السبت 29 يناير 2022
7 C
بغداد

    قصة “البسمة”.. ثنائية الحزن والابتسام وارتقاء الشهداء

     

    كتبت.. الناقدة الدكتورة “سهير صديق”- السودان

    دراسة تفكيكية في قصة “البسمة”..

    الأدب والفن كنشاط إنساني تجاوز فرضيات النقد بكل مدارسه الكلاسيكية والحديثة وذلك لأن وظيفة النقد اقتصرت علي تبيان الجيد من الردئ وفق قوالب معدة سلفا. أفضل أن أتعامل مع النقد كحوار ثقافي بين الذات المبدعة والذات الناقدة.  هذا الحوار الذي يتجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين.

    النقد بتلك الوظيفة الثقافية لا يكترث كثيرا بتجنيس الأدب ولكن للإحاطة بجوانب النقد للنص الذي نحن بصدد تناوله دعوني أن اسميه (قصة قصيرة) القصة تروي خبرا ولأجل أن يكون الخبر قصة يجب أن تتوفر فيه شروط إبداعية محددة في اعتقادي أن نص (الابتسامة) هكذا أسميته تفوق علي نفسه في توفير تلك الشروط فهو جمع بين خاصيتين أو جنسين في الأدب الفكاهة والقصة القصيرة

    بدأ النص بجملة مؤكدة تصف حيل البطل فهو دائما مبتسم وضاحك. تكرار الألف في كلمة دائما تؤكد تكرار فعل الابتسام.  تكتما الجملة بحرف الواو وحرف الواو بطبيعته يفصل بين شيئين ولكن استخدام حرف الواو هنا جاء لتأكيد حالة السعادة كنتيجة سببية للابتسام. هذا الربط بين السبب (الضحك/ الابتسام) والسعادة ارتباط اعتباطي في الذاكرة الجمعية إذا وضع في تناص مع بيت الشعر (لا تحسبوا رقصي بينكم طربا فالطير يرقص مذبوحا من الألم) ولعل بروز بيت الشعر في الخاطر أوحت به فكرة النص من خلال المفارقة في المواقف والتي تأكدت في نهاية النص بالتساؤل (كيف ستحزن حينها لكل هؤلاء الشهداء الذين يرتقون كل يوم).

    ارتقاء الشهداء كان الحدث الأعظم علي مستوي النص وهذا التساؤل حمل فكرة النص الأساسية (كيفية الحزن) والخبر الذي أراد أن يخبرنا به وقد مهد له الكاتب في أخبار مشابهة اندلاق الماء الحار علي زوجة البطل  وصراخ الزوجة كرد فعل لتلك الابتسامة (الدائمة) التي لا تتناسب مع الموقف ثم هجرانها له بالتعلل أن الماء الساخن حرق أجزائها الحساسة وتلك في اعتقادي ذروة القصة أن جاز أن يكون لها ذروة.  شهوة الجنس التي حرم منها عشرة أيام وشهوة الحياة التي حرم منها الشهداء عمر الدنيا.  حرق الأجزاء الحساسة المؤقت وحرق حشا الأمهات بفقد فلذاتهم (الدائم).

    “البسمة”

    قصة قصيرة..

    الكاتب “صلاح القويضي”

    (داااااائما مبتسم وضاحك ومن ثم سعييييد…).

    كتبت لك ذلك في رسالة على الواتساب… واتبعتها بعدد من الأوجه المبتسمة والضحكة.

    ركبت الحافلة وأنت تفكر في رسالتها… “مبتسم داااائمًا؟” وهل ذلك ممكن! وإذا افترضنا أنه ممكن وتحقق… وأصبح وجهك مشرقًا بابتسامة دااااائمة فماذا ستفعل إذا اندلق الماء الحار على زوجتك مثلًا؟.

    المؤكد أنها ستصرخ في وجه “ابتسامتك الدائمة”… وربما صاحت في وجهك “أنا أتألم وأنت تتبسم؟”. وربما راحت تنتحب وتندب حظها في هذا الزوج الذي يواصل “ابتسامته الدائمة” وهي تتوجع من الألم. وغالبًا ما ستعاقبك بهجرانك عشرة أيام كاملة بحجة أن الماء الساخن حرق أجزاءها الحساسة.

    “دااااائمًا ضاحك!” يا لها من دعوة فظيعة. وماذا ستفعل حين تذهب للمقابر؟ سيرمقك الجميع بغضب. وربما صار مصيرك مثل مصير الروسي “سيرغي سيرغيفيتش”.

    تتذكر جيدًا حكايته في واحدة من قصص “غوغول”.

    كان يغني في بيوت المآتم ويولول في بيوت الأفراح. وفي الحالتين كان يحظى بعلقة ساخنة أو توبيخ عنيف.

    و”سعييييييد دااااائما”..  هكذا كتبتها لك. بعدد من الياءات والألفات.

    ماذا لو تحققت أمنيتها؟ وكيف ستحزن حينها لكل هؤلاء الشهداء الذين يرتقون كل يوم.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا