الثلاثاء 29 نوفمبر 2022
18 C
بغداد

    قصة الحضارة (36): أحاطت الشعوب البدوية بالممالك القوية في الشرق الأدنى

     

    خاص: قراءة- سماح عادل

    يتناول الكتاب باقي الشعوب التي كانت تقطن في منطقة الشرق الأدني، وبدأ بالشعوب الهندوأوربية. وذلك في الحلقة السادسة والثلاثين من قراءة “قصة الحضارة” الكتاب الموسوعي الضخم وهو من تأليف المؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت”، ويتكون من أحد عشر جزء.

    مسرح الأجناس..

    الشعوب الهندوربية..

    انتقل الكتاب للحديث عن الأجناس الأخرى التي كانت تعيش في منطقة الشرق الأدنى: “كان الشرق الأدنى في عهد نبوخد نصر يبدو للعين البعيدة الفاحصة كأنه بحر خضم يتلاطم فيه خليط من الآدميين، يأتلفون ثم يتفرقون، يستعبدون ثم يُستعبدون، يأكلون ويُؤكلون، ويَقتلُون ويُقتلَون إلى غير نهاية وكان من وراء الإمبراطوريات الكبرى ومن حولها، مصر وبابل وأشور والفرس يضطرب هذا الخليط من الشعوب نصف البدوية نصف المستقرة: الكمريين، والقليقيين، والكيدوكيين، والبثونيين، والأشكانيين، والميزيين، والميونيين، والكرييين، والبمفيليين، والبزيديين، واللوكوانيين، والفلسطينيين، والعموريين، والكنعانيين، والإدميين، والعمونيين، والمؤابيين، وعشرات العشرات من الشعوب الأخرى التي كان كل شعب منها يظن نفسه مركز الأرض ومحور التاريخ، ويعجب من جهل المؤرخين وتحيزهم إذ لم يخصوه إلا بفقرة أو فقرتين في كتبهم.

    وكان هؤلاء البدو طوال تاريخ الشرق الأدنى خطراً يهدد الممالك التي كانت أكثر منهم استقراراً، والتي كانوا يحيطون بها من كل الجهات تقريباً”.

    وعن هجوم تلك الأجناس على الممالك القوية يذكر: “وكان الجدب يدفع بهم من حين إلى حين إلى هذه الأصقاع الغنية فتشب بينها وبينهم الحرب، أو يتطلب منها ذلك الاستعداد الدائم للحرب. وكان الذي يحدث عادة أن تموت المملكة المستقرة وتحيا من بعدها القبيلة البدوية التي اجتاحت أراضيها في آخر الأمر. والعالم مليء بالأصقاع التي ازدهرت فيها الحضارة في يوم من الأيام والتي عاد البدو يجوسون خلالها من جديد”.

    الميتانيون والحيثيون..

    ويواصل عن الشعوب: “وفي بحر الأجناس المتلاطم أخذت بعض الدول الصغرى تتشكل، ويكون لها نصيب صغير في تراث الجنس البشري، وإن لم يزد نصيبها هذا على أن تكون ناقلة وموصلة. ويهمنا من هذه الشعوب الميتانيون وليس ذلك لأنهم أعداء مصر الأقدمون في الشرق الأدنى بل لأنهم أول الشعوب الهندوروبية التي عرفناها في آسية، ولأنهم أول عبدة الآلهة- مثرا، وإندرا، وفرونا- التي انتقلت منهم إلى فارس والهند، فأعانتنا بانتقالها على تتبع حركات الجنس الذي كان يطلق عليه من قبيل التيسير الجنس “الآرى”.

    وكان الحيثيون من أقوى الشعوب الهندوروبية القديمة ومن أكثرها حضارة وأكبر الظن أنهم جاءوا عن طريق بسفور والهسبنت (الدردنيل) وبحر إيجه، أو عن طريق القفقاز، واستقروا طبقة عسكرية حاكمة تسيطر على الزراع سكان البلاد الأصليين في شبه الجزيرة الجبلية الواقعة جنوبي البحر الأسود والمعروفة الآن باسم آسية الصغرى. ونراهم حوالي عام 1800 ق.م مستقرين قرب منابع دجلة والفرات، ثم نشروا بعدئذ جيوشهم وبسطوا نفوذهم في سوريا، وأقلقوا بال مصر القوية حيناً من الزمان. ولقد رأينا كيف اضطر رمسيس الثاني أن يعقد الصلح معهم وأن يقروا لملك الحيثيين بأنه نده.

