه المجازر على سبيل المثال، مجزرة دير ياسين ومجزرة صلاح الدين [55].

وبعد قيام الدولة العبرية، قامت بطرد أغلبية العرب المتواجدين داخل المناطق التي استولت عليها ودمرت منازلهم، والوقائع القليلة التالية المستقاة من مصادر إسرائيلية دليل على ذلك، ففي 5 /11/1948 طرد سكان قرية إقرت في الجليل الغربي من منازلهم بالقوة. وكذلك
سكان قرية كفر برعم، وفي 4/2/1949 طرد أغلبية سكان كفر عنان بالقوة ودمر الجيش منازلهم.

وفي 24/1/1950 طرد بالقوة حوالي ألفي عربي ممن يقطنون مدينة المجدل وعسقلان من منازلهم، وفي 1/10/1950 طرد بالقوة سكان 13 قرية عربية صغيرة في وأدى عربة من أراضيهم، وفي 29/10/1956 ارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة كفر قاسم [56].

والتاريخ الصهيوني حافل بالعنف والإرهاب، ليس كمنظمة ودولة فقط، وإنما كأفراد أيضاً، أمثال ديفيد بن جوريون وجولدا مائير ومناحيم بيجن وموشية ديان وغيرهم من زعماء إسرائيل، كانوا إما أعضاء في الوكالة اليهودية خلال فترة الانتداب، وهي التي كانت تضع خطط
الأعمال الإرهابية وتنسق بينها [57]، أو كانوا أعضاء عاملين في المنظمات الإرهابية السرية، التي كانت حكومة الانتداب تلاحق أعضائها لتقديمهم إلى المحاكم على الجرائم التي ارتكبوها [58].

وقادة إسرائيل الجدد يسيرون على خطى أسلافهم، فشارون – وزير الدفاع الإسرائيلي إبان حرب لبنان عام 1982 ورئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي – هو من هندس وأشرف على مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا في السابع عشر من سبتمبر عام 1982، ناهيك عن رابين
صاحب سياسة تكسير العظام خلال انتفاضة عام 1987.

3– النزعة التوسعية:
دلت وثائق الحركة الصهيونية ومذكرات قادتها بوضوح على أن الصهيونية سعت ومنذ نشأتها، في أعقاب مؤتمر بازل عام 1897، لإقامة الدولة اليهودية على عموم أرض فلسطين، ففي المذكرة التي قدمتها المنظمة الصهيونية العالمية عام 1919 إلى مؤتمر الصلح
المنعقد في باريس، حددت فيها تعريفاً للحد الأدنى لامتداد فلسطين، وبموجب هذا التعريف فإن فلسطين تشمل بالإضافة إلى فلسطين الأردن وجنوب لبنان وغرب سوريا [59].

ولا تقتصر الأدلة على الوثائق فقط بل تتعداها إلى التصريحات الرسمية لقادتها والتي تفصح عن رغبة الحركة الصهيونية في الاستيلاء على أرض جديدة، تقع ضمن حدود ما تسميه بأرض الأجداد عندما يحين الوقت لذلك يقول بن جوريون بهذا الخصوص “إن الدولة
الصهيونية أقيمت في جزء صغير من أرض إسرائيل”[60].

وفي واقع الأمر نجد أن جوهر الصهيونية هو الطابع العرقي والتوسع الإقليمي، فعملية الاستيطان الصهيوني التي قام بها الصهاينة (شعب الله المختار) على أرض فلسطين العربية جرت منذ بدايتها الأولى تحت شعار باطل مفاده “أرض بلا شعب لشعب بدون أرض”،
وبوسائل اتبعت فيها أشرس أساليب التمييز العنصري ضد العرب، شملت شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتم وضع القوانين والتشريعات التي تساعد على نقل ملكية الأراضي من أصحابها العرب إلى المهاجرين اليهود، وعندما كانت
وسائل الضغط الاقتصادي تعجز عن تحقيق النتائج المرجوة، كان الصهاينة يلجأون إلى استخدام القوة والعنف تجاه العرب الفلسطينيين، وهكذا استطاعوا أن يغيروا الطابع الديموغرافي للسكان الأصليين لمصلحة المهاجرين اليهود.

ثالثاً: المحددات الفكرية:
عند الحديث عن مفهوم الأمن في الفكر الصهيوني، لابد من العودة للتاريخ والبحث عن أهمية الأمن بالنسبة لمؤسسي دولة إسرائيل، إذ تقف مسألة ضمان الأمن الإسرائيلي في موقع الصدارة لدى قادة إسرائيل بدءاً بـ ديفيد بن جوريون[61]، إيجال آلون، إسرائيل تال،
ومروراً بموشى ديان، شيمون بيريز[62]، وإسحاق رابين[63]، بنيامين نتنياهو[64]، أيهود باراك[65]، أريئيل شارون[66]، وأيهود أولمرت[67]… إن نمط التفكير الاستراتيجي لهؤلاء القادة، يشكل الأساس للفهم الأمني لإسرائيل، فقد تمت بلورته في الأساس في المرحلة
ما بين نهاية حرب 1948 وبين عملية “قاديش” في عام 1956، أن أساس مكونات النظرية الأمنية التي تبلورت في هذه المرحلة تم تبنيها من مقرري السياسة للأجيال التي تلت ذلك وبدرجة كبيرة ما زالت تشكل حتى اليوم الأساس للتفكير الاستراتيجي الإسرائيلي[68].

هذا التفكير الاستراتيجي هو الأساس “الذي ترجم إلى النظرية العسكرية للجيش الإسرائيلي، للنظرية الأمنية الإسرائيلية”، والذي عبر في الواقع عن ثقافة كاملة بدأت تتبلور في نهاية سنوات الأربعينيات وبداية الخمسينيات، والتي يمكن تسميتها “ثقافة الأمن” الإسرائيلية.

فمكونات ” ثقافة الأمن ” هذه، مازالت تستعمل حتى اليوم وهي الإطار التعامل الوحيد تقريباً لمقرري السياسة من جانب ولأكثرية أجزاء المجتمع الإسرائيلي من الجانب الأخر، في كل ما يتعلق بموضوعات الأمن الإسرائيلي؛ بسب انعكاساتها وتأثيراتها واسعة المدى في
المجتمع الإسرائيلي.

لقد تبنى ورثة “بن جوريون” سياسة الأمن التي بلورها في بداية الخمسينيات، فقد ذكر ” إيجال آلوان ” في عام 1976 في صحيفة هآرتس: “لا شك أن العنصر الأمني المباشر هو العنصر الأول في مقامه بين مجموع العناصر التي تقوم عليها قوة دولة موجودة في وضع
كوضعنا”[69]، وواصلوا طريقة في كل ما يتعلق بـ “ثقافة الأمن” التي نشأت في أعقاب قرارته الحاسمة، وحتى أنهم قرروا التمسك بها، وتعزيزها واستعمالها لغاية الآن كهدف حقيقي ومهم لحماية وجود إسرائيل وديمومتها [70].

ولقد كان لـ “بن جوريون” الفضل الأكبر في رسم معالم صورة الوضع الأمني شيء يشتق منه”، وأن “الأمن لا يشمل على الجيش فقط”، أمن إسرائيل يعنى الهجرة إليها، الأمن يعنى الاستيطان، الأمن هو احتلال البحر والجو. الأمن هو تنمية البحث العلمي والقدرة العلمية
في كل المواضيع، الأمن هو إعداد مهني متطور للشبيبة في الزراعة، والمهن، والصناعة، والبناء” [71].

وقد اعتمد (بن جوريون) في أطروحاته النظرية الأمنية على فرضتين أساسيتين تنبع من:

أولها: من الخوف الوجودي لإسرائيل، بحكم أنها من وجهة نظره، معرض وجودها للخطر، من جانب الأعداء المحيطين بها، إضافة للفرضية القائلة “إن إسرائيل لا تستطيع الاعتماد في وجودها على عنصر أو عناصر خارجية”.

أما الثانية فتقول: “إن إسرائيل لا تستطيع، ولن تستطيع حسم الصراع مع العرب بالوسائل العسكرية، بمعنى أنها لا تستطيع أو تتمكن من تحقيق حسم عسكري يؤدي إلى فرض شروط إسرائيلية لأية تسوية، أو اتفاقية سلام في أعقاب أي مفاوضات” [72].

وبعد نهاية حرب عام 1948 وتوقيع إسرائيل على اتفاقيات وقف إطلاق النار مع الدول العربية، أوضح “بن جوريون” أنه لم تحن نهاية النزاع، وأن الحديث فقط عن “هدنة مؤقتة”.

في الأول من نوفمبر عام 1950 وأوضح بن جوريون قائلا: “إن الخطر الذي يترصدنا في المستقبل ليس بأقل خطورة مما كان عليه قبل ثلاث سنوات”[73].

لقد أكد “بن جوريون” مرات عديدة أنه يجب على إسرائيل أن تتصرف حسب افتراض أن حرباً جديدة قد تندلع في كل لحظة، وأثناء النقاش حول قانون الأمن في الكنسيت عام 52 إسرائيل موجودة في وضع “سلام مسلح”، فالوطن حسب فهم ” بن جوريون”، موجودة في
وضع دائم من الحرب”[74].

وقد ذكر “بن جوريون” منذ فبراير 1948 أنه لا يستطيع أن يرى في الوقت نفسه أي شيء، إلا من خلال نظارة الأمن، وأن الأمن مرتبط بكل فروع الحياة، وفي 19 مارس 1948، عندما تحدث في مجلس الدولة المؤقت، قال (بن جوريون) “إن كل شيء يجب أن يكون
موجها لمسألتين أساسيتين: الأمن إنشاء الاستقلال” وقد صرح أيضاً “إننا لسنوات كثيرة قادمة سنضطر إلى تخصيص أفضل وسائلنا وجهودنا من أجل إنشاء أمن الدولة.. الأمن هو شرط وجودنا واستقلالنا [75].

يقول “رؤوبين بدهتسور” في هذا السياق “إنه لا يمكن أن نفهم بصورة تامة “ثقافة الأمن” الإسرائيلية دون أن نحلل ونفهم مفهومات “بن جوريون” في مجال الأمن القومي، حيث تشكل إسرائيل مثالاً متميزاً يتماثل فيه تماما مسار بلورة ثقافة أمنية مع شخصية ومفهوم
شخص واحد، فلقد أوضح بن جوريون عند عرض حكومته أمام الكنيست بتاريخ 2 نوفمبر1955 “لن يقوم أمن إسرائيل على الجيش والسلاح فقط، برغم أنه دون هذين لا يوجد أمن”.

إن ثمة أكثر من تعريف لمفهوم الأمن القومي من المنظور الإسرائيلي:

فاللواء “إسرائيل تال” ذكر في مقال له بعنوان “الأمن القومي: أقلية مقابل أكثرية”، إن الأمن هو: “ضمان أمن الأمة والحفاظ على مصالحها الحيوية”[76]، دون أي تحديد لماهية المصالح الحيوية وكيفية تحقيقها.
أما اللواء “متان فلنائي” فيعرف الأمن بأنه: “الإطار الذي يعمل فيه الجيش، كجزء من جهد قومي عام يعبر عن مجمل قدرات الدولة لضمان وجودها”[77]، أيضاً دون أن يحدد ما المقصود بالجهد القومي العام، وما هي العناصر التي يتكون منها، مكتفياً بالإشارة إلى
الجيش كأحد هذه العناصر، وبالتالي، فإن التعريفين اتصفا بالتعميم، وقد لا يمكن الاعتماد عليهما في دراسة وتحليل الأمن الإسرائيلي خلال الفترات المتعاقبة من حياة الدولة العبرية.
من جانب آخر رأى “إيجال آلون” أن الأمن القومي يتعدى الدفاع عن شعب ضد جميع أنواع الأعمال (العدائية) من الخارج إلى كونه: “محصلة اتصالات للدولة مع بيئتها القريبة والبعيدة، والتي تعكس قوتها وجاهزيتها ووسيلتها وقدرتها على التنفيذ من أجل حماية
مصالحها الحيوية وتحقيق أهدافها وغاياتها القومية”[78].
وبإمعان النظر بهذا التعريف “تواجد علاقة وطيدة بين ما تريد الدولة تحقيقه من جهة (الغاية القومية)، وبين قدرتها على إنجاز ذلك من جهة أخرى (القدرة القومية)”؛ أي مطابقة الهدف مع الإمكانيات.

وقد يعتبر التعريف الأخير الأكثر شمولاً وديناميكية من التعريفين السابقين، حيث تعدى المفهوم الكلاسيكي للأمن القائم على القوة العسكرية واستخدام القوات المسلحة إلى مفهوم يشمل مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للفرد والمجتمع، وهو ما ينسجم
مع التطور المفاهيمي للأمن.

