لعبة الغواية في قصة “الغزال المقدس”

     

    كتب: صلاح محمد الحسن (القويضي)- السودان

    قرأت النص الفائز بجائزة محمد سعيد ناود للقصة القصيرة. وأعتقد أن لجنة التحكيم قد وفقت في اختيار نص (الغزال المقدس) للقاص السوداني محمد عبد الله كبلّو.

    بالنسبة لي مثل النص إجابة جيدة على سؤال طالما أرقني عن جدل (الرسالة) في المنتج الإبداعي في علاقته مع (جماليات) وتقنيات الجنس الإبداعي المعني.

    وبما أن من المؤكد أن كل عمل إبداعي لا بد أن يحمل (رسالة ما) فإن السؤال يظل قائمًا حول مدى نجاح المبدع في اختيار التقنيات المناسبة لعرض رسالته ومن ثم مدى نجاحه في التزام هذه التقنيات والتقيد بقوانينها واستخدامها بالمهارة اللازمة في عرض (رسالته) تلك.

    وبالنسبة للسرد- والقصة القصيرة تحديدًا – فإن المقدرة على التقاط لحظة معينة وتخييلها بصورة (مدهشة) يمثل لحظة مفصلية في هنيئة الخلق السردي.

    سأحاول في ما يلي أن استعرض مدى نجاح (كبلو) في اختيار أدواته ولحظته السردية، ومدى مقدرته على أن يوظف تلكم اللحظة والتقنيات  السردية (بالمهارة) اللازمة لتسريب (قضيته).

    1. سحر العنوان:

    تبدأ لعبة (الغواية) في (الغزالة المقدسة بالعنوان. قلت في دراستي عن (ذكرى حروب قادمة) أن العنوان ليس مجرد (عتبة) كما درج النقاد على القول، بل هو في حقيقته (نص موازي) يؤشر للقارئ طريقه وهو يقرأ (السردية). والعنوان أيضًا من أهم أدوات (الإدهاش) و(الغواية) في السرد.

    وأكثر العناوين إدهاشًا وإغواءً العنوان الذي لا يتكشف معناه إلا من خلال القراءة. ولا يستبين سره إلا مع آخر كلمات السردية. فغزالة (كبلو) المقدسة يتم (فضحها) عبر السرد الشيق ليكتشف القارئ في ختام النص بأنه ليس ثمة غزالة- لا مقدسة ولا ملعونة- وأن الأمر لم يكن سوى استخدام (العنوان) لإغواء القارئ وإدهاشه ومن ثم لفضح (الإسلامويين) وأكاذيبهم وأحابيلهم.

    يفعل كبلو ذلك بتقنيات سردية يستخدمها بمهارة، بدون وعظ ولا إرشاد ولا عقلية (أستاذية) مضجرة.

    غزالة كبلو لم تكن سوى واحدة من عناصر أكاذيب برنامج (ساحات الفداء) التلفزيوني التي (سممت) أفكار العديد من شباب السودان وقادت الكثيرين منهم لمصائر (مأساوية). وبمهارة سردية متميزة (يفضح) كبلو (سحر) إسحق فضل الله الذي (زغلل) الكثير من العيون.

    1. الجملة الافتتاحية:

    يفتتح كبلو سرديته بمقطع (درامي) مدهش يقود فيه التساؤل البريء لطفلً إلى عواقب وخيمة:

    (نعم يا صغيري.. إني أسمعك..

    أحك مؤخرة عنقي بيدي، أطرق برأسي، وأقول بصوت خفيض أقرب للهمس:

    – أين يوجد؟ متى وجد؟ ومن أوجده؟

    يغمغم والدي دون أن ينظر إلي:

    – من هو؟

    أجيب ببراءة:

    – الإله..

    لم أتلق جواباً. ضربتني عاصفة من الركلات واللكمات والصفعات، ولّت بعدها تساؤلاتي هاربة لا تلوي على شيء. تركتني وحيداً حبيساً وسط جدران التابوات وسقفٍ شيدته اللعنات)

    وهو مشهد (شدني) لمتابعة باقي القصة بشغف لأصل للنهايات وأتابع مصائر ذلك الصبي الذي (عوقب) لمجرد التساؤل.