    واتخذ الحيثيون عاصمتهم عند بوغاز كوي وجعلوا أساس حضارتهم في أول الأمر الحديد الذي استخرجوه من الجبال المتاخمة لأرمينية، ثم الشرائع التي تأثرت كثيراً بشرائع حمورابي، ثم ما طبعوا عليه من إدراك ساذج للجمال حفزهم إلى نحت تماثيل مجسمة ضخمة سمجة أو نقرها في صخور الجبال.

    وكانت لغتهم تنتمي في أكثر ألفاظها إلى أسرة اللغات الهندوروبية؛ وقد حل رنزني رموزها من عهد قريب بدراسة الاثني عشر ألف لوح التي عثر عليها هيوجو ونكلر في بوغاز كوي، وهي في اشتقاقها وتصريفها شديدة الشبه باللغتين اللاتينية واليونانية، ومن كلماتها البسيطة ما هو ظاهر القرابة للكلمات الإنكليزية وكان للحيثيين خط تصويري يكتبونه بطريقتهم الخاصة العجيبة. إذ كانوا يكتبون سطراً من الشمال إلى اليمين، ثم يكتبون السطر الذي يليه من اليمين إلى الشمال، ثم من الشمال إلى اليمين وهكذا دواليك. وأخذوا الخط المسماري عن البابليين، وعلموا أهل كريت صنع الألواح الطينية ليكتبوا عليها؛ ويظهر أنهم اختلطوا بالعبرانيين الأقدمين اختلاطا شديد أكسب هؤلاء أنفهم الأقني الشديد القنا. ومن ثم فإن من واجبنا أن نعد هذه الخاصة العبرية “آرية” حقة”.

    ويضيف عن الحوثيين: “ومن الألواح التي بقيت إلى هذه الأيام ما يحتوي على مفردات حيثية وما يقابلها باللغتين السومرية والبابلية؛ ومنها ما هو أوامر إدارية تكشف عن دولة عسكرية ملكية متماسكة؛ ومنها حطام ألواح تبلغ عدتها مائتين تحوى على طائفة من القوانين من بينها قواعد لتحديد أثمان السلع. ولقد اختفى الحيثيون من صفحة التاريخ اختفاء يكاد يشبه في غرابته وغموضه ظهورهم فيها، فقد اندثرت عواصمهم واحدة بعد واحدة- ولعل سبب اندثارها أن ميزتهم العظيمة التي فاقوا بها غيرهم من الشعوب، وهي معرفة الحديد، أضحت في متناول منافسيهم. وسقطت قرقميش آخر عواصمهم في يد الآشوريين عام 717 ق.م”.

    الأرمن..

    وعن الأرمن يحكي الكتاب: “وكان إلى شمال بلاد أشور أمة مستقرة إذا قيست إلى غيرها من الأمم، يعرفها الآشوريون باسم أرارتو، والعبرانيون باسم أرارات، ومن جاء بعدهم من الأمم باسم الأرمن. واحتفظ الأرمن بحكومتهم المستقلة، وعاداتهم وفنونهم الخاصة، قروناً كثيرة تبدأ قبل فجر التاريخ المدون، وتستمر إلى أن بسط الفرس سلطانهم على آسية الغربية بأجمعها. وأثروا في أيام أرجستس الثاني أعظم ملوكهم (708 ق.م) من تعدين الحديد وبيعه في بلاد آسية واليونان، وبلغوا درجة عظيمة من الرخاء وسهولة العيش والحضارة والآداب العامة، وشادوا المباني العظيمة من الحجارة، وصنعوا المزهريات والتماثيل الصغيرة الجميلة الدقيقة. ولكنهم أضاعوا ثروتهم في الحروب الهجومية الكثيرة النفقات، وفي صد غارات الآشوريين عن بلادهم. ثم بسط عليهم الفرس سلطانهم في أيام قورش الفاتح.

    وإلى شمال الأرمن وعلى ضفاف البحر الأسود، كان يتجوّل السكوذيون وهم عشائر حربية تتألف من خليط من المغول والأوربيين، جبابرة متوحّشون ملتحون، يقيمون في عربات، ويبقون نسائهم في عزلة شديدة، ويركبون الخيل البرية عارية، يحاربون ليعيشوا، ويعيشون ليحاربوا ويشربون دماء أعاديهم، ويتخذون جلود رؤوس هؤلاء الأعداء قطائل لهم. اضعفوا أشور بغاراتهم الدائمة عليها، واجتاحوا غرب آسية (حوالي عام 630- 610 ق.م) وأخذوا يدمرون في طريقهم كل شيء ويقتلون كل إنسان.