وفي إطار ما سبق فإنه من الممكن دراسة هذا التعريف وتحليله كنموذج يشبه المعادلات الرياضية، إذ يطلق عليها إسرائيلياً مصطلح (معادلة الأمن القومي الإسرائيلي). وتكونت هذه المعادلة من ثلاثة متغيرات، لا يمكن قياسها كمياً بل كيفياً وهي:

-القدرة القومية (المقومات) الموجودة كطرف في المعادلة -والغايات القومية (الأهداف) كطرف آخر، وبينهما-الوسائل المتبعة (الركائز) لتحقيق هذه الغايات.

وحتى نتمكن من فهم المعادلة يجب علينا أن نجزئها إلى مكوناتها الأساسية وهي: –

القدرة القومية: تتكون من القوة القومية والجاهزية القومية.
فقوة الدولة تعتمد على: نظام الحكم فيها؛ أي متخذي القرارات، والجيش، (مقدرات الدولة) -مساحة الدولة؛ أي عمقها الاستراتيجي وطبيعة حدودها، وعدد سكانها؛ الطاقة العاملة والمقاتلة، والموارد الاقتصادية المتوفرة لتغطية متطلبات الجبهة العسكرية والمساعدات التي
تحصل عليها الدولة من دول أخرى، والجاهزية تشمل الإجماع الوطني حول قضية ما، والتلاحم الاجتماعي، والمعنويات والدوافع.

– الغاية القومية: تتكون من رزمة المصالح والأهداف المتفق على تحقيقها بين أوساط النخبة، وتوقيت تحقيقها في المدى القصير والمتوسط والطويل.

– الوسيلة المستخدمة في الوصول إلى الغايات القومية وهي تقع بين القدرة من جهة والغاية من جهة أخرى (في معادلة الأمن القومي)، وتقررها بالطبع النخبة الحاكمة. ويتم التنفيذ من خلال تسخير القدرة والوسيلة من أجل تحقيق الغاية ومواجهة التحدي.

تعتبر (معادلة الأمن القومي الإسرائيلي) أداة لضبط العمل الاستراتيجي الإسرائيلي، بشقيه التخطيطي والتنفيذي.

فأي تعديل مثلا في القدرة القومية (استيعاب موجات الهجرة ورفع الإنتاجية الاقتصادية والتسلح واستقرار المؤسسة الحاكمة)، يستدعى بالضرورة تعديلا مناسباً في الغايات القومية، أي تجنيد القدرة القومية من أجل تحقيق الأهداف القومية لإسرائيل.

ولا شك أن المتأمل لخطوط الطيف المختلفة لمفاهيم الأمن الخاصة بإسرائيل يجد أن السياسة الأمنية العليا للدولة؛ إنما عبرت بصورة انعكاسية مباشرة عن العقد الاجتماعي السائد في المجتمع وعن ثوابته الإيديولوجية وأهدافه الكبرى ورؤية النخب الحاكمة المقبولة من
غالبية أعضاء المجتمع، للأرض والشعب والحدود وهوية كل من العدو والصديق.

رابعاً: المحددات الجغرافية:
تميزت (فلسطين) إسرائيل بموقع جغرافي متوسط بين القارات الثلاثة أفريقيا وآسيا وأوروبا، وفي الوقت نفسه فهي مطوقه بدول العربية معادية، فهذا الموقع الجغرافي له مميزات وسلبيات للدولة العبرية، أثرت على تشكيل وبلورة النظرية الأمنية، فمن أهم مزايا الموقع
الجغرافي هو سهولة إقامة تحالفات مع القوي المحيطة من خارج الدول العربية لجذبها في صراعات بعيداً عن إسرائيل، وهو ما يعرف بنظرية جذب الأطراف هو كون إسرائيل في قلب المحيط العربي مما يعطي لإمكانية فتح أكثر من جبهة في توقيت واحد [79].

1ـ المساحة وشكل الحدود: محدودية مساحة فلسطين فمساحتها 27.9 كيلومتر مريع بدون الضفة وقطاع غزة مع وجود حدود طويلة نسبياً، مما يسهل نفل القوات من جبهة لجبهة وسهولة التعبئة العامة، وذلك من خلال منظومة قوية للمعلومات تتيح إحراز المبادأة والحفاظ
عليها معتمدة نظرية الهجوم في المعركة وقوات ذات قدرات هجومية كبيرة وخفة حركة عالية.

2ـ الحدود الطويلة لها مع الدول أدى الى انشاء مراكز وبؤر ومستوطنات محصنة تستطيع الصمود والدفاع، لحين تحول الجيش للهجوم وهزيمة عدوهم.

3ـ العمق الاستراتيجي والمشاكل الاستراتيجية: فقد رسمت إسرائيل خريطتها الأولى في حرب 1948، فجاءت على شكل مثلث بالغ الطول، قليل، جملة مساحته 20700 كم2، ومجموع أطوال حدوده المائية، على البحر المتوسط والبحر الميت وخليج العقبة، 244 كم،
بينما تناهز أطول حدوده البرية زهاء 915 كم (مع الأردن 531 كم، مع لبنان 79 كم، مع سورية 76 كم، مع مصر 265 كم) [80].

وفي إطار ما سبق نجد أن عرض الدولة يضيق كثيراً في بعض المناطق ليصل إلى بضعة أميال ولا يتعدى عشرات الأميال في أفضل الأحوال، كما أن أهم مراكز التجمعات السكنية والمرافق الصناعية والعسكرية تقع ضمن مرمى الجيوش العربية، فالمثلث الحيوي
المحصور، بين تل أبيب وحيفا والقدس، يحوى أعلى كثافة سكانية، وأهم المراكز الاقتصادية، حيث تتركز به الصناعات الحربية، والقواعد الجوية، والموانئ الرئيسية، والأراضي الزراعية، ويوجد به الممران اللذان يشكلا عنق الزجاجة، تمر من خلاله جميع الطرق التي تربط
شطري إسرائيل الشمالي والجنوبي[81].

هذا الوضع الجغرافي أَرغم المخططين العسكريين الإسرائيليين في بداية الأمر على التوصل إلى استنتاج وهو أن إسرائيل لا تستطيع أن تخوض حرباً شاملة، أو حرباً مهما صغرت، على أراضيها.