    3. اختيار اللحظة السردية:

    والحقيقة أن كبلو لم يكتف باختيار لحظة سردية ممتازة فقط وإنما أعمل فيها مبضع أدواته السردية بمهارة ليفضح السر والسحر. اتكأ كبلو في سرديته على (حكاية) واسعة الانتشار يكاد كل السودانيين يعرفونها. وهو (اتكاء) يدل على (ذكاء) ودراية بأسرار (التعليم). فالانتقال من (المعلوم) إلى (المجهول) واحد من أهم مبادئ التعليم. وما السرد في حقيقته إلا (تعليم) وتأسيس لـ(ذاكرة) جديدة عبر تقنيات مختلفة.

    4. التخييل:

    في اتكاءته على (أكذوبة) اسحق فضل الله لم يركن كبلو للكسل الذهني والمباشرة، وإنما أعمل مبضع التخييل (بمكر) ومهارة ليكسب (الأكذوبة) في نسختها المعدلة مصداقية (سردية). ثم يصعد في سلم المكر السردي (ليفضح) النسخة المعدلة ويبني على أنقاضها صورة (الإسلاموي) الذين يتخذ من الشعار (الديني) الجذاب ستارًا يخفي خلفه مطامعه الدنيوية وسلمًا يتسلقه الوصول لأهدافه لا علاقة لها بالدين، بل تتناقض معه، وتنقض أساسياته.

    وهو في (مكره) السردي (الذكي) يسرب من خلال أقصوصته المعدلة معانٍ مضادة تمامًا لما أراده (مبتدع) الأكذوبة الأصلية. بحيث يمكن الحديث هنا عن (تخييل التخييل). فأقصوصة/ أكذوبة إسحق هي في الأصل (تخييل)، وكبلو يغنيها بمزيد من التخييل المدهش.

    5. الإغناء:

    أقصد بـ(الإغناء) هنا لجوء القاص لحقول معرفية أخرى لإكساب نصه السردي أبعادًا أوسع. وكبلو يلجأ لحقل المعرفة التاريخية في تقصيه لمعنى (إبليس) في العصور المختلفة. وهو يستند على حقل علوم اللغة في تتبعه لدلالات اسم الشيطان في لغات متعددة. وهو يستلف الصور من حقل الجغرافيا في (وصوفاته) للأمكنة. وربما يكتشف القارئ بنفسه (حقولًا) أخرى اغترف منها كبلو ولم انتبه إليها في (قراءتي) هذه. وهو في كل ذلك الغوص للاغتراف يوظف ما (يستورده) من تلك الحقول المعرفية- المجاورة والبعيدة- لـ(إغناء) سرديته.

    6. العجائبية (من طابقين):

    إسحق فضل الله واحد من أمهر (السرادين السودانيين). لا يقدح في مهارته تلك كونه واحدًا من كوادر الكيزان في الجبهة الثقافية والأمنية. وكثيرًا ما وصفت كتاباته بأنها (الجودة في خدمة الشر). وهو إلى ذلك من أفضل (المفنتزين) في سردياته وأعماله السينمائية.. لكن كبلو يستند (بذكاء) و(مكر) على فانتازيا إسحق فضل الله ليبني فوقها طابقًا ثانيًا من (الفانتازيا). محققًا بذلك هدفين. فهو يفضح (فانتازيا) إسحق الأصلية وفي نفس الوقت يرسخ مصداقية طابق (الفانتازيا) الثاني الذي بناه فوقها.

    7. كشف السحر الأسود:

    على نسق ما فعل الكاتب الروسية ميخائيل بولغاكوف في فصل (كشف السحر الأسود) في روايته الملحمية (المعلم ومارغريتا)، يستخدم كبلو أدواته السردية لكشف العديد من الأكاذيب و(الأسحار) التي ضللت الكثيرين حول (الجهاد) و(التطهرية) كصفات مميزة لقيادات الإسلام السياسي التي حكمتنا لثلاث عقود من الظلام.