    وتقدموا إلى مدن دال النيل نفسها، ثم فشا فيهم وباء غريب مجهول قضى على عدد كبير منهم، وغلبهم آخر الأمر الميديون، وردوهم على أعقابهم إلى مساكنهم في الشمال . وإنا لنلمح في هذه القصة ومضة أخرى من المأساة التي تتكرر على الدوام في جميع العصور، وهي ما تفعله القبائل الهمجية الرابضة وراء الأمم القديمة جميعها والمحيطة بها”.

    الفريجيون..

    ويكمل: “وظهرت في أواخر القرن التاسع قبل الميلاد قوة جديدة في آسية الصغرى، ورثت بقايا الحضارة الحيثية، وكانت حلقة اتصال بينها وبين ليديا وبلاد اليونان. وكانت الأساطير التي حاول بها الفريجيون أن يفسروا للمؤرخين المتشوفين قيام دولتهم قصة رمزية لقيام الأمم وسقوطها. فهم يقولون أن جورديوس أول ملوكهم كان فلاحاً بسيطاً لم يرث من أبويه إلا ثورين اثنين، وأن ابنه ميداس ثاني أولئك الملوك كان رجلاً متلافاً أضعف الدولة بشراهته وإسرافه اللذين مثلهما الخلف بالأسطورة المأثورة التي تقول إنه طلب إلى الآلهة أن تهبه القدرة على تحويل كل ما يمسه إلى ذهب. وأجابت الآلهة طلبه فكان كل ما يمس جسمه يستحيل ذهباً حتى الطعام الذي تلمسه شفتاه. وأوشك الرجل أن يموت جوعاً، لكن الآلهة سمحت له أن يطهر نفسه من هذه النقمة بأن يغتسل في نهر بكتولس- وهو النهر الذي ظل بعدئذ يخرج حبوباً من الذهب.

    واتخذ الفريجيون طريقهم من آسية إلى أوربا وشادوا لهم عاصمة في أنقورة، وظلوا وقتاً ما ينازعون أشور ومصر السيادة على الشرق الأدنى، واتخذوا لهم إلهة- أُمَّا ُتدعى ما، ثم عادوا فسموها سيبيل، واشتقوا هذا الاسم من الجبال (سيبيلا) التي كانت تعيش فيها، وعبدوها على أنها روح الأرض غير المنزرعة، ورمز جميع قوى الطبيعة المنتجة. وأخذوا عن أهل البلاد الأصليين طريقة خدمة الإلهة بالدعارة المقدسة، ورضوا بأن يضموا إلى أساطيرهم الشعبية القصة التي تقول إن سيبيل أحبت الإله الشاب أرتيس وأرغمته على أن يخصي نفسه تكريماً لها. ومن ثم كان كهنة الأمم العظيمة يضحون لها برجولتهم حين يدخلون في خدمة هياكلها. وقد سحرت هذه الخرافات الوحشية لب اليونان وتغلغلت في أساطيرهم وأدبهم. وأدخل الرومان الإلهة سيبيل رسمياً في دينهم، وكانت بعض الطقوس الخليعة التي تحدث في حفلات المساخر الرومانية مأخوذة عن الطقوس الوحشية التي كان الفريجيون يتبعونها في احتفالهم بموت أرتيس الجميل وبعثه.

    وانتهى سلطان الفريجيين في آسية الصغرى بقيام مملكة ليديا الجديدة التي أسسها الملك جيجيس واتخذ سرديس عاصمة لها. ثم حكمها أليتيس أربعين سنة بلغت في خلالها درجة عظيمة من الرخاء والقوة ثم ورثها كروسس (570- 546 ق.م) واستمتع بها أيما استمتاع، ووسع رقعتها بما فتحه من أقاليم جديدة شملت آسية الصغرى جميعها تقريباً، ثم أسلمها آخر الأمر إلى الفرس واستطاع بفضل الرشى السخية التي كان يقدمها للساسة المحليين أن يخضع إلى ليديا الدويلات التي كانت تحيط بأملاكه واحدة بعد واحدة، كما استطاع بضحاياه المنقطعة النظير والتي كان يقدمها قربانا إلى الآلهة المحلية أن يهدئ من غضب شعوب تلك الدويلات، وأن يقنعها بأنه حبيب آلهتهم”.

    ليديا..

    وعن ليديا: “وامتاز كروسس عن غيره من الملوك بسك نقود ذهبية وفضية ذات شكل بديع تضربها الدولة وتضمن قيمتها الاسمية. وليست هذه هي أولى المسكوكات الرسمية التاريخية كما اعتقد المؤرخون زمناً طويلاً؛ وليست هي بلا جدال بداية اختراع المسكوكات، ولكنها مع هذا كانت مثالا ُيحتذى ساعد على انتشار التجارة في بلاد البحر الأبيض المتوسط. لقد ظل الناس قروناً طويلة يستخدمون معادن مختلفة لتقدير قيم البضائع وتسهيل تبادلها، ولكنها سواء كانت من النحاس أو البرنز أو الحديد أو الفضة أو الذهب كانت في أغلب البلاد تقدر قيمتها في كل عمل تجاري حسب وزنها أو حسب غيره من الاعتبارات.

    لهذا كان استبدال عملة قومية معترف بها رسمياً بهذه الوسائل المتبعة إصلاحاً عظيم القيمة في عالم التجارة؛ فقد يسرت هذه الوسيلة الجديدة انتقال السلع ممن يحسنون إنتاجها إلى من هم في أشد الحاجة إليها، فزاد ذلك من ثروة العالم، ومهد السبيل لقيام المدنيات التجارية كمدنيات الأيونيين واليونان، حيث استخدمت الثروة التي جاءت من طريق التجارة لتمويل الأعمال الأدبية والفنية.

    ولم يصل إلينا شيء من الأدب الليدي؛ كذلك لم يبق قط شيء من المزهريات الجميلة القيمة المصنوعة من الذهب والحديد والفضة والتي تقرب بها كروسس للآلهة التي غلبها. وتدل المزهريات التي وجدت في مقابر الليديين والتي يحتويها الآن متحف اللوفر على أن ما كان لمصر وبابل من زعامة على الفن في ليديا أيام كروسس قد أخذ يحل محله نفوذ اليونان المتزايد؛ وكان لهذه المزهريات من دقة الصنع ما يعادل أمانتها وإخلاصها للطبيعة. ولما زار هيرودوت ليديا وجد أن عادات أهلها لا تكاد تمتاز عن عادات اليونان أهل بلاده؛ ويقول إن ما كان باقياً لديهم من هذه العادات التي تميزها عن اليونان هو أن بنات العامة منهن كن يكسبن بائناتهن من الدعارة. وهذا المؤرخ الثرثار نفسه هو أهم ما نعتمد عليه من المراجع في القصة التي تروي عن كيفية سقوط كروسس. فهو يقص علينا كيف عرض كروسس ثروته على صولون، ثم سأله عمن يراه أسعد الناس. وبعد أن ذكر صولون أسماء أشخاص ثلاثة كلهم من الموتى أبى أن يقول أن كروسس سعيد، وحجته في هذا أنه لا يعرف أي المصائب قد يأتي بها الغد. وأخرج كروسس المشرع العظيم من عنده معتقداً أنه إنسان أبله. ثم أخذ بعدئذ يأتمر ببلاد الفرس، وما لبث أن رأى جحافل قورش على أبوابه. وانتصر عليه الفرس بفضل ما كان لجِمالهم من رائحة نتنة قوية- كما يقول هذا المؤرخ نفسه- لم تطقها جياد الليديين؛ فجمحت ودحر الليديون، وسقطت سرديس.

    وتقول الرواية القديمة أن كروسس أعد كومة كبيرة من الحطب، واتخذ مكانه عليها ومن حوله أزواجه وبناته ومن بقي على قيد الحياة من أبناء بلاده، ثم أمر خصيانه أن يحرقوهم جميعاً. وذكر في اللحظات الأخيرة من حياته قول صولون، فأسف على جهله وقلة تبصره، وأخذ يلوم الآلهة التي تقبلت جميع قرابينه وجازته عليها بالخراب والهلاك. وأشفق عليه قورش- إذا جاز لنا أن نأخذ برواية هيرودوت- وأمر بالنار أن تطفأ، وأخذ كروسس معه إلى فارس، وجعله من أقرب مستشاريه ومن أكثرهم جدارة بثقته”.