ما بعد إسرائيل نحو تحول ثقافي

الأربعاء 03 نيسان/أبريل 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

عرض/ ناظم بن إبراهيم
المحتويات
مقدّمة

أولًا: الذاتيّة الإسرائيليّة ومسارات تشكّل النموذج الصهيونيّ

التنـزّهُ بوصفه ممارسة سياسيّة تخدمُ الصهيونيّة

جنـرالات حرب في أزياء مدرّسين

العائلة الإسرائيليّة: عندما يُصبح إبراهيم عليه السلام ليبـراليًّا

النّاخبُ الإسرائيليّ وديمقراطيّة الاحتلال

ثانيًا: ما بعدَ إسرائيل ومُمكنات تفكيك نموذج الذاتيّة الصهيونيّ

امتهان النموذج الصهيونيّ: إسرائيليّون ضدّ أنفسهم

نحو تحوّل ثقافيّ

ما بعدَ إسرائيل: إمكان تاريخيّ أم ترف رومنسيّ

خاتمة

مقدّمة
في مُفتتح محاضرة ألقَاها الروائي الإسرائيليّ أبراهام يهوشواع سنة 1995 بجامعة شيكاغو في الولايات المتّحدة الأميركيّة، قال: “لو كنتُ مليونيـرًا وطلبت منّي جامعة مرموقة التبرّع بمبلغ من المال، لفعلتُ ذلك بشرط وحيد: أن يُخصّص المال لتأسيس كرسيّ لدراسة “هندسة الهويّة”، حيثُ سأجمع باحثين من مختلف الاتّجاهات لدراسة إمكانيّة كبح الهويّات القوميّة وتغييرها”[1].

لم تكُن هذه الأمنية محض حُلم تجريبيّ لـ”فولكنر” الأدب الإسرائيليّ كما وصفتهُ النيويورك تايمز في أحد أعدادها، بل تجاوزتْ ذلك لتعكس هَوسًا مستمرًّا أبداهُ الصهاينة بمشكلات الهويّة الإسرائيليّة، لا من حيثُ مرجعيّاتها الدّينيّة بمساربها الملتوية فقط، بل من ناحية المتغيرات الموضوعيّة لمستويات تشكّلها السياسيّ أيضًا.

ولا تخفى عن المتأمّل في الخطاب الصهيونيّ المعاصر عوامل كثيـرة يمكنُ أن نفهمَ بوساطتها هذا الهَوس، من بينها –وأهمّها- أنّ إسرائيل ووحدة المجتمع الإسرائيليّ تشكّلتا منذ البداية على أساس “الخطر الخارجيّ العربيّ/ الفلسطينيّ” الّذي كان المحرّك الأساسيّ لشعارات الوحدة الدينيّة والقوميّة الّتي ستتحدّد ملامح الهويّة الإسرائيليّة وفقها، وبخاصّة بعدَ أن فشلت السرديّة الدينيّة وسرديّات الاضطهاد في بناء أفق متين يمكن أن تتحرّكَ داخلهُ الدولة الناشئة وأن تقنع العالم –أو حتـّى نفسها– بمشروعيّتها الأخلاقيّة والتاريخيّة.

لذلك، ظلّت إسرائيل تبحثُ عن عدوّ دائم يهدّدُ وجودها لتضمنَ وحدة داخلها وتطمس تناقضاتها الداخليّة الكثيـرة الّتي أتاحَ خفوت وتيـرة الصراع العربي – الإسرائيليّ في أكثـر من مرّة ظهورها وانفجارها، لتتضّـح المعالم الهجينة للمجتمع الإسرائيليّ بعدَ أن تهاوت خطابات الرومنسيّة الصهيونيّة أمام حقيقة الاستعمار الدمويّ والعنصريّ الّذي أصرّ العالم على تجاهله طوال عقود من الصراع المستمرّ، ظلّ فيه الخطاب الصهيونيّ المعاصر داخل دائرة محاولة تسويغ هذه التناقضات وهذا التوتّر الدائم بين المكوّنات الدينيّة والقوميّة للهوية الإسرائيليّة ثمّ تحويلها إلى نظريّة للـخصوصيّة “تقوم على العلاقة الأوديبيّة الّتـي تربط اليهود بفلسطين، وتمزّقهم الدائم بين إشباع حاجتهم إلى الأم من ناحية، وإرضاء إلههم الّذي يمارس دور الأب من ناحية أخرى (…) في إعادة صوغ للمعضلات النظرية الّتي جابهت الصهاينة الأوائل، بمفردات أدبيّة”.[2] وعلى هذا النحو، سوّغ الخطاب الصهيونيّ المعاصر تناقضاته الداخليّة[3] بعدّها محض انعكاسات لهذا التمزّق الأوديبـيّ، بل عنصُرًا من عناصر الذّاتيّة Subjectivité الإسرائيليّة وخصوصيّتها الثقافيّة.

وفي الحقيقة، تحوّلت نظريّة الخصوصيّة الإسرائيليّة يومًا بعد يوم إلى شعار مركزيّ لم يتوقّف عندَ حدود مواراة تنافر مكوّنات الدّاخل الإسرائيليّ، بل تجاوز ذلك نحو تحوّله إلى عنصر رئيسيّ من العناصر الّتي يستندُ إليها الخطاب الإسرائيليّ في تسويغ جرائم الدّولة الّتي يدافع عنها والجهاز المفهوماتيّ الّذي تستندُ إليه ويتأسّس في مجمله على مكوّنات ميثيّة (أهمّها مقولة العهد وشعب الله المختار والأرض الموعودة)[4] وتاريخيّة (مرتبطة في أغلبها بسرديّات الاضطهاد الأزليّ الّذي يبدأ مع السبي البابليّ سنة 597 قبل ميلاد المسيح ليصل إلى الإجرام النازيّ ووقائع الحرب العالميّة الثانية في أواخر النصف الأول من القرن العشرين).

وقد أسهم اندماجُ البُعديْن الميثيّ والتاريخيّ في الخطاب الصهيونيّ الحديث والمعاصر في إعادة بناء سرديّة اضطهاد ضاربة في القِدم وممتدّة في الزمن التاريخيّ ومتجاوزة إيّاه إلى زمن أسطوري يتحوّل فيه التاريخ الدينيّ إلى جماعة مُوحِّدَةٍ مؤمنة بإله واحد إلى تاريخ قوميّ لجماعة مُوحَّدَةٍ مؤمنة بأرض واحدة خرجت منها لسبب أو لآخر وصار عليها أن تعودَ إليها تصديقًا للوعد الإلهيّ وتحقيقًا لمشروع الوحدة القوميّ.

مع ذلك، بدا واضـحًا في أكثـر من مناسبة –على الرغم من محاولة الخطاب الإسرائيليّ الدائمة في تقديمها وفق نسق معيّن من الانسـجام– أنّ هذه السرديّة قد فقدت صلاحيّتها التاريخيّة والأخلاقيّة، لا بالنسبة إلى الآخر غيـر الإسرائيليّ الّذي يشعر بتناقض مزاعمها مع واقع أمر دولة إسرائيل القائم على أبشع أنواع الاحتلال والتهجيـر والاستيطان العنيف فحسب، بل بالنسبة إلى الدّاخل الإسرائيليّ الّذي تفجّرت تناقضاته وصارت الرواية الرسميّة الّتي تقدّمها إسرائيل عن نفسها غير مُقنعة لهُ أيضا. وقد ساهم تفجّر هذه التناقضات في ظهور أصوات لا تعدّ إسرائيل خطرًا على المحيطين بها فقط، بل على اليهود والإسرائيليّين أنفسهم.

أمّا بالنسبة إلى العرب، فقد يبدو التحوّل من النظر إلى هذه الدولة من الخارج وفق منطق الصراع الّذي قد يعطّل ممكنات الفهم الدقيق لهذا الكيان؛ إلى النظر إليها من الدّاخل وفق البنـى السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي تشكّلت على أساسها، غريبا عنّا وعن ثقافتنا السياسية والدينيّة الّتـي ظلّ موضوع إسرائيل في إطارها موضوعًا أيديولوجيًّا محضًا قائمًا على خطابات دينيّة وقوميّة نقيضة للخطاب الدينيّ والقومي الإسرائيليّ، وفي أحسن الأحوال على التعاطف مع الشعب الفلسطينيّ المُهجّر من أرضه ورفص أيّ شكل من أشكال التطبيع مع هذا الكيان، بعد فشل مُجمل الحلول السياسيّة والعسكريّة العربيّة في إيقاف توسّع دولة الاحتلال، لتظلّ الإجابة العربيّة الوحيدة الممكنة عن سؤال: “كيف تتمكّن إسرائيل في كلّ مرّة من بسط هيمنتها؟”، الحديثَ عن ارتباطاتها العالميّة والدعم الأميركيّ المستمرّ لها وما إلى ذلك من شعارات تؤجّلُ الفهمَ –بعد أن أجّلت الصراع– وفقًا لمقولات دُوغمائية أخرى مثل الحتميّة والعودة ووعد الله الحقّ وغيرها؛ في الوقت الّذي لم تعُد فيه الإجابة عن هذا السؤال ممكنة خارج دراسة كيفيّات تشكّل الذاتيّة Subjectivité الصهيونيّة داخل إسرائيل ودراسة الأنساق المُنتجة لهذه الذاتيّة الّتـي تحوّلتْ إلى بديل نموذجيّ اجتماعيّ ومواطنيّ طمست من خلاله الدولة الذاتيّات الأخرى المُضعِفة بتناقضاتها المختلفة لمشروعِها القوميّ، ولم يعُد فيه بناء أفق سياسيّ وثقافيّ متجاوز لإسرائيل ممكنًا خارج فهم هذه الذاتيّة وتفكيكها.

ومن بين المحاولات الجديّة في تناول الكيان الصهيونيّ من هذا الجانب ما حاولهُ مارسيليو سفيرسكي[5] في كتابه “ما بعدَ إسرائيل (نحو تحوّل ثقافيّ)”[6] الّذي قارب فيه الذاتيّة الصهيونيّة مستفيدًا من مجلوبات العلوم الاجتماعيّة والثقافيّة ومُعتمدًا على نماذج دقيقة من الذاتيّات الإسرائيليّة راصدًا كيفيّات تشكلّها وتحوّلها من خصوصيّة ثقافيّة ممكنة قبل إسرائيل إلى خادمة للمشروع الصهيونيّ الاستعماريّ داخلها، مُحاولًا رسم بعض ملامح الأفق الّذي يمكن في سياقه أن تتفكّك هذه الذاتيّة الّتي يعني تفكّكها -بالنسبة إليه- زوال إسرائيل من حيثُ هي مشروعُ اضطهاد أضرّ بالفلسطينيين الّذين ظلّوا مطرودين من تلك المنطقة منذ 1948، وباليهود أنفسهم بعدَ أن قُمِعَت فاعليّة الخصوصيّات الثقافية اليهوديّة المختلفة لمصلحة هذا المشروع ودولته. فما أشكالُ الذاتيّة الّتـي أنتجتها الصهيونيّة المعاصرة؟ وما السرديّات الّتي استندت إليها هذه الذاتيّة؟ وكيف يكون تفكيك هذه الذاتية أفقًا ملائمًا للحديث عن “ما بعد إسرائيل”؟ وإلى أيّ مدى يمكنُ أن يكون الحلّ الثقافيّ وحدهُ أساسًا لهذا التجاوز؟

أولًا: الذاتيّة الإسرائيليّة ومسارات تشكّل النموذج الصهيونيّ
لئن حاولت الأورثودوكسيّة البنيويّة في ستّينيّات القرن الماضي القضاء على “الذّات / الموضوع” بعدّها مجال البحث الفلسفيّ وإعلان اختفائها (La disparition du sujet)، فقد مثّل موضوع الذّات والذاتيّة محورًا أساسيّا من محاور الدّرس الفلسفيّ المعاصر لا من حيثُ إعادة النظر في التصوّرات الأنطولوجيّة القديمة للّذات وتقديم قراءة نقيضة لها تعيد المنزلة إلى الهامشيّ واللامفكّر فيه فحسب، بل تجعلُ من سؤال الذّاتيّة Subjectivité الأساس النظريّ الّذي يمكن من خلاله فهم المجتمعات الرأسماليّة الحديثة وتفكيك البُنى الّتي جعلتها على النحو الّذي هي عليه وعلى النحو الّذي تقدّم به نفسها.