    8. الجملة الختامية:

    وتأتي أجمل عناصر السردية في خاتمتها التي احتفظ بها كبلو (سرًا مكنونًا) ليكمل بها جرعة الإدهاش المهولة في هذه السردية الرائعة. فالبطل في رحلته نحو الحقيقة ينتهي بالغرق في الضلال. وبدلًا من (الاستشهاد) يغوص في (القتل) لينتهي بالاغتيال. وهو في بحثه عن الفردوس يجد نفسه في الجحيم.

    وتلك نهاية (منطقية) تنسجم مع البداية التي يتلقى فيه الطفل الصفعات والركلات لمجرد سؤال طفولي بريء (أين الإله؟). ليحقق أخيرًا إنجازه الأوحد، أو خيبته الكبرى، حين يجد نفسه في (حضرة) (بروميثيوس – بعلزبوب- عزازيل- إبليس- الشيطان) والذي كان تساؤله البريء عن (الإله) سببًا في بداية رحلته إليه. كأني أرى كبلو يعيد إنتاج مقولات (الحلاج) عن الشر… تلك المقولات التي دفعت أحد قضاته للتساؤل مستنكرًا:

    (أتراك تريد تقول

    الشر قديم في ملكوت الله؟)

    شكرًا لجائزة محمد سعيد ناود التي أتاحت لنا هذه الفرصة في الاستمتاع بقراءة سردية كبلو (الجميلة- الجاذبة- المدهشة) والتي قالت الكثير مما كنت أود قوله.

    الغزال المقدّس (قصة قصيرة)

    القصة الفائزة بجائزة محمد سعيد ناود للقصة القصيرة، في نسختها السابعة.

    بقلم/ محمد عبد الله كبلّو*

    يجيبني والدي دون أن تفارق عيناه الصحيفة التي بين يديه:

    – نعم يا صغيري.. إني أسمعك..

    أحك مؤخرة عنقي بيدي، أطرق برأسي، وأقول بصوت خفيض أقرب للهمس:

    – أين يوجد؟ متى وجد؟ ومن أوجده؟

    يغمغم والدي دون أن ينظر إلي:

    – من هو؟

    أجيب ببراءة:

    – الإله..

    لم أتلق جواباً. ضربتني عاصفة من الركلات واللكمات والصفعات، ولّت بعدها تساؤلاتي هاربة لا تلوي على شيء. تركتني وحيداً حبيساً وسط جدران التابوات وسقفٍ شيدته اللعنات.

    ولدتُ في بيت مسلم، فأصبحتُ مسلماً فقط لهذا السبب. أمروني بالصلاة فلم أصلِ، ولما بلغت العاشرة ضربوني فصليت. أخبروني عن وحدانية الله، فاعتنقت المعتقد دون تفكير. داهمتني المراهقة سريعاً فوجدْتُني مقسوراً على المشاركة في معركة التفكير، أخوض صراعاً مع عقلي، وأقاوم الغرق في بحر لجيّ من التساؤلات، تحملني أمواج الهرمونات المضطربة لتضرب بي صخور الشك فأمسك رأسي وأعوي متألماً.