وقد خلق هذا التناقض، بين المساحة الإجمالية وطول الحدود، بعض المشاكل الاستراتيجية، وكان أشدها خطراً على أمنها الوطني، هو الافتقار إلى العمق الاستراتيجي الذي حرمها من حرية المناورة الواسعة، وسهولة تمزيق أوصال الدولة الإسرائيلية بضربات منسقة، تشن
ضدها على الاتجاهات التعبوية الكثيرة، التي تتجه كلها إلى قلب الدولة.

ويرى المخططون العسكريون أن افتقار إسرائيل إلى العمق الاستراتيجي يجعل الحرب الصغرى التي قد تدور رحاها على الأراضي الإسرائيلية، ستضر كثيراً بالمجتمع الإسرائيلي في حين أن الحرب الشاملة ستقوض وستعرض بقاء الدولة للخطر، هذا التفكير هو الذي ولد
لديها مفهوم ” نقل الحرب إلى الأراضي العربية” مهما يكن الأمر، ولقد أثر هذا جداً على أسس الفكر العملياتي والتكتيكي الخاص بالجيش الإسرائيلي من حيث الحرب الشاملة ، حيث تستطيع قواتها المسلحة أن تمارس الهجوم دون قيود بالاقتراب غير المباشر والاندفاع
السريع إلى الأعماق، للإخلال بالاتزان الاستراتيجي للأعداء، والسيطرة على محاور التحرك في العمق.

ولأن الجيش الإسرائيلي لا يملك الطاقة البشرية ولا الموارد المادية التي تساعدها على إحكام إغلاق حدودها ضد متسللين مسلحين، لذلك حاولت إسرائيل ارغام الدول العربية على وقف أعمال التسلل هذه، وذلك عن طريق فرض ثمن يمكن أن تدفعه شعوبها وجيوشها من
وراء الرد على أعمال التسلل “الردع”.

إن أهم إنجاز تحقق من وراء كسب إسرائيل لحدود جديدة في مرحلة ما بعد حرب عام 1967 بالنسبة للأمن القومي لإسرائيل هو عزل البلاد وإبعادها عن خطر التقهقر الكارثي في حرب تقليدية شاملة. فلقد غيرت نتيجة حرب عام 1967 الوضع الإقليمي للصراع العربي
الإسرائيلي تغييراً جذرياً، فلقد استطاعت إسرائيل احتلال مساحات لا بأس بها من أراضي تلك الدول، إذ انتزعت سيناء وقطاع غزة من مصر والضفة الغربية من الأردن ومرتفعات الجولان من سوريا الأمر الذي وفر لها جزءاً من العمق الاستراتيجي، حيث لم تعد مراكز
التجمع السكاني فيها والمرافق الصناعية والعسكرية في مرمى الجيوش العربية أو القوات غير النظامية فضلاً عن أن لإسرائيل الآن حدوداً تذود عنها [82].

والواقع فإن قرار إسرائيل بالمبادرة أو بعدم المبادرة إلى الحرب أنطلق من الاعتبارات الجغرافية ولم يقم فقط على أسس واعتبارات عسكرية ، ويبدو أن التوجه الإسرائيلي نحو النزاعات الصغرى لم يتغير بشكل ملحوظ نتيجة للتحولات الحدودية، كون الرد كوسيلة للتأثير على
تصرفات العدو بقي أداة مركزية للتعامل مع الحروب الصغيرة في مرحلة ما بعد عام 1967، ولقد أثر الموقع الجغرافي علي إسرائيل بالقدر الذي دفعها إلى وضع نظرية محكمة للدفاع الشامل عن إسرائيل، عن طريق شن ” الحرب الوقائية “، مع إقلال الفاصل الزمنى
لنقل الجهود الرئيسية للهجوم، من جبهة إلى أخرى، في أقل وقت ممكن (الوقفة العملياتية)، بفضل إتقان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لأساليب وأدوات المناورة للعمل من خطوط داخلية.

خامساً: المحددات الاقتصادية:
يشترك الاقتصاد مشاركة عضوية في تحقيق أهداف نظرية الأمن، ويؤدي دوراً أساسياً في توفير التمويل اللازم لبناء القوة المسلحة، وتسليحها وتدريبها وإعاشتها. ويعتبر اقتصاد إسرائيل، منذ قيامها، اقتصاد حرب، توجه كل طاقاته نحو تطوير آلة الحرب وتوفير مطالبها،
وتكريس جميع قدراته لتحقيق الأهداف العسكرية المرسومة، لمراحل التوسع المتتالية، ويعتمد اقتصاد إسرائيل في نموه-إلى حد كبير-على العون المادي الخارجي، الذي يتدفق عليه، إضافة لفئات الهجرة المتنوعة المتخصصة، التي تتيح لإسرائيل أن تنمى عدداً من
الصناعات الدقيقة والمتقدمة مثل الصناعات الإلكترونية، والصناعات الجوية، والبتروكيماويات.

وقد انعكست تلك العوامل الاقتصادية على نظرية الأمن الإسرائيلي، فيما يلي:

ضمان التدفق المستمر للنقد الأجنبي، لتغطية تكاليف الحرب والتنمية الاقتصادية (المعونات-التعويضات-التجارة الخارجية)
تحقيق مستوى مناسب من المخزون الاستراتيجي، في كافة الاحتياجات الرئيسية.
ضغط فترة التعبئة العامة إلى أقل حد ممكن، أو فرضها على مراحل متتالية، واعتبار الحرب الخاطفة ضرورة اقتصادية، تحتم بدء الحرب وإنهاءها في أقصر زمن ممكن.
توفير الحماية الكافية لمراكز الإنتاج الاقتصادية الحيوية، بما يكفل استمرار سير العمل فيها بأقصى طاقة، أثناء الطوارئ والحروب، وذلك بنقل الحرب بعيداً عن أراض إسرائيل.
استغلال الموارد المستولى عليها في الأراضي العربية، بحال احتلالها، لسد النقص الذي الاقتصاد منها، ولتغطية نفقات الاحتلال باستنزاف هذه الموارد إلى أقصى حد ممكن.
سادساً: المحددات البشرية:
يعزى النقص في الموارد البشرية، الذي تعانى منه إسرائيل (مقارنة بالموارد العربية)، إلى طبيعتها كدولة ناشئة، لذلك اعتمدت في مراحلها الأولى على الهجرة والاستيطان، وكان الخيار الأساسي لمواجهة خططها التوسعية، هو التنشيط الدائم للهجرة اليهودية إليها، من
مختلف أنحاء العالم، وقد جعلت هذه القوى المهاجرة إلي إسرائيل قاعدة عسكرية، تزدهر قواها بشكل مستمر بالتطعيم البشرى المتدفق عليها، والمنتقى من أفضل الأنواع المتاحة على اتساع العالم، ذات المستويات العالية في الإنتاج والخبرات المتمرسة في كل المجالات،
بما فيها المجال العسكري واهتمت الصهيونية بتحويل المجتمع الإسرائيلي إلى مجتمع عسكري، تشكل القوى العاملة نصفه، وينخرط أكثر من نصف هذه القوى العاملة في تشكيلات القوات المسلحة الإسرائيلية، وهي أكبر نسبة تحمل السلاح بين مختلف دول العالم.، والتي
أدت إلي الاعتماد علي قوات نظامية واحتياطية محدودة ، والتعويض عن ذلك بالتقدم النوعي والتكنولوجي لجيش الدفاع الإسرائيلي، وأقناع الخصوم بعدم جدوي الدخول في صراع مسلح، مما نتج عن ذلك كله ضرورة أتباع أساليب الحرب القصيرة الخاطفة والاستباقية،
وسرعان نقلها علي أراضي العدو[83].

المبحث الثاني: المحددات الخارجية لنظرية الأمن الإسرائيلي
أولاً: المحددات الإقليميـة:
لقد فاقت الاعتبارات الإقليمية في تأثيرها تأثير الاعتبارات السياسية أو البشرية من حيث تشكيل نمط هذه النظرية على مدى عمر الدولة، وصحيح أنه كان لبعض المكونات تأثير يزيد على تأثير المكونات الأخرى في نقاط مميزة منفردة في زمنها، كنشأة التهديدات غير
التقليدية، ولا سيما تلك التي تشكلها أسلحة الدمار الشامل[84]، إلا أن الضرورة تقتضي تقسيم نظرية الأمن القومي إلى فترات تاريخية، بغية تحديد أي المكونات مهمة وأيها غير مهم خلال فترة ما من فترات عمر الدول وهو ما سيتم مناقشته لاحقاً من خلال التعرض
لبعض التحديات التي تواجه الأمن الإسرائيلي وهي:

– إحاطتها بدول معادية، وغير قابلة لوجودها -الوضع العربي الرافض لإزالة إسرائيل_ نوعية الزعامات العربية. الاختلاف في مفهوم السلام بين العرب وإسرائيل.

– احتمال حدوث تغيير في توجهات بعض الدول العربية تلغي خيار السلام كخيار استراتيجي في حالة عدم تجاوب إسرائيل مع نداءات السلام المطروحة.

– تزايد اهتمام دول المنطقة بتطوير وتحديث قواتها المسلحة، مع تبني العديد من القوي الإقليمية برامج لامتلاك وإنتاج الصواريخ الباليستية وأسلحة الدمار الشامل.

– تزايد التقارب العربي – العربي، تنامي التوجه العربي للتعاون الاقتصادي.

– فاعلية الاحتكار النووي في حسابات المكسب والخسارة.

– بروز قوة إيران العسكرية والنووية

– اتجاه دول المنطقة لتطوير إمكانياتها في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

– تصاعد قوة المقاومة واصرار الشعب الفلسطيني على الصمود والمقاومة، وتأثير قوة السلطة الوطنية الفلسطينية على ادارة الصراع للوصول الى الدولة، وتلاقيها لمساندات من قبل بعض الدول والقوي في المنطقة [85].

وبالتالي فإن السياسية الأمنية الإسرائيلية نهضت على فكرة أن إسرائيل رغم محدودية إمكانياتها الجيويوليتيكية فإنها تستطيع من خلال توظيف سياستها الخارجية والدفاعية والإدارة الديناميكية الناجحة للصراع أن تحيد عناصر القوة العربية، وبالتالي تكسر الإرادة العربية
وتطويعها للبحث على سبيل التعايش سلمياً مع إسرائيل [86].

ثانياً: المحددات الـدولية
لقد جعل بعدها عن أصدقائها وتعرض خطوط مواصلاتها معهم لردود فعل المتغيرات الدولية، كذلك جعل الخوف من تعرضها للضغط دولي( ضغوط القوى الدولية الكبرى) التركيز على ضرورة مؤازرة قوة كبرى أو أكثر لها- كلما أمكن ذلك- كحليف موثوق بمعاونته
ونجدته في الوقت المناسب، فخوف إسرائيل دائم لاحتمالات تعرضها لضغوط دولية تحد من قدراتها علي تنفيذ أهدافها، مما دفعها للبحث دائماً عن حليف استراتيجي قوي يحميها ويحقق اهدافها، ويقدم لها الدعم والتأييد السياسي والاقتصادي، وفي المقابل تؤدي له إسرائيل
مهام وظيفية في مناطق نفوذه (بريطانيا سابقاً- الولايات المتحدة).

وقد كان لتمتع إسرائيل بعلاقات استراتيجية قوية بالولايات المتحدة الأمريكية مكنها من إقامة علاقة وثيقة بين أهداف الاستراتيجية الأمنية الأمريكية بالشرق الأوسط وأفريقيا، خاصة بالقرن الأفريقي ومنطقة البحيرات الاستوائية والمصالح الإسرائيلية خاصة بعد الانفراد
الولايات المتحدة بقمة النظام العالمي، وقد استطاعت في هذا السياق الاستعانة بأمريكا لضرب أو احتواء أو خلق بلبلة لدول اقليمية مؤثرة [87]، ومكنها من استغلال معدل الإرهاب ونجاح إسرائيل في الربط بين أعمال المقاومة وبين العمليات الإرهابية [88]، والأهم من
ذلك العمل على تهيئة الرأي العام العالمي، وكسبه إلى جانبها في محاولة إقناعه بأن الدول العربية التي تحيط بها وتخطط دائماً للاعتداء عليها أو غزوها [89]، وفي إطار جملة تلك المحددات المحلية والاقليمية والدولية تشكلت النظرية الأمنية[90].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهامش
(1) موسوعة مقاتل من الصحراء، موقع على الانترنت. الرابط

(2) عادل محمود رياض، ” الفكر الإسرائيلي وحدود الدولة، معهد البحوث والدراسات العربية: الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة 1977، ص247.

(3) سفر التكوين، ص14،13،18.

(4) أنجلينا الحلو، عوامل تكوين إسرائيل، مركز البحوث، منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت،1967، ص40.

(5) منى زياد، بنو إسرائيل: جغرافية الجذور، دار الأهالي للطباعة والنشر، دمشق1995، ص33.

*عملت جولدا مائير كوزيرة للعمل في الفترة 1949 إلى 1956م وكوزيرة للخارجية الإسرائيلية في الفترة 1956 إلى 1966م في أكثر من تشكيل حكومي، وبعد وفاة رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول، تقلدت جولدا منصب رئيس الوزراء وقد تعرضت حكومة التآلف
التي ترأستها للنزاعات الداخلية وأثارت الجدل والتساؤلات في مقدرة حكومتها على القيادة خاصة بعد الهجوم العربي المباغت والغير متوقع، والذي أخذ الإسرائيليين على حين غرة في 6 أكتوبر 1973م، تعرضت جولد مائير لضغوط داخلية نتيجة الأحداث التي سلفت
فقامت على تقديم استقالتها وعقبها في رئاسة الوزراء إسحاق رابين . وفي 8 ديسمبر 1978م، ماتت جولدا مائير ودفنت في مدينة القدس.

(6) جمال مصطفى السلطان، الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، ط1، عمان2000، دار وائل للطباعة والنشر، ص19.

(7) ولد مناحيم بيجن في مدينة بريست لتوفيسك في روسيا عام 1913، وتأثر بأفكار التيار الصهيوني المتنامي هناك آنذاك، في عام 1977، تمكن مناحيم بيجن من أن يصبح سادس رئيس وزراء لإسرائيل ومن أهم الأحداث التي حدثت في فترة رئاسته التي استمرت
حتى عام 1983.

(8) صحيفة دافا، إسرائيل، 4/11/1978.

(9) الفكر العسكري، استخدم هذا المصطلح عن فترة ما قبل قيام دولة إسرائيل عام 1948، وسمى الفكر العسكري اليهودي حيث لم تكن نظرية الأمن قد تبلورت بعد، وإن ما تم تداوله هو مجرد بعض الأفكار هنا وهناك، التي شكلت فيما بعد مرجعيات للنظرية، وقد أطلق
عليه بعد قيام دولة إسرائيل “الفكر العسكري الإسرائيلي”.

(10) د. محمد المصري؛ نظرية الأمن الإسرائيلي، المركز الفلسطيني للدراسات الأمنية والاستراتيجية، غزة 2009

(11) د. عادل عامر، تطور نظرية الأمن الإسرائيلي. الرابط

(12) سفر التثنية 11: 24 -25

(13) سفر التثنية 20: 16 – 17.

(14) التلمود، ص 348

(15) سفر يشوع 1: 1 – 5.

(16) إسرائيل شاحاك، الديانة اليهودية وتاريخ اليهود، ط 2، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1997، بيروت، ص 150، نقلاً عن: بن ميمون، ميشناه توراه، قوانين بشأن القتلة، 11، 2؛ الموسوعة التلمودية “الاغيار”.

(17) سفر صموئيل الأول، الاصحاح 17، الآية 49 – 50.

(18) الحاخام عسكري ابرهام أفيدان، ” طهارة السلاح في ضوء الهالاخاه”، فصول التأمل والهالاخاه والأبحاث، قيادة المنطقة الوسطى، 1974، مقتبسه عن مجلة هعولام هازيه، بتاريخ 5/1/1974، نقلاً عن إسرائيل شاحاك، الديانة اليهودية وتاريخ اليهود، مرجع السابق،
ص 131.

(19) الكتاب المقدس، العهد القديم، سفر يشوع، الإصحاح (1-3)، ص 337.

(20) التلمود، قدوشيم 69 ب.

(21) التلمود، طوس أ ز 4-3.

(22) التلمود، بافاباترا 158:2.

(23) أحمد بهاء الدين، اسرائيليات (دار الهلال، القاهرة، 1965) ص 54.

(24) العهد القديم: سفر التكوين، الإصحاح 12: 1-2، ص18.

(25) العهد القديم: سفر التكوين، الإصحاح 15: 18، ص33.

(26) العهد القديم: سفر التكوين، الإصحاح 17: 7-8، ص24.

(27) العهد القديم: سفر التكوين، الإصحاح 19: 17 ص25.

(28) العهد القديم: سفر التكوين، الإصحاح 28: 13-14 ص45.

(29) ضياء أيجور، الصهيونية حركة عنصرية، ترجمة إبراهيم الداقوقي، بغداد: وزارة الثقافة والإرشاد، 1966، ص 17 – 18.

(30) إيجال آلون، “أمن إسرائيل القومي خلال 35 عاماً من عمرها”، مرجع سابق ص 3.

(31) تسفي لانير، “الغايات السياسية والأهداف العسكرية لحروب إسرائيل”، مرجع سابق ص 35.

(32) التلمود ص 172.

(33) إسرائيل شاحاك، الديانة اليهودية وتاريخ اليهود، مرجع سابق، ص 30.

(34) د. محمد المصري؛ نظرية الامن الإسرائيلي، دنيا الوطن، غزة2009.

(35) إن الأمثلة على الوصايا الدينية العسكرية كثيرة منها: -أنه طالما هناك أرض للميعاد من الفرات إلى النيل، فإن ذلك يعنى التوسع، كما لابد أن يدفع إلى اعتناق المفاهيم التعرضية، وأن الحرب حتمية تاريخية لا محيد عنها لإنجاز الرسالة اليهودية -خفة الحركة
والخداع كما جاء في التوراة عن هاروت وماروت، وعن استخدام أقصى درجات العنف (سفر التثنية: الإصحاح 20/10-14،16)، وكذلك ما جاء عن العقاب الجماعي والإبادة التامة (سفر الملوك: الإصحاح 5:16).

(36) الـصهيونية: هي حركة سياسية استعمارية عنصرية، قامت بإضفاء الصبغة القومية على الديانة اليهودية، أي إنها تعبر عن القومية اليهودية، وهي تهدف لحل مشكلة الشتات اليهودي على أساس قومي، من المنظورين الديني والتاريخي، من خلال توطين اليهود في
فلسطين وتمكينهم بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة من إقامة دولتهم، ومن ثم الهيكل الثالث في إطار إسرائيل الكبرى، الصهيونية هي عبارة عن حركة سياسة نشأت بين يهود أوروبا الشرقية ولا سيما روسيا القيصرية تدعوا إلى حل المسألة اليهودية الأوروبية بإقامة
دولة لليهود شأنهم في ذلك شأن الأمم الأخرى، وكان أول من استنبط اسم الصهيونية هو الأديب الألماني ناتان بيرن باوم عام 1890، أنظر: افرايم ومناحم تلمي، معجم المصطلحات الصهيونية، ترجمة أحمد بركات، ط 1، عمان : دار الجليل، 1988، ص380 –
382 .

(37) من أقوال ثيودور هيرتزل (زعيم الحركة الصهيونية) في المؤتمر الصهيوني الأول، نقلاً عن ضياء أويجور، الديانة اليهودية وتاريخ اليهود، مرجع سابق، ص 12.

(38) هناك عدة تيارات في الحركة الصهيونية، تختلف في رؤاها حول المسألة اليهودية، فهناك الصهيونية الروحية وأشهر من مثلها احاد هام، والصهيونية العملية، والصهيونية الاندماجية، والصهيونية الدينية، والصهيونية الاشتراكية، والصهيونية العامة، والصهيونية
السياسية، معجم المصطلحات الصهيونية، مرجع سابق، ص 382 – 384.

(39) ثيودور هيرتزل: مفكر سيأسى ومؤسس الصهيونية السياسية، طرح المسألة اليهودية على الصعيد الدولي، ولد في بودابست عام 1860، لمزيد من المعلومات معجم المصطلحات الصهيونية المرجع السابق، ص154-155.

(40) هيثم كيلاني، دراسة في العسكرية الإسرائيلية، القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، 1969، ص 113. نقلاً عن كتاب حاييم وايزمن، التجربة والخطأ، نيويورك، 1949، ص 244.

(41) لمزيد من المعلومات عن هذا الموضوع يراجع على سبيل المثال: إسرائيل شاحاك، الديانة اليهودية وتاريخ اليهود، مرجع سابق، ص17 – 34، يورى إيفانوف، حذار من الصهيونية، دار التقدم موسكو، 1970، ص 47 – 66، فايز الصايغ، مرجع سابق، ص 29
– 40، ستيفان غوارنوف، الصهيونية والعنصرية، ترجمة عدنان كيالي، ط 1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1976، ص33 – 43.

(42) سامي هداوي، الحصاد المر، مرجع سابق، ص 44.

(43) ________، ص 45-46.

(44) مذكرات هيرتزل، الجزء الأول، ص 88.

(45) صلاح زكي أحمد، نظرية الأمن الاسرائيلي، القاهرة مكتبة ودار الهلال، ط 1، يوليو، 2009، ص(50-150)

(46) أيليا زريق، اوضاع الفلسطينيين في إسرائيل، دليل إسرائيل العام، تحرير صبري جريس واحمد خليفة، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1996، ص 321.

(47) ايان لوستيك، العرب في الدولة اليهودية: سيطرة إسرائيل على أقلية عربية، ترجمة غسان عبد الله وراضي عبد الجواد، القدس: وكالة أبو عرقه للصحافة والنشر، 1984، ص 7.

(48) السياسة السكانية الاقتصادية لمجتمع الحرب الصهيوني (بيروت: منشورات فلسطين المحتلة 1985)، ص 80-83-87.

(49) راسم خمايسى، المخططات الهيكلية والبناء غير المرخص في القرى العربية، 1986، ص 175.

(50) إيان لوستيك، العرب في الدولة اليهودية، سيطرة إسرائيل على أقلية قومية، مرجع سابق، ص 12.

(51) السياسة السكانية لمجتمع الحرب الصهيوني، منشورات فلسطين المحتلة، بيروت، 1986، ص 6.

(52) نقلاً عن الإذاعة الإسرائيلية (اللغة العربية) بتاريخ 31/12/2002، الساعة الثانية عشرة والنصف.

(53) د. عبد الوهاب المسيري، نظرية الأمن الصهيونية، المركز الفلسطيني للأعلام. الرابط

(54) YaelZerubavel. Recovered Roots: Colletive Memry in the Making of Israel NationTrditio Chicago: The University of Chicago Press. 1955. P. 23.

(55) فايز الصايغ، مرجع سابق، ص 40.

(56) On the situation of the Arabs in Israel, CPI, Tel – Aviv, September 1966.

(57)Elating to acts of violence, Dated 24 July 1946, also, section titeld ‘’ see cmd. 6863 ‘’ white paper wish agency directs violence. chapter 7.

(58) رصدت الحكومة البريطانية مكافئة مالية لكل من يساهم في إلقاء القبض على “مناحيم بيجن” لدوره في نسف فندق الملك داود في القدس يوليو 1946، والذي أدى إلى مقتل ما يناهز المائة شخص من كبار موظفي حكومة الانتداب، إضافة إلى دوره في مذبحة دير
ياسين، وأصبح فيما بعد رئيساً للوزراء في إسرائيل، ويستقبل ببالغ الحفاوة عند قيامه بزيارات لعواصم الغرب، كما منح جائزة نوبل للسلام في عام 1979 للدور الذي قام به في مفاوضات السلام المصرية الإسرائيلية.

(59) فايز الصايغ، مرجع سابق، ص 45.

(60) مقدمة الكتاب السنوي لحكومة إسرائيل عام 1952، ص 15.

(61) لا ترجع شهرة ديفيد بن غوريون إلى كونه أول رئيس وزراء إسرائيلي (1948-1953) فحسب، بل ولكونه واحداً من المؤسسين الأوائل للدولة الإسرائيلية، حيث قاد انتصارات اليهود على العرب في حرب 1948 التي انتهت بقيام إسرائيل، توفي بن غوريون عام
1973 عن عمر ناهز 87 عاماً.

(62) شيمون بيريز: سيأسى، رئيس حزب العمل في السنوات ما بين 1977-1992 ومنذ نهاية عام 1995، ورئيس حكومة في السنوات ما بين 1984-1986 وما بين 1995-1996، ولد في بولندا عام 1923، هاجر إلى إسرائيل في عام 1934 حيث درس في
المدرسة “جئولاه” في تل أبيب، وفي المدرسة الزراعية في بن شيمن، وفي عام 1940 كان أحد مؤسسي الكيبوتس “ألوموت” وأنتخب لمنصب سكرتير حركة الشباب العامل والمتعلم.

(63) إسحق رابين، عاش في الفترة (1 مارس 1922 إلى 4 نوفمبر 1995)، رجل سيأسى وجنرال عسكري سابق في الجيش الإسرائيلي، وخامس رئيس وزراء إسرائيلي في فترتين؛ الفترة الأولى من 1974 إلى 1977 وفي الفترة الثانية من 1992 إلى 1995 حينما
اغتاله متطرف يهودي، فيصبح رابين أول رئيس وزراء إسرائيلي يموت اغتيالاً، ويعد من أشهر رجالات (البالماخ) المتفرعة من الهاجاناه العسكرية.

(64) نتنياهو: ولد عام 1949، شغل العديد من المناصب العسكرية والحكومية، لعل أبرزها رئاسته للوزراء، نافس شارون على رئاسة الليكود أكثر من مرة، لكنه أصبح رئيساً للحزب بعد انشقاق شارون وتأسيسه لحزب كديما، رغم أنه وقع اتفاقية “واي ريفر” مع
الفلسطينيين، إلا أنه لا يؤمن بفكرة وطن مستقل للفلسطينيين.

(65) ايهود باراك: ولد في 2 فبراير 1942، هو عاشر رئيس وزراء لإسرائيل من 1999 إلى 2001.

(66) أرئيل شارون: ولد في 27 فبراير 1928، لأب بولندي ويعد من السياسيين والعسكريين المخضرمين على الساحة الإسرائيلية، والرئيس الحادي عشر للحكومة الإسرائيلية، وظل شارون وزيراً بلا وزارة في الفترة من 1982 وحتى 1984، ثم اختير بعد ذلك وزيراً
للصناعة والتجارة في الفترة بين 1984 و1988، وعين وزيراً للبناء والإسكان في الفترة بين 1998 و1992، وتولى منصب وزير البنية التحتية في حكومة الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو التي تشكلت إثر انتخابات عام 1996، ثم وزيراً للخارجية في الحكومة نفسها من
عام 1998 إلى عام 1999، فاز شارون برئاسة الوزراء بعدما أقنع الناخب الإسرائيلي بأنه الوحيد القادر على إعادة الأمن الشخصي له إثر فشل رئيس الوزراء السابق إيهود باراك في ذلك بسبب استمرار انتفاضة الأقصى منذ سبتمبر 2000 واستطاع التغلب على ايهود
باراك في الانتخابات التشريعية ليقود حكومة يمين ليكودية مارست سياسة اغتيالات عنيفة ضد أبرز القيادات الفلسطينية التي تعتبرها اسرائيل إرهابية، كما باشر في بناء الجدار الفاصل لفصل أراضي إسرائيل عن الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي 4 يناير 2006 أصيب
شارون بجلطة سببها نزيف دماغي حاد وادخل على إثرها مستشفى هداسا ولا زال في غيبوبة عميقة.

(67) لمع اسم اولمرت بعد أن أصيب أرئيل شارون بجلطة دماغية في 4 يناير 2005، إذ خلفه اولمرت في رئاسة الوزراء، وخلفه أيضا في زعامة حزب كديما الذي أسسه شارون، وعين أيهود أولمرت نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للصناعة والتجارة والعمل والاتصالات،
وتولى الحقيبة الأخيرة حتى يناير 2005، وفي2005 عين وزيرا للمالية بالوكالة، حتى تم تعيينه في نوفمبر 2005 وزيرا للمالية في 4 يناير 2006 وبعدما أصيب رئيس الوزراء أريئيل شارون بنزيف دماغي، بدأ أولمرت بممارسة مهامه كقائم بأعمال رئيس الوزراء
بموجب القانون الأساسي للحكومة، وفي 16 يناير 2006 انتخب أولمرت رئيساً مؤقتاً لحزب كديما خلفاً لشارون؛ وفي أعقاب فوز كديما برئاسة أولمرت في الانتخابات للكنيست الـ 17 التي جرت في 2006 أصبح أولمرت رئيس الوزراء.

(68) جبرائيل بن دور، نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، ترجمة مركز القدس للدراسات السياسية، 2003عمان، ص 38.

(69) نقلاً عن صحيفة هآرتس 1976.

(70) عمنوئيل فالدر، انهيار نظرية الأمن الإسرائيلية، ط1، ترجمة دار الجليل للنشر والدراسات الفلسطينية، عمان 1992، ص16.

(71) رؤوبين بدهتسور، ثقافة الأمن الإسرائيلية – مصادرها وتأثيرها في الديمقراطية الإسرائيلية، ترجمة مركز القدس للدراسات السياسية، عمان2004، ص27.

(72) أرئيل ليفتا، النظرية العسكرية الإسرائيلية دفاع وهجوم، ترجمة دار الجليل للنشر والدراسات الفلسطينية، عمان 1990، ص42-43.

(73) إيجال آلون، تكوين الجيش الإسرائيلي، ترجمة عثمان سعيد العودة، لبنان 1971، ص 81.

(74) بن دور، مصدر سابق، 2003، ص41.

(75) صحيفة هآرتس، يناير 1949.

(76) إسرائيل تال “الأمن القومي: اقليه مقابل أكثرية”: أمن إسرائيل في الثمانينيات، ترجمة مؤسسة الدراسات العربية، بيروت 1980، ص 62.

(77) متان فلنائى “عن أي أمن يدور الحديث “، الوضع الأمني الإسرائيلي، مرجع سابق، ص 127.

(78) إيجال آلون، ” أمن إسرائيل القومي خلال 35 عاماً، مرجع سابق، ص1-2-3.

(79) أمنية سالم، مرجع سابق. الرابط

(80) سفير. محمد بسيوني، مفاهيم الأمن الإسرائيلي، مرجع سابق. الرابط

(81) ممر الناصرة، وممر عبد المجيد، (مجدو قديماً) بين جبل الكرمل، وسلسلة جبال يهوذا.

(82) David Rodman, the Israeli security theory, Middle East Review of International Affairs, December2001.p188-207.

(83)David Rodman, Ibid 188-207.

(84) David Rodman, the Israeli security theory, Middle East Review of International Affairs, December 2001, p.188-207.

(85) أمنية سالم، مرجع سابق. الرابط

(86) سفير محمد بسيوني، مفاهيم الأمن الإسرائيلي. الرابط

(87) العميد. أنور خلف (أبو النور)، أهداف الأمن ومحدداته، مرجع سابق.

(88) سفير محمد بسيوني، مفاهيم الأمن الإسرائيلي. الرابط

(89) د. حامد ربيع، المخطط الدعائي في الاستراتيجية الصهيونية، مجلة السياسة الدولية، الـ عدد11، 1968م.

(90) الآراء الواردة تعبر عن أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن المعهد المصري للدراسات.
المصدر/ المعهد المصري للدراسات



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.