وقد كانت لأعمال ميشال فوكو (أركيولوجيا المعرفة) وجيل دولوز وفيليكس غاتاري (ما هي الفلسفة؟) وجاك لاكان الأثر الكبيـر في إعادة الأهمية إلى مفهوم الذّات داخل أفق معرفيّ لا يتعامل مع الذّاتيّة بوصفها بنية جاهزة أو مغلقة يتحدّد على أساسها نوع الذّاتيّة الّذي يمكن أن تنتمي إليه الذات، بل بعدّها نتاجًا لمسارات من الذَّيْتَنة Processus de subjectivation المُنتجة لذاتيّات تحدّدها السلطة بمختلف أشكالها وتتقاطع في إنتاجها مستويات مختلفة منها النفسيّ والسياسيّ والاجتماعيّ والأخلاقيّ. غير أنّ هذه المستويات نفسها لا تحضر بوصفها معطيات كاملة ومنتهية في أثناء عمليّات إنتاج الذّاتيّة، بل تحضر من حيثُ هي مكوّنات غير مكتملة ومتفاعلة في ما بينها ومتناقضة في بعض الأحيان، خاضعة في الأغلب الأعمّ إلى احتياجات السلطة وإلى مشروعها متعدّد الوجوه في إخضاع المجموعة المسمّاة رعيّة أو شعبًا أو مواطنين.

ولئن كانت المجلوبات النظريّة للتصوّر الدولوزيّ قابلة للتوظيف داخل أفق بناء موقف نقديّ من الذاتيّة الّتي أنتجتها المجتمعات الغربيّة الّتي يمكن أن يعثر فيها البحث السوسيولوجيّ على حدّ أدنى من الانسجام الاجتماعيّ والمواطنيّ وحدّ أدنى من الحريّة كما رسمت حدودها الديمقراطيّة الغربيّة، فإنّ قابليّتها للتوظيف قد تتوسّع عندما يتعلّق الأمر بدراسة مجتمع مثل المجتمع الإسرائيليّ الّذي انسـحبت مختلف الذّاتيّات المكوّنة له إلى الظلّ لمصلحة ذاتيّة صهيونيّة واحدة تحوّل معها اليهود الإسرائيليّون من ممكنات ثقافيّة مختلفة إلى خُدّامٍ للمشروع الصهيونيّ.

في هذا الإطار، مثّل مفهوم الذّاتيّة الأساس النظريّ الّذي قارب من خلاله مارسيليو سفيرسكي فاعليّة الصهيونيّة المعاصرة في المجتمع الإسرائيليّ، وهو ما أتاحَ لهُ أمريْن أوّليّيْن وأساسيّيْن: الأوّل مرتبط بتجاوز الإشكال الأيديولوجيّ الّذي يمكن أن يطرحهُ مفهوم الهويّة منظورًا إليه بعدّه مفهومًا منغلقًا ومنتهيًا، فهويّة المجتمع ليست سابقة للمجتمع، وليست معطى جاهزًا اكتمل تشكّله بمعزل عن تشكّل المجتمع، وإذا كانت كذلك فلن تكون الهويّة سوى مشروع السلطة الأيديولوجيّ الّذي يوجّه مسارات إنتاج الذّاتيّة. أمّا الثاني فمتعلّق بنقد بعض التوظيفات الأيديولوجيّة للتصوّر الدولوزيّ من بعض المفكّرين الصهاينة مثل شيمون نافيه Shimon Naveh الّذي حاول تسويغ عنف دولة الاحتلال وطابعها العسكريّ بوصفه خصوصة إسرائيليّة يجبُ احترامها، من دون إيلاء أيّ أهميّة للأفق الإنسانويّ الّذي تندرج فيه هذه التصوّرات الفلسفية وللقيم التي تنتصرُ إليها، وأهمّها الحريّة.

إنّ سؤال الذّيْتنة Subjectivation في التصوّر الدولوزيّ والغاتاريّ مرتبطٌ جوهريًّا بكيفيّات “إنتاج ذاتيّة مجموعة مّا La production d’une subjectivité de groupe” [7]، وهو ما يجعل من دراسة ذاتيّة الفرد (موضوع فلسفة الذّات) غيـر ممكنة خارج دراسة ذاتيّة المجموعة (موضوع الفلسفة السياسيّة) سواء تعلّق الأمر بعدّها مشروع هيمنة وإخضاع، أم بعدّها مشروعًا مناقضا لذاتيّة مجموعة أخرى. وعلى هذا الأساس لا يُمكن للأداء الاجتماعيّ للأفراد في حياتهم اليوميّة بما يحمله هذا الأداء من أبعاد ثقافيّة أن يكون معزولًا عن البُنى السياسيّة الّتي تحكمُ المجتمع ونظام الحياة فيه.

ولئن حاول سفيرسكي تأكيد هذيْن البُعديْن في كتابه: البُعد الّذي يمكن به أن نقارب حياة الأفراد من ناحية، والبُعد الّذي يمكن أن نقارب به بنية السُلطة السياسيّة من ناحية أخرى، فإنّ أهميّة بحثه لا تتعلّقُ فقط بالمجهود النظريّ الّذي قام به لمقاربة المجتمع الإسرائيليّ، بل بالمجهود الميدانيّ والتوثيقيّ الّذي بذلهُ في تقديم نماذج اجتماعيّة أساسيّة يمكن عدّها أمثلة “ميكرو- سياسيّة” (تتعلّق بحياة الأفراد) تخدمُ آليّات “ماكرو- سياسية” (تتعلّق باستمراريّة السُلطة)، ويمكن تقسيم هذه النماذج بحسب أربعة فضاءات تندرجُ ضمنها وهي: الفضاء العام (المتنـزَّهُ)، والفضاء التربويّ (المدرسة)، والفضاء الاجتماعيّ (البيت)، والفضاء السياسي (مكتب الاقتراع)، وستتشكل نماذج الذاتية الّتي يتناولها وفقًا لهذه الفضاءات والكيفيات الّتي تشكلّت بها في السياق الإسرائيلي.

التنـزّهُ بوصفه ممارسة سياسيّة تخدمُ الصهيونيّة
قد يبدو الخروج في نزهة بعد العمل أو آخر الأسبوع من الأفكار المفيدة للصـحّة والمروّحة عن النفس والبعيدة كلّ البُعد عن أيّ طابع سياسيّ بالنسبة إلى أيّ إنسان، لكنّ مارسيليو سفيرسكي لا يتّفق كثيرًا مع فكرتنا عن التنـزّه عندما يتعلّق الأمر بإسرائيل، إذ يُعدّ الـ”تيوليم / Tiyulim” (نزهة آخر الأسبوع) من العادات الأساسيّة الّتي يقوم بها الإسرائيليّون. ولا تتعلّق هذه النزهة –كما هو الحال في أيّ مجتمع طبيعيّ– بعادة اجتماعيّة محمودة، بل بواحدة من أهمّ آليّات الهيمنة الّتي يمارسها الإسرائيليّون بوعي أو بغيـر وعي، ذلك أنّ ممارسة التنـزّه في المجتمع الإسرائيليّ تشكّلت بوصفها ممارسة سياسيّة استراتيجيّة تأخذُ “طابعًا طقسيًّا”[8] من خلال عملها على تحويل كلّ لقاء مع الطبيعة (الأرض) إلى مناسبة لاستحضار السرديّات التوراتيّة والقوميّة الصهيونيّة تجاه محو وجود أيّ قُرى فلسطينيّة سابقة لدولة إسرائيل، وتجربة المقدّس اليهوديّ l’expérience du sacré (دوركايم) بطريقة معاصرة يكون فيها المشيُ أشبه بممارسة عسكريّة محقّقة لشعار “الإنسان يغزو الأرض بقدميْه”[9] الّذي دافعت عنه الصهيونية. فالمشيءُ من هذا المنظور “جزء من بناء الأمّة” إلى جانب مساهمته في تحديد مجال الذاتية Territoire existentiel (غاتاري) وفي توطيد وحدة العناصر المكوّنة للمجتمع الإسرائيليّ.

لذلك، يُعدّ التنـزّهُ في البـرامج التربويّة الرسميّة الإسرائيليّة نشاطًا إلزاميًّا، لا لما لهُ من أهميّة في إعداد أجساد التلامذة للخدمة العسكريّة الإجباريّة فحسب، بل للعلاقة المباشرة الّتي يربطها بينهم وبين مجال ذاتيّتهم الّذي عمل أسلافهم الّذين غزوا الأرض على “استعادته” من أجلهم، وهو ما يجعلُ من تجربة التنزّه داخل المجتمع الإسرائيليّ مضطلعة بوظيفتين أساسيّتيْن: الأولى ماديّة مرتبطة بالعلاقة المباشرة بالأرض، والثانية ذهنيّة ومعنويّة متعلّقة بتمثّل سرديّة الاضطهاد الّتي تتأسّس عليها هذه العلاقة ويمتزجُ فيها الميثيّ بالتاريخيّ كما أشرنا.

جنـرالات حرب في أزياء مدرّسين
يُعدّ التعليم بمختلف مراحل تطوّره وتطوّر وسائله البيداغوجيّة من الأسس الّتي تعتمدُها الدّول في تحديد ملامح المجتمع الّذي تنشدهُ وملامح الفرد الّذي تبنيه، أيْ الملامح العامّة للذاتيّة الّتي تريدُ أن تكوّنها. غيـر أنّ النظر في أمر التعليم حين يتعلّق بالحالة الإسرائيليّة، قد يحوّلنا من التركيـز على الوسائل البيداغوجيّة ومدى نجاعتها إلى كيفيّات توظيف هذه الوسائل لخدمة بناء النموذج الصهيونيّ وهو ما ركّز عليه سفيرسكي مستفيدًا من تجربته في التعليم داخل إسرائيل ومُراجعًا البـرامج الرسميّة[10] الّتـي سُطّرت وفق استراتيجيّات عسكريّة رسمتها وزارة الدفاع الإسرائيليّ.

وإذا كان من الطبيعيّ بناء على ما سبق أن يكون الخطابُ الصهيونيّ بمرجعيّاته المختلفة والسرديّات الّتي يستندُ إليها مبثوثًا في هذه البـرامج المقنّنة لتهيئة الشباب للخدمة العسكريّة الإجباريّة، فإنّ أهمّ ما يُمكن الإشارة إليه في علاقة بالاستراتيجيات التربويّة الإسرائيليّة أنّها حوّلت المدرّسين من دُعاة معرفة وقيم إلى مجنّدين في جيش الدفاع الإسرائيليّ مُهمّتهم الوحيدة إعداد الناشئة للدفاع عن المشروع الصهيونيّ، غير أنّ هذا التحوّل لم يكُن ليكون ممكنًا من دون أمرين أساسيّيْن: الأوّل يتعلّق بالعمل المُشترك بين وزارتيْ التعليم والدّفاع وتقنينه لا في مستوى التعاون بين هرميْ المؤسّستيْن بل في مستوى الهياكل والعمل الميداني وأدقّ تشعّباته وتفاصيله[11]، ويمثّل هذا التعاون اللوجستيّ والسياسيّ البنية التحتيّة الّتـي تضمن بناء التعليم الإسرائيليّ على أساس نموذج الذاتيّة الصهيونيّ. وأمّا الثاني فيرتبطُ بالآليّة الّتي تتيحُ إمكانيّة تحقيق هذا النموذج في أذهان المتعلّمين، وهي تحويل الطّابع الإثنيّ والعنصريّ لدولة إسرائيل إلى طابع ديمقراطيّ وخصوصيّة ثقافيّة. وعلى هذا النّحو يستحيل التعليمُ الإسرائيليّ جهازًا عسكريًّا يضمن الاستمراريّة الماديّة للسلطة، وأيديولوجيًّا يسوّغ بقاءها، ولطالما تعاضد الجانبان (العسكريّ والأيديولوجيّ) في بناء إسرائيل الّتي نعرفها.

العائلة الإسرائيليّة: عندما يُصبح إبراهيم عليه السلام ليبـراليًّا
ليس من الغريب أن يكون النموذجُ الإبراهيمـيُّ بوصفه من المرجعيّات الدينيّة الأولى الّتـي تتأسّسُ عليها اليهوديّة حاضرًا لدى العائلات الإسرائيليّة، غير أنّ “الإرث الأبويّ الإبراهيميّ” على حدّ عبارة سفيرسكي[12] يخضعُ في التمثّل الاجتماعيّ الإسرائيليّ المعاصر إلى عمليّة تحوير تجعلُ منهُ معادلًا موضوعيًّا للدولة. ويتجسّدُ ذلك من خلال إسقاط Projection فكرة التضـحية الإبراهيميّة القائمة على تلبية نداء الله في تقديم ابنه قربانا لهُ ومطاوعة الابن لهُ على فكرة تلبية الأولياء الإسرائيليين نداء الدّولة من خلال تشجيع أبنائهم على الخدمة العسكريّة، بطريقة تجعل من الدولة –وفق هذا المنظور– لا الآليّة الّتي تجسّد إرادة الله في الواقع فحسب، بل هي الله نفسهُ في تمثّل النّاس. وفي المستوى العمليّ، يتعاضدُ هذا الإسقاط مع منطق الثواب والعقاب الّذي تعيد الدولة رسم ملامحه بوسائلها الإجرائيّة المباشرة من خلال الوصم الاجتماعي والعقوبات الماليّة المسلّطة لا على كلّ من يرفض الخدمة العسكريّة، بل على عائلته أيضًا. ولا يكون هذا الرفض في التمثّل الاسرائيليّ محض رفض مدنيّ حُرّ لخدمة عسكريّة واجبة فحسب، وإنّما يتجاوز ذلك ليتحوّل إلى رفض مماثل لرفض إرادة الله ويستحيل معادلًا لخيانة النموذج الإبراهيميّ.

وفي حقيقة الأمر، يمكن أن نُدرجَ كتاب سفيرسكي عمومًا، ودراستهُ للعائلة الإسرائيليّة خصوصًا ضمن ما يُسمّى بدراسة “الأجهزة الأيديولوجيّة للسلطة”، أي تلك الأجهزة الّتي لا تتعلّق بالدولة وبالإنتاج مباشرة –وفقا للتصوّر الماركسي– بل بإعادة إنتاج متغيرات الإنتاج الأوّل من خلال تهيئة أذهان المنتجين وبناء اقتناعهم بوظيفيّة دورهم في عمليّة الإنتاج[13]، وهو ما تفعلهُ العائلة الإسرائيليّة بخضوعها إلى النموذج الصهيونيّ، وبتحويلها للنموذج الإبراهيمـيّ من نموذج متعالٍ يتضمّن قيمة رمزيّة وإيمانيّة إلى نموذج ليبراليّ يخدم أهداف الدولة وحاجتها الماديّة لبسط هيمنتها واستمرار سلطتها على المقدّس وكيفيّة تمثّله Perception وتجربته Expérience.

النّاخبُ الإسرائيليّ وديمقراطيّة الاحتلال
تطرحُ الديمقراطيّة المعاصرة أكثـر من إشكال معرفيّ وأخلاقيّ مرتبط بسؤال مركزيّ يمكن صوغهُ بالآتي: “إلى أيّ مدى يمكن أن يعني توفير الآليّات الديمقراطيّة تحقيق الديمقراطيّة وأهدافها؟”، وفي الحالة الإسرائيليّة تضاف إلى هذا السؤال أسئلة كثيرة أخرى من بينها وأهمّها “كيف يمكن أن تكون دولة احتلال ديمقراطيّة وقادرة على بناء نموذج ديمقراطي منسـجم مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في الوقت الّذي تمارس فيه أبشع أنواع العنصرية والعنف؟” و”كيف تكون الإدارة الديمقراطيّة لمجتمع فرض بالاحتلال أن ينضوي على جسديْن اجتماعيين: بقايا جسد فلسطينيّ قديم، وجسد إسرائيليّ حاول احتواء الجسد القديم بعد أن يئس من إبادته؟”. وفي حقيقة الأمر، تبدو ديمقراطية الاحتلال الإسرائيليّ في ظاهرها من أكثـر الديمقراطيّات تنوّعًا، فإذا ما نظرنا في فئات الناخبين (15 مليون ناخب) –يقول سفيرسكي– أمكننا تقسيمها إلى أربع فئات رئيسيّة: الإسرائيليين اليهود أولًا، الفلسطينيين الّذين يقيمون في إسرائيل ثانيًا، الفلسطينيين الّذين يقيمون في المناطق المحتلّة ثالثًا، واللاجئين الفلسطينيون رابعًا. ويمكن للقارئ بسهولة أن يلاحظ أنّ هذه الفئات المزعومة ليست في الحقيقة سوى فئتيْن أساسيّتيْن هما: الإسرائيليّين من ناحية، والفلسطينيين في الحالات المختلفة الّتي فرضها عليهم الاحتلال من ناحية أخرى، على الرغم من أنّ الفئات الفلسطينيّة المذكورة لا تتمتّعُ بالحقوق نفسها وليست لها المواقف السياسيّة نفسها.

مع ذلك، لا يقف سفيرسكي في تقويمه للانتخابات الإسرائيليّة عند حدود تقويم فئات الناخبين وتقسيمهم بحسب انتمائهم أو موقعهم من الحدث السياسيّ، بل يناقش مسألة الانتخاب في حدّ ذاتها، بوصفها الآليّة السياسيّة الرئيسيّة الّتي تضفي نوعًا من الشرعيّة القانونيّة على الدولة الإسرائيليّة، وتطمسُ الفرق بين شرعيّة الحاكم (القانونية بوصفه منتخبًا) وشرعيّة الدولة (غير القانونية بوصفها قائمة على الاحتلال)، فتستحيل ديمقراطية أجهزة الدولة مصدرًا أساسيًّا من مصادر شرعية من يديرها في إطار تغييب المناقشة القديمة حول شرعيّة الدولة نفسها.

وعلى هذا الأساس يكون الانتخابُ بمنزلة الممارسة السياسيّة الّتي تتوّجُ تحقّق نموذج الذّاتيّة الإسرائيليّ وتربط بين البُنى الميكرو – سياسيّة المتعلّقة بحياة الأفراد اليوميّة، والبُنى الماكرو – سياسية المتعلّقة بكيفيّة إدارة الدولة لشؤونها ومشروعها في بناء المجتمع الّذي تنشدهُ.[14]

ثانيًا: ما بعدَ إسرائيل ومُمكنات تفكيك نموذج الذاتيّة الصهيونيّ
بالقدر الّذي حاول به مارسيليو سفيرسكي في هذا الكتاب أن يفكّك البُنى الرئيسيّة التي يقوم عليها نموذج الذاتيّة الصهيونيّة، حاول رسم أفق لتفكيك هذا النموذج ناقلًا عبارة “ما بعد إسرائيل” من دائرة وصف وضعيّة ثقافيّة ممكنة في المستقبل إلى دائرة فعل (To After Israel) يجدُ ملامحهُ الأولى في الواقع الإسرائيليّ نفسه ويمكن أن يتحوّل إلى ممارسة ثقافيّة يمكن من خلالها تحطيم نموذج الذاتيّة الإسرائيليّ ومن ثم تجاوز إسرائيل، مستندًا في بناء هذه الرؤية إلى مفهوم الامتهان Profanation الّذي رسم ملامحهُ المعاصرة الفيلسوف الإيطاليّ جيورجيو أغامبن الّذي يعدّ أفعال الامتهان Acts of profanation (امتهان المقدّس ومختلف أشكال السلطة الّتي يحضر بها) أساسًا لطرائق العيش التـي يمكن أن تعيد للإنسان إنسانيّته المسلوبة[15]. وعلى هذا الأساس حاول سفيرسكي رصد مختلف أفعال الامتهان في المجتمع الإسرائيليّ تجاه تحويلها إلى ممارسة ثقافيّة واعية هدفها ضرب نموذج الذاتية الصهيونيّ.

امتهان النموذج الصهيونيّ: إسرائيليّون ضدّ أنفسهم
تحضر نماذجُ الامتهان في الكتاب الّذي نتناوله بوصفها نماذج ذاتيّة مناقضة للذاتية الصهيونيّة ومُفكّكة لمشروعها في الهيمنة. ومثلما تعلّقت هذه الهيمنة بالفضاءات الأربعة المدروسة، فإنّ ردات الفعل المناقضة لها تتعلّق بهذه الفضاءات أيضًا ويمكن تقسيمها بوصفها أفعال امتهان كالآتي:

المتنزّه: أخذ المتنزّهين الإسرائيليّين إلى بعض المناطق والقُرى الفلسطينيّة المدمّرة إبّان النكبة سنة 1948 ومصارحتهم بحقيقة ما ارتكبتهُ دولة إسرائيل بحق الفلسطينيين.
المدرسة: تدريس المتعلّمين الإسرائيليّين تاريخ دولتهم بموضوعيّة تاريخيّة تكشف حقيقة ما ارتُكب من جرائم منذ 1948 إلى وقتنا الراهن، وتدريسهم الخصوصيات الثقافيّة لمختلف مكوّنات المجتمع اليهوديّ.
البيت: السماح لأبناء العائلات الإسرائيليّة برفض الخدمة العسكريّة الإجباريّة وتربيتهم على قيم حريّة الضمير والاختيار.
مكتب الاقتراع: مقاطعة الانتخابات الإسرائيليّة الّتي تضفي نوعًا من الشرعيّة على الدولة وتطمس حقيقة أنّها دولة احتلال.
نحو تحوّل ثقافيّ
لئن مثّل نموذج الذاتية الصهيونيّ الّذي درسه سفيرسكي جيّدا في كتابه الإطار العام الّذي تتحرّك فيه ومن خلاله الدولة الإسرائيليّة فإنّ أفعال الامتهان الّتي يُشير إلى بعضها ويقتـرح بعضها الآخر تمثّل الإطار العام للتحوّل الثقافيّ الّذي أكّد ضرورته على امتداد كامل فصول كتابه وعلى ضرورة أن يفهم النّاس أنّ “تغييـر المؤسّسات لا يمكن أن يكون بمعزل عن التحوّل الجذريّ الضروريّ في عادات النّاس وكيفيّة تعاطيهم مع حياتهم اليوميّة”[16]، ويتعلّق هذا التحوّل الّذي يقترحه بالإسرائيليين قبل غيرهم، وبضرورة أن يفهموا أنّ دولة إسرائيل أضرّت بهم بالقدر الّذي أضرّت به بالفلسطينيين من خلال نموذج الذاتيّة الّذي تنتجهُ متجاهلة التاريخ والجغرافيا والخصوصيّات الثقافيّة لمكوّناتها المختلفة والمتنافرة في بعض الأحيان، وأن يُشاركوا في رسم ملامح أفق ثقافيّ مناهض للصهيونيّة تعاد فيه المنزلة إلى الفلسطينيين المهجّرين من أرضهم وخلق أرضيّة للتعايش قائمة على الحقوق الكاملة والمتساوية للجميع وعلى الاختيار المتأسّس على الإرادة الحُرّة للإنسان لا على الخيارات التعسفيّة لدولة الاحتلال.

ما بعدَ إسرائيل: إمكان تاريخيّ أم ترف رومنسيّ
لئن بدا سفيرسكي في بحثه دقيقًا في دراسة النموذج الصهيونيّ وواضحًا في انتقاده له ومناهضته للصهيونيّة، فإنّ جزمهُ باستحالة وجود حلّ سياسيّ وتركيزه على التحوّل الثقافيّ الّذي يجبُ أن يتجسّد في الممارسة اليوميّة للإسرائيليّين يظلُّ إشكاليًّا من ناحيتيْـن: الأولى أنّهُ يضعُ مهمّة تجاوز إسرائيل على عاتق الإسرائيليين وحدهم، وقد يُفسَّرُ ذلكَ بالحمل الأخلاقيّ الّذي شعر به المؤلّف وهو يدرس نماذج الذاتية الّتي اقترحها بطريقة رسّخت لديه قناعة أنّ ما أفسدتهُ إسرائيل وحدها يجبُ أن تصلحهُ وحدها. والثاني أنّ “ما بعد إسرائيل” بوصفه أفقًا ثقافيًّا يظلّ أفقًا ضبابيًّا ما لم نُسمِّ الأشياء بمُسمّياتها أو استعضنا عن قولنا “شاي” بقولنا “حشيشة وسُكّر مغليّان في الماء”. أليست “ما بعد إسرائيل” هي فلسطين الّتي طُمس تاريخها وتنوّعها الثقافيّ طوال أكثر من نصف قرن؟ وعندما نقول “ما بعد” ألا نجعل من إسرائيل نقطة الانطلاق ونلغي بطريقة أو بأخرى الـ “ما قبل” الّذي لن يكون ممكنًا بناء أيّ شيء من دونه؟ ثمّ ألا يتناقضُ القول بإمكانيّة هذا التحوّل الثقافيّ مع الإقرار بكون الأقليّات الرافضة نفسها جزءًا من البنية العامّة للسلطة وأجهزتها الأيديولوجيّة؟

إنّ هذه الأسئلة، وأسئلة كثيـرة أخرى، يُمكن أن تسوّغ إعادة النظر في مسألة “التحوّل الثقافيّ” الّتي يقترحها سفيرسكي، أو على الأقل أن تؤسّسها داخل أفق أكثـر واقعيّة وأكثـر التصاقًا بتفكيك الواقع السياسيّ لدولة إسرائيل الّتي مثلت محور النزاعات في الشرق الأوسط منذ منتصف القرن الماضي. ربّما لا يكون لإسرائيل وجود داخل الأفق الّذي يقترحهُ سفيرسكي، لكن الأهم هو عدم وجود شيء يُشبهُ إسرائيل داخل هذا الأفق، ولن نقول أن هذا الشيء سيشبهُ فلسطين لأنها لم تعد تشبه نفسها هي الأخرى.

خاتمة
يمثّل “ما بعد إسرائيل” واحدًا من أثرى الكتب الّتي فكّكت الدّاخل الإسرائيليّ بعلميّة وموضوعيّة يمكن أن تجعل منهُ مرجعًا مهمًّا بالنسبة إلى الباحثين في الشأن الإسرائيليّ وبالنسبة إلى العرب أيضًا. ولم يكن لهذا التفكيك أن يكون ممكنًا بالنسبة إلى صاحبه خارج ثلاثة مستويات:

الأوّل: تمثّل الكاتب للنظريّات السياسيّة والاجتماعيّة المعاصرة الّتي أتاحت لهُ مقاربة مكوّنات الدولة الإسرائيليّة في ضوئها.
الثاني: البعدُ التوثيقيّ الممتدّ على كامل الكتاب والناجم عن التجربة الذاتيّة للكاتب داخل إسرائيل وخارجها، ما أتاح له تقديم عيّنات حيّة ومباشرة اعتمدها في دراسته.
الثالث: التركيز على مفهوم الذاتية Subjectivité بدل التركيز على الهويّة Identité وهو ما أتاحَ لهُ مقاربة الذاتيّة الإسرائيليّة وفقًا لتصوّرات الفلسفة السياسية المعاصرة، وتجاوز الإشكال الأيديولوجيّ الّذي قد يطرحه مفهوم الهوية منظورًا إليه بوصفه مفهومًا مكتملًا سابقًا للمجتمع ومحدّدًا لهويّته بطريقة قبليّة.
وبغضّ النظر عن الإشكاليّات الّتي قد تطرحُها مسألة “التحوّل الثقافيّ”، يظلّ هذا المقتـرحُ محاولة جديّة في تفكيك ما تستندُ إليه الهيمنة الصهيونيّة من مكوّنات متعالقة بطريقة مباشرة مع حياة الناس اليوميّة وطرائق تعاملهم مع المقدّس وكيفيّات تشكّل أدائهم الاجتماعيّ داخل إسرائيل، وشهادة حيّة عن ملامح الشيزوفرينيا الّتي يعانيها الإسرائيليّ المعاصر، والمآزق الأخلاقيّة والتاريخيّة الّتـي يجدُ بها نفسه عندما ينظر إلى وجهه في مرآة الإنسانيّة وتراثها الفلسفيّ العظيم. مع ذلك، لن يتعلّق سؤال الذّاتيّة في المستقبل القريب أو البعيد بالإسرائيليين وحدهم، بل سيشمل العرب أيضًا ويجب أن يشملهم، داخل أفق إعادة النظر في البُنى الدينيّة والتاريخيّة والسياسيّة الّتي حكمت نموذج الذاتيّة العربيّ وتحكمه وتحدّد رؤيتهُ لذاته وللعالم ولإسرائيل طبعًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معلومات عن الكتاب

اسم الكتاب: ما بعد إسرائيل نحو تحول ثقافي

اسم المؤلّف: مارسيلو سفيـرسكي

المترجم: سمير عزت نصار

مراجعة: ناظم بن ابراهيم

دار النشر: منشورات المتوسط

مكان النشر: إيطاليا

تاريخ النشر: 2016

[1]أبراهام يهوشواع، هندسة الهويّة في زمن السلام، حسن خضر (مترجم)، مجلّة الكرمل، العدد 54، شتاء 1998. ص89.

[2]المرجعُ نفسه، ص88.

[3]نُشير هنا إلى ما أشار إليه عدد من الدّارسين الّذين حاولوا تناول المجتمع الإسرائيليّ داخل أفقه التكويني، وإلى ما لفت انتباههم من تناقضات مثل التناقض بين النخب الأشكينازيّة (يهود الغرب) الّتي سيطرت على مفاصل الدولة وشكّلت ملامح المشروع الصهيوني الحديث، والمزراحيم (يهود الشرق) الّذين جرى الاكتفاء بعدّهم رأس مال بشريّ لتأسيس الدولة ورميهم في أسفل السلّم الاجتماعيّ؛ أو التناقض بين يهود إسرائيل الّذين انخرطوا في مشروع الدولة طوعًا أو قسرًا، ويهود الدياسبورا (يهود الشتات) الّذين خيّـروا البقاء في مجتمعاتهم الأصليّة بعد أن رأوا أنّ هذه المجتمعات توفّر لهم بيئة اندماجيّة أفضل من البيئة الّتي يوفّرها المجتمع الإسرائيلي؛ أو التناقض بين اليهود الأصوليين الّذين يؤكّدون ضرورة يهوديّة الدولة وأساسها الديني، والإسرائيليين العلمانيين الّذين ينادون بالمشروع القومي الإسرائيليّ. وقد ساهمت مجمل هذه التناقضات في تشكيل ملامح الهوية الإسرائيليّة، وانعكست على الخطاب الصهيونيّ المعاصر، سواء تعلّق الأمر بسويغها أم بإعادة النظر فيها.

[4]Régine Azria : Le judaïsme, Édition La Découverte, Paris, 1996. P. 10 – P.14.

[5] مارسيليو سفيرسكي: باحث إسرائيليّ معاصر مناهض للصهيونيّة ومناصر للقضيّة الفلسطينيّة. محاضر في الدّراسات الدوليّة في مدرسة الإنسانيّات والبحث الاجتماعيّ في جامعة ولونغونغ. يحاول في موضوعاته التركيز على البُنى الّتي يتشكّل وفقها العمل السياسيّ والتحوّل الاجتماعيّ رابطا بين الفلسفة السياسية الأوروبيّة النقديّة (جيل دولوز وفيلكس غاتاري) ونظريّات ما بعد الاستعمار. اهتمّ بدراسة الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيليّ. صدر له عدد من الكتب ومن أهمّها “دولوز والنشاط السياسي” (2010)؛ و”أغامبين والاستعمار” (2012).

[6] مارسيليو سفيرسكي، ما بعد إسرائيل (نحو تحوّل ثقافي)، سمير عزت نصار (مترجم)، ط1 (ميلانو، إيطاليا: منشورات المتوسط، 2016).

[7]Frédéric Rambeau, Deleuze, Guattari et les apories de la subjectivation politique. Site « Implications Philosophiques », Publié le 14 juin 2013.

[8] مارسيليو سفيرسكي، ما بعد إسرائيل، ص121.

[9] المصدر نفسه، ص118.

[10] يُفصّل الكاتبُ القول في هذه البرامج معتمدًا على بعض النماذج المدرسيّة الإسرائيليّة مثل “الإزراخوت” وهو كتيّب يهتمّ بمبادئ المواطنة الإسرائيليّة. وورد فصل “المدرّس” (125 – 171) الّذي يمثّل نموذج الذاتية الثاني الّذي يتناوله الكاتب أقربَ إلى السيرة الذاتيّة الّتي تتحوّل فيها الوقائعُ الشخصيّة إلى عيّنات للتحليل الثقافيّ والمقاربة الأنثروبولوجيّة.

[11] يصلُ هذا التعاون في بعض الأحيان إلى حدّ رصد مكافآت ومنح خاصّة للأساتذة بحسب نسبة تلاميذهم الّذين يتوجّهون إلى الجيش بعد إكمال دراستهم الثانويّة أو الجامعيّة.

[12] نجدُ في هذه الفكرة أثرًا لأفكار دوركايم في علم اجتماع الأديان ودراسات مارسيل موس عن الدّيانات الإبراهيميّة على الرغم من عدم إحالة مارسيليو سفيرسكي عليهما، وتحويله فكرة استحضار المقدّس إلى فكرة استحضار الدّولة بوصفهما شكليْن من أشكال السلطة في المجتمع.

[13] لئن استفاد مؤلّف الكتاب في بناء هذه الفكرة من بحوث لويس ألتوسير في هذا المجال وأحال عليه، فإنّ ألتوسير نفسهُ يؤسّس تصوّرهُ للأجهزة الأيديولوجيّة للسلطة بناء على فكرة للفيلسوف الإيطاليّ أنطونيو غرامشي ومفادُها أنّ التمييز بين العام والخاص هو تمييز من داخل قانون البورجوازية، وهو آلية من آليات بسط هيمنتها على المجتمع، بمعنى يكون فيه الخاص (الّذي يوهم نعته بأنّهُ خاص بعدم انضباطه بخيارات الدولة) جهازًا من الأجهزة الأيديولوجية الّتي تبسط من خلالها الدولة نفوذها وتصوّراتها. وفي السياق الّذي نحنُ فيه تضطلع العائلة الإسرائيليّة بهذا الدور.

[14] مارسيليو سفيرسكي، ما بعد إسرائيل، ص253.

[15] Marongiu Jean-Baptiste : La profanation du sacré comme art de vivre selon Agamben, revue Multitudes.

[16] مارسيليو سفيرسكي، ما بعد إسرائيل، صXII.

المصدر/ درا حرمون للدراسات المعاصرة



الكلمات المفتاحية
تحول ثقافي ما بعد إسرائيل

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.