    بحثتُ مطولاً بين عشرات الكتب والمحاضرات الدينية عن اجابات شافية لتساؤلاتي، وليتني لم أفعل، لم أجد أجوبة بل سيولاً ملأى بالغثاء، وكلما توقفت السيول عن الجريان وجف ماؤها، ظهرت حشائش الغموض اليابسة على سطح الأرض. ومما زادني تخبطاً هو ما عرفته عن المخلوق الذي يمثل محور الشر، ذلك الكائن اللعين الذي عبده الفينيقيون في عقرون، ومثّله بروميثيوس في الميثولوجيا الإغريقية، يسميه الفريسيون ب(بعل زبوب)، أغلب اليهود يطلقون عليه اسم (بعلزبول)، وورد في سفر اللاويين باسم (عزازيل)، أما عند المسلمين فهو يعرف باسم إبليس أو الشيطان، إنه إله المتنورين.. لوسيفر.. حامل الضوء، يُعرف عند البعض بالملاك الساقط، بينما يصر الكثيرون على أنه خرافة ولا وجود له البتة. على المستوى الشخصي أُفضل استخدام كلمة إبليس عند الحديث عن هذا الجنّي الحقير، لا أدري لماذا إبليس بالذات دون باقي الأسماء! على الأرجح هو عشقي لصوت الهمس الذي يصدر عند الوقوف على السين الساكنة، أو ربما هو تشابه الأحرف المكونة لهذه الكلمة مع حروف الاسم الأنثوي المفضل لدي – ألِيس.

    مرت السنوات ببطء. دخلتُ الجامعة. ما زلت ذلك المراهق الغريق، أبحث عن كينونتي. ما زلت أتخبط في تيه الحياة، أسلك ممرات لا تفضي إلى أي مكان، أبحث عن هويتي، عن انتمائي. كنت ضمن زمرة من الأشخاص الذين جعلوهم فانجعلوا، هم لا يبدوا عليهم الضيق، رضوا بما رُسِم لهم من ملامح شوهاء، أما أنا فما زلت أبحث عن قلمٍ جديد أرسم به ملامح واضحة وبلا تشويه.

    كانوا هناك.. نما الشعر على وجوههم، طُبِعت علامة الصلاة على جباههم، يلقون عليك السلام كلما رأوك، بشوشين مبتسمين، تبدو عليهم سمات الصلاح والإيمان. حدثوني عن الإله ونبيه، أخبروني عن الجنة ونعيمها، أرهبوني من الجحيم وويلاته. اشرأبت تساؤلاتي المقهورة ومدت عنقها محاولة الخروج من زنزانة التابو، فكنت لها بالمرصاد، قمعتُها وأعدت حبسها. تحسستُ وجهي وكأنما نالني من لكمات وصفعات قبل سنوات لم يمض عليه سوى دقائق معدودة، أصابني الذعر واضطربت دقات قلبي، فنفضتُ رأسي بقوة، وعقدتُ العزم على إعدام التساؤلات المقهورة في تلك اللحظة؛ سأقودها إلى حبل المشنقة قبل أن تقودني هي إليه.

    نبت الشعر على وجهي، واظبتُ على ضغط جبهتي على الأرض بقوة أثناء السجود، استعنت بحجر أملس صغير، أخيراً أصبحت واحداً منهم، تُزَيّنُ محياي علامات الصلاح والتقوى. طلّقتُ الدارجة وتزوجتُ الفصحى، فأصبحتُ أكثر اقناعاً لزمرة التائهين الذين يبحثون عن هوية وانتماء. واظبتُ على حضور الدروس الدينية والخطب التي يلقيها الشيخ الأشيب. وصلتُ إلى الحقيقة لأول مرة؛ حقيقة الخلق والوجود. لقد خُلِقنا للعبادة فقط! فإما أن نقوم بها على الوجه الأكمل وبذلك ننتمي إلى فريق المؤمنين، أو نقصر فيها وننسلخ من هذا الفريق لننضم إلى جند إبليس.

    علموني أن كل فعلٍ عبادة، وأن العبادة لا تقتصر على الصلاة، والصيام، والزكاة. علموني أن قتل جنود إبليس عبادة، تعذيبهم عبادة، استحلال أموالهم وأعراضهم عبادة، وحتى اغتصابهم يقربنا إلى الله زلفى.

    أبليتُ بلاء حسناً في جهادي ضد جند إبليس من الطلاب أيام الجامعة، فقأتُ أعيناً وكسرتُ عظاماً، وهشمتُ جماجماً شتى، لم أفرق بين رجل وامرأة، فجميعهم يتساوون في الفسق والزندقة. لم أشعر بالذنب يوماً، فلا مكان لتأنيب الضمير أثناء الجهاد.

