كرامة !

الجمعة 27 آذار/مارس 2020
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

قصة قصيرة

خاص : بقلم – كرم صابر :

مصر

لم أتصور أن يُعاملني حبيبي بهذه القسوة، كل ذنبي أنني أحببته وأخلصت لفؤاده، في الليالي المظلمة لم يحنَّ على قلبه ويطمئنه سواي.

كيف طاوع عقله ليسحبني من الزريبة، ويركبني ويداعب جوانبي بقدمه، ويغفِّلني بحدثيه عن عشرتنا الطويلة ساعات، ثم فجأة يهرب ويُسلم خَدَمَتِي لرجل السوق الأخرق.

حذرتني أمي كثيرًا من فرط حبي، وأشفقت على قلبي الضعيف الذي عشق عيونه، لكنه وللأمانة ومنذ ولادتي وهو يرعاني ويطعمني ويمنع عني أذى أولاد الأبالسة.

كنت أراقبه قبل نومه على الحصيرة بجواري وهو ينظر لعيوني بحب، ويحلم بركوبي وسط الحقل وهو يقبلني وينتشي.

عندما يفتح عينه في الصباح، يبتسم في وجهي ويفرد طوله، وقبل تناوله أي لقمة يحل قيدي لأشرب من حوض الطلمبة، ويضع أمامي العلفة، ويمسح ظهري ووجهي ويُقبل خدودي، ويضع البردعة الحمراء فوقي، ويركبني كالفارس ويرمح على الجسر.

الآن أنا بحوزة رجل السوق الذي يؤجر كل شيء.. العربات، الملابس، المواشي، الكلاب، ولا يتوانى كما سمعت من البط والجديان عن تأجير امرأته بالساعة لقاء عشر قطع فضية.

رجل السوق متجهم ولص، وعيونه ناعمة كالذباب، لكنه لا يفهم أن هناك كائنات رقيقة لا تصلح للتأجير ولا تقبل الإهانة.

بمجرد إمساكه لخَدَمَتِي نظر بغضب ناحيتي وبصق على وجهي، وشدني كالخاطية، وعلقني في عربته، وضربني بالأمْشَة لأجره هو وحمولته إلى عربخانته.

حاولت إفهامه بأنني لم أخلق للجر، وطوال عمري كنت ركوبة صاحبي الذي يضع البردعه فوق ظهري بشموخ ويركبني معتزًا بجمالي.

لكن المجرم لم يفهم أنيني، ولطخني بالأمْشَة على رأسي، فحرنْتُ ورفست العريش بأقدامي، فواصل جنونه ولطم خدوده، وصرخ: دفعت فيك الغالي والنفيس يا قحبة، يجب أن تعملي بثمنك.

سب الدين وزبد، وأنا أنهِّق وأبكي، ليفهم أنني حمارة ولست بغلة، لكن رأسه وألف سيف أن أجرَّ عربته وإلا قطع رقبتي.

صاحبي كان يفهمني بإشارة عيوني، لكن هذا الرجل المتغطرس لا يفهم إلا في “حا، وشِي”، ولا يعرف إلا لغة الأمْشَة كي يجبرني على السير في طريقه.

“ظايط” المخبر رآني فتفشَّى في أسري بيد المحتال، اقترب من جسدي وركلني في جنبي، وأخرج مسمارًا من جيبه ونغزني برقبتي، ووصى رجل السوق لكسر أنفي قائلًا: دي حمارة شرموطة، وياما رفست ناس ياما.

العَرِيش والخَدَمَة شعرا بعذابي وألمي، فساعداني كي أتملص من المجرم وأهرب، طرت كالرهوانة وسط المدقات والحواري، أبحث عن صاحبي، لأفهم كيف استغنى عن عيوني الطيبة، ورماني كالخرقة في يد رجل مصاب بالمنخوليا.

بعد مسيرة طويلة، وهناك خلف جرف منحدر بجوار النهر قابلته وهو يمتطي حمارة أخرى سمراء، ويركب عليها فوق بردعتي الحمراء، أخفيت وجهي في حياء ونهقت بصوت خفيض أنبهه إلى وجودي.

عندما رأى عيوني نزل من فوق ركوبته الجديدة، وترجل ناحيتي وقبلني، مسح دموعي قائلًا: اضطررت لبيعك لاحتياجي للقرش، ركوبتي الجديدة رخيصة وتؤدي الغرض بأقل التكاليف، لا أحد يُمكنه تعويضي عن حبك يا حياتي.

أفهمته أنني هربت وأبحث عن مأوى، ولا يمكنني الاستغناء عن وجوده، عاينت برْدَعتي فوق ركوبته الجديدة بحزن، فواستني وأعادت حكايتها عن بهجة صانعها المخلص “أسعد البرادعي” الذي لم يستغن عنها حتى موته، وقام أولاده بعد أحتياجهم للقمة ببيعها إلى صاحبي.

نادتني البرْدَعة بالهانم، وقالت بأنها لم تر في حياتها حمارة أجمل مني، فأغتاظ صاحبي وحمارته الجديدة من حديثها الشجي معي، فزمجر ووضع القيد في رقبتي، وسحبني محاولًا إرجاعي لعربخانة رجل السوق.

رفسته مزعوجة من قلبه الميت، وجريت كالطوفان هاربة على المدقات حتى عثرت على عشة صغيرة بجانب ضفة مصرف مهجور.

دخلت بين خوصها وشعرت بالأمان فنمت، ورأيت بأحلامي يمامًا وجواميس وبغالًا، يتأبطون أيادي بعضهم ويطيرون فوقي ويغنون لقلبي المحطم.

شدوني من الخص، ووضعوا بجوانبي أجنحة ورقُّوني، وقالوا: أنتِ حرة ولا يستحق أحد حزنك، فوقي يا حمارة.

تيقظت وكان نور الشمس مفرود على كل الدنيا، فقلت لنفسي بصوت مسموع: لن أكون مُطية لأحد مرة أخرى، لن أسمح للخونة بركوبي، لن أجر حمولة أي سافل مادمت على قيد الحياة.

تمت

النص من مجموعة (كائنات حية)..



الكلمات المفتاحية
قصة قصيرة كرم صابر مصر

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.