    لطالما تساءلتُ عن الغباء الإنساني، حيرني قصر نظر العباد وسطحيتهم!

    إنهم لا يفهمون، عليهم اللعنة!

    لا أدري أين الصعوبة في إدراك حقيقة الوجود؟!

    خُلِقنا لنعبد الإله حتى نموت، بعدها سنُبعث لنحاسَب حساباً عسيراً قبل أن يتحدد مصيرنا، جحيم أو نعيم. ثمة وسائل مساعدة وهبنا إياها الإله بحكمته العظيمة حتى نتفادى الحساب العسير، تذاكر مجانية وصكوك غفران، ضمان إلهي لدخول الفردوس الأعلى بلا حساب. أنا لا أفهم! ما الصعوبة في فهم هذا؟

    عقدتُ العزم على دخول الفردوس الأعلى دون حساب. استندتُ على إيماني وشددت على يقيني، ثم ارتديت الزي العسكري، وربطتُ العصابة الحمراء حول جبهتي قبل أن أنطلق في رحلتي إلى الفردوس. قريباً جداً سأتزوج بسبعين حوراء. ثمة قومٍ فاسقين في عددٍ من ولايات دولتنا الدينية، جنّدهم إبليس اللعين ضمن جيش أعداء الرب، يجب محاربتهم حتى ينضموا لديننا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون. جهادهم فرض عين على كل قادر على حمل السلاح.

    كنت ضمن جيش عرمرم من المجاهدين، جيش جند الرب العظيم. شجتنا الأناشيد الجهادية طوال الطريق. لم تمنعنا مشقة السفر الطويل عن صيام التطوع، ما أجمل أن تزف إلى الحور وأنت صائم! لست متأكداً من صدق نيتنا، هل كنا نصوم تقرباً إلى الرب أم بسبب القُترة وشحّ الغذاء؟! لا يهم..

    نفذت مؤونتنا وأصابنا السَّغاب. لم نجزع ولم نحزن، فالإله لن ينسى جنوده. أخبرنا أحدهم أن الشيخ الأشيب كان قد حدثهم عن صلاة المسغبة، صلاة شبيهة بصلاة الجنازة في طقوسها مع اختلاف بسيط، فبدل الدعاء للميت سنقوم بدعاء الجوع، كما أنها صلاة جهرية.

    صلينا وسألنا الإله أن يرسل علينا المن والسلوى. تهدج صوت الإمام أثناء الدعاء وبكى المصلون حتى ابتلت لحاهم. ربما كان بكاؤهم خوفاً من الإله، ولكن بكائي كان بسبب عقارب الجوع التي كانت تقرصني بلا رحمة. بكيت حتى ابتلت الشعرات القليلة المتناثرة على وجهي، بللتها الدموع فالتصقت بالجلد، وغدا وجهي المغبر أشبه بورقة سمراء حاول مصاب بالشلل الرعاش رسم خطوط مستقيمة عليها بحبرٍ أسود. وقبل أن نفرغ من الصلاة لمحنا غزالاً جميلاً أبيض اللون. هلل المصلون للمعجزة وقطعوا صلاتهم. وجدتُني أقف وحيداً بعد أن هرع الجميع إلى الغزال، لم أكترث بإكمال الصلاة.. لن أخالف أمير المجاهدين.. إذا صلى سأصلي خلفه، وإذا جرى فسأجري وراءه.

    بمجرد وصولنا إلى الغزال حدثت معجزة أخرى، زادتني إيماناً ويقيناً بأنني ضمن أعضاء الفرقة الناجية، حمدت الإله وشكرته لأنه أبعدني عن الفرق الأخرى. اثنتان وسبعون فرقة في النار ولا أنتمي لأيٍ منها! سالت دموعي مجدداً، ولكن بسبب الفرح هذه المرة. وقفت مشدوهاً وأنا أشاهد غزالاً بلون الثلج يسقط أمامنا أرضاً ثم يذبح نفسه بنفسه، سالت دماؤه، المعبقة برائحة المسك، على الأرض بغزارة ثم ما لبثت أن تلاشت تماماً. سلخ الغزال المذبوح جلده دون أدنى تدخل من جانبنا، ثم تلاشى الجلد المسلوخ كما تلاشت الدماء من قبل. أما رائحة المسك فلم تتلاشَ تماماً، ولكنها خَفَّت في حدتها بعد أن طغت عليها رائحة الشواء. يا للمعجزة! هل شوى الغزال نفسه بنفسه؟ لم أهتم بالبحث عن إجابة فقد انقضضت على اللحم المشوي وانهمكت في التدافع مع باقي الجنود.

    دفعتُ الناس من حولي بغلظة، صرختُ في وحشية، صرختُ من الألم ومرفق أحدهم يغوص عميقاً في بطني، شتمته بأقذع الألفاظ. أحسست بشيء صلب تحت أقدامي فنظرت تحتي، كنت داعساً على رأس أصلع بحذائي العسكري الثقيل، نظرت إلى باقي جسده فلم أتمكن من رؤيته، كان مدفوناً تحت عشرات الأقدام. لا بد أن هذا الجندي قد غادر إلى الفردوس مبكراً! غادر على عجل قبل يأكل لحم الغزال المقدس. وبما أن الشاة لا يضيرها سلخها بعد ذبحها فقد قمت بالضغط على رأسه بقوة حتى سمعت قرقعة عظام جمجمته وهي تتهشم تحت وطأة حذائي. لا بد لي من الارتكاز جيداً حتى لا تزلّ قدمي وأواجه نفس مصيره المأساوي. هل أصبحت أهاب الموت في سبيل الرب؟! خرج المخ من مكمنه ملطخاً بالدماء، أصبحت رأسه مسطحة، انزلقت فروة رأسه من مكانها كقشرة موز، وكشفت بياض جمجمته التي تهشم معظمها. كادت قدمي تزلّ بسبب الفروة المتحركة. شتمته ولعنته ولكن لم أستطع البصق عليه بسبب التدافع والزحام. لا يضيرني اقتراف الذنوب، فأنا أملك صك الدخول إلى الجنة بغير حساب.

    الآن أنا أقترب من اللحم المشوي.. بضعة أمتار فقط تفصلني عن النعيم..

    أحطتُ عنق جنديٍ كان يسد الطريق أمامي بذراعي وخنقته حتى فقد وعيه وتهاوى أرضاً. أخرجت خنجري من غمده وسددت طعنة نافذة إلى جندي آخر كان يحول بيني وبين الطعام. غرستُ نصل الخنجر حتى آخره في مؤخرته. صرخ عالياً ولكن صرخته ضاعت وسط ضجيج الصراع الدائر. تلطخ سرواله بالدماء. لم يلحظ أحد شيئاً.. حتى المطعون نفسه لم يعرف من طعنه! تركت الخنجر مغروساً في مؤخرته.. سأستعيده لاحقاً بعد أن أشبع.

    ضربني أحدهم بقوة على مؤخرة رأسي. أحسست بالدماء تسيل ساخنة وتغرق عنقي وظهري. سقطتُ إلى الأمام على وجهي. كدت أفقد الوعي، ولكني تمالكت نفسي حين أدركت بأني سقطت فوق كومة من اللحم المشوي. أخيراً نجحت.

    غرستُ أصابعي العشرة في اللحم المشوي.. كان ساخناً.. صرخت من الألم، ولكني تحملت أوجاع الحرق في سبيل تسكين آلام الجوع. الآن سآكل وأشبع، ولكن… هيهات.. لقد قام أربعة من رفاق الجهاد بإمساك ساقيّ وشدي محاولين سحبي إلى الوراء وهم يُكبّرون، حاولوا إزاحتي عن اللحم حتى يتسنى لهم الوصول إليه. فشلت في مقاومتهم، فتشبثتُ بفخذ الغزال بكل ما أوتيت من قوة. استمروا في سحبي إلى الوراء. كنت محتضناً الفخذ المشوي ولم أفلته أبداً. نجحوا أخيراً في ازاحتي عن طريقهم، ولكني حصلت على غنيمة لم يتسنى لأحد منهم الحصول عليها. لقد نجحت في فصل الفخذ المشوي عن بقية جثة الغزال.

    نهضتُ واقفاً وأنا أحتضن الفخذ الساخن. أصيب صدري بالحروق وانسلخ بعض جلده. الألم كان شديداً، ولكن ألم الجوع أشد. الدماء ما زالت تسيل من مؤخرة رأسي بغزارة. مادت بي الأرض ولكني تماسكت. حتماً هو نقص مستوى السكر بسبب الجوع الشديد.

    فجأة شتمني أحدهم ولعنني قبل أن يكبّر بصوت جهير، ثم يوجه لكمة خاطفة إلى وجهي. سقطت على ظهري ولم أفلت الفخذ المشوي. جاء من لكمني وحاول انتزاعه من بين أحضاني، فاستبسلت في الزود عنه حتى وأنا مستلق على الأرض خائر القوى، فما كان من مهاجمي إلا أن داس على وجهي بحذائه، وضغطني بقوة أثناء محاولاته المستميتة لانتزاع الغنيمة. كتم حذاؤه أنفاسي فانقطع إمداد الأوكسجين عن مخي، تراخت عضلاتي، وأخيراً أفلتُّ الطعام. رأيت المعتدي يبتعد عني خطوات قليلة قبل ان يجلس القرفصاء ويطلق تكبيرة عالية، بدأ بعدها في نهش اللحم بأسنانه بشراهة كذئبٍ مسعور. لم يكترث بشد العصابة الحمراء التي تراخت وانسدلت لتغطي عينه اليسرى. نظرت صوب جثة الغزال.. ما زالوا يصطرعون حولها في شراسة. قلّ عددهم كثيراً بعد سقوط مزيد من الموتى والجرحى.

    بعدها حدث كل شيء بسرعة.

    تعالى عواء الذئاب..

    هجم العشرات منها على جنود جيش الرب. لم تبقي على أحد حي. التهمَتْ لحم الغزال ولحم البشر حتى أصابتها التخمة. أما أنا فقد كنت فريسة سهلة لجرائها. أحاطوا بي، تشمموا ملابسي ورأسي عدة مرات قبل أن يطبق أحدها أنيابه على رقبتي. بعدها أظلمت الدنيا من حولي تماماً.

    لبثتُ دهراً من الزمان قبل أن أستعيد وعيي، أو هكذا ظننت. النيران منتشرة في كل مكان حولي، الحر لا يطاق، السماء حمراء، تحجب معظم أرجائها سحب دخان سوداء.

    كان واقفاً هناك.. كائن بشع.. بلا شكل محدد..

    سألتُه بصوتٍ مرتجف:

    – من أنت وأين أنا؟

    أطلق ضحكة مخيفة قبل أن يقول بصوت أجش:

    – مرحباً بك يا بني.. لقد أبليت بلاء حسناً.. أنا فخور بك وبإخوتك.. فخور بكم يا أبنائي الأعزاء.

    عَصَبَ ريقي بفمي، وأصبت بالغثيان، وخفق قلبي بقوة. كررتُ عليه السؤال مجدداً، فأجاب قائلاً:

    – عبدني الفينيقيون في عقرون، مثّلني بروميثيوس في الميثولوجيا الإغريقية، أطلق علي الفريسيون اسم (بعل زبوب)، بينما يسميني أغلب اليهود ب(بعلزبول)، ورد ذكري في سفر اللاويين باسم (عزازيل)، أما عند المسلمين فأنا أعرف باسم إبليس أو الشيطان. أنا لوسيفر إله المتنورين.. أنا حامل الضوء، وأنت أحد أبنائي؛ فمرحباً بك إلى الجحيم.

    *د. محمد عبد الله كبلّو : قاص وطبيب سوداني.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا