في رواية بقايا / روشا داخاز تقرأ ضجيج التاريخ

الأحد 02 أيار/مايو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

فخري أمين
وهي تسائل قرابة قرن من تاريخ المدينة، والبلاد، سعت روشا داخاز في (بقايا) مدفوعة بطموح روائي كبير، وتجربة ذاتية حارقة، إلى توليد خطاب سردي، يتناول حقبة طويلة من الزمان، تمتد على مساحة واسعة من الأحداث، محتشدة بعدد كبير من الشخصيات، وبحاجة تاليا إلى قدرات غير عادية في التوظيف الروائي، للإحاطة بهم. رسم ملامحهم، وتأشير المصائر التاريخية لهم. ثلاثة اجيال عراقية، مع تركيز خاص على الكرد، الكرد من أهل المدينة أو المهاجرين حديثا إليها، الذين تحكمت بهم الظروف، وأوصلتهم إلى نهايات غير متوقعة. تتبعت المؤلفة بدقة خطوط سيرهم، ووضعتهم بقدر عال من التمكن، في سياق روائي جميل، ومثير. كل شيء في هذا التاريخ، يبدو بقاياه، ظله، جثته، فلا المقدس فيه مقدسا، ولا السياسة سياسة، والوطن ليس وطنا، واللغة نثار من لغات. تؤشر الرواية، من الوجهة التاريخية، أفول مرحلة من الحروب الإقليمية والداخية القاسية، وبداية مرحلة من الأسى، والبدد، والرحيل، والندم، والحنين. الحنين الذي لم يفقد طوال الرواية موضوعاته، أشخاص، وأمكنة، ذكريات، تواريخ وأحداث. شجن الحنين يتشرب لغة الرواية، ويشكل نغمتها الشجية، وجمال روحها الأنثوية. في زيارة الراوية إيزيس الأخيرة للمدينة، حيث اعترف الند لها بحبه، وقراره الزواج منها والهجرة معها: “أينما يوجد من تحب ثمة وطن، وأنا قررت أن آخذ وطني معي” كتبت إيزيس:” كنت اريد أن يحدث ذلك الآن وهنا، لأن قصتنا لم تكن تناسب اي مكان آخر في العالم، سوى المدينة التي حدثت فيها” تعني الموصل.
جيل التطلع
يمثل الجد شمدين نموذج الجيل الأول، وهو يرمز إلى جيل الثلث الأول من القرن العشرين، وبدايات هجرة شرائح من الكرد من قراهم إلى المدن، لأسباب متعددة، منها المعيشية نتيجة ضيق مساحة الأرض المحدودة بعدد السكان المتنامي، ومنها التطلع لدى شبيبة القرى إلى حياة أفضل. لكن لشمدين سببا إضافيا: الإبتعاد عن مكان يذكره على الدوام ببشاعة نفسه، وروح القاتل فيه، حين اقدم في لحظة استفزته فيها أمه، على إطلاق النار على زوجته الأولى زينة ” وجدتني أحمل البندقية وليست لي سوى نية واحدة، أن أفرغها في جسدها. كانت تحتضن مهد سرمد (طفلها البكر) بجسدها، وتلامس برأسها رأسه، وتئن كنصف مذبوحة على وشك أن تكتمل طقوس ذبحها، لم تنظر إلي قط، ولم أنتظر أن تفعل”. أندلقت أحشاؤها على الأرض، وظلت تنزف حتى الموت، دون أن يلتفت إليها أحد، فيما سرمد يصرخ في مهده مرعوبا من هول اللحظة ( صورة أمعاء زينة القتيلة إستحالت لعنة اصابت العائلة، وبات الجميع يشكون من آلام غامضة في البطن). دم طازج، عبيط، دم بريء، لكنه مستباح في ثقافة ذكورية، تمجد قيم الفحولة حتى في القتل، ومكافأة له تم تزويجه ببريخان. وحده كان يدرك فظاعة وحماقة فعله. ولهذا السبب قرر الإبتعاد عن مكان يذكره على الدوام بجريمته، ساعيا لتضييع نفسه في المدينة، مستسلما، إثر يقظة الإنسان المتاخرة فيه، لتأنيب الضمير وعذابات الندم. لذلك اندفع بقوة في تعلم العربية، والإندماج في المجتمع المديني، بينما ظلت بريخان، على موقفها متمسكة بهويتها القومية، ترضع أولادها حليبا كرديا خالصا. لم تتعلم العربية إلا بعد وقت طويل. ولما هاجم فيروس الزهايمر ذاكرته، بداية الألفية الثانية، تمكن من مسح كل شيء فيها، عدا ما كان ينشد طوال عمره نسيانه، صورة زينة القتيلة، وهي محتضنة المهد.
جيل الحروب
سرمد، أنار، نيبار، جورج، لؤي، رعد، محمد، بلال، يمثلون الجيل الثاني، الجيل الذي ولد في خمسينات وستينات القرن الماضي. جيل عصفت به حروب النظام السابق، ودفعت به إلى مسارات متنائية، ومصائر متباينة.
سرمد أبن شمدين من زينة: قتل في حرب 1973 دفاعا عن الجولان السورية، ودفن في مقبرة خاصة بشهداء الحرب، على مقربة من دمشق، وهو يمثل جيلا من الشباب الكرد، تفاعل مع قضية الفلسطينين، وانخرط البعض منهم في العمل الفدائي. كما شهدت بعض مدن كردستان، التي كان لليسار فيها ثقلا لافتا، إثر حرب حزيران 67 تظاهرات حاشدة متضامنة معهم. ولا تخلو من الدلالة إشارة المؤلفة، أن جدها بنى بيتهم في الموصل على قطعة أرض، منحتها الحكومة إليهم تكريما لذوي سرمد الشهيد.
محمد: صديق سرمد أثناء تشردهم في الموصل بحثا عن عمل. كردي من قرية مجاورة. أضطرته الظروف، والنزاعات العشائرية، في مرحلة ما، إلى حمل السلاح ضد أبناء قوميته، متطوعا ضمن قوات ما كان يسمى بالجحوش. أدان نفسه فيما بعد، في لحظة ندم قاسية، على تلك الخطيئة. ظل صديقا للعائلة حتى بعد استشهاد سرمد، وأطلق اسمه سرمد على إبنه البكر. وكان الند أبنه الثاني.
أنار شقيق سرمد الأصغر من بريخان، تخرج من الجامعة، متخصصا في التاريخ، ومارس التدريس في مدارس المدينة لسنوات عديدة. خفق قلبه لأول مرة لفيفيان، مدرسة الفنون المسيحية، التي احترفت أعظم الفنون، فن أن تكون أنثى، لكنها تزوجت من رجل آخر وهاجرت معه إلى السويد. ثم ترك التدريس، للعمل في مطعم لسرمد، كان مغلقا بسبب استشهاده لفترة طويلة، فأعاد فتحه، بمساعدة صديقه جورج. ويبدو أنار في الرواية، على درجة عالية من الرهافة والثقافة والحساسية الجمالية. في بيته، مكتبة، ويمارس أحيانا الكتابة. وهو ككل المهاجرين، يعاني من أزمة في الهوية، حائرا بين الإنتماء لدولة العراق، أو الإنتماء لفكرة طريدة عن وطن لا وجود له على خارطة العالم. كان أنار قد حاول الهجرة للمرة الأولى قبل الزواج، لكن بريخان امه عجلت بربطه بزواج لا يناسبه، واختارت فرات إبنة أختها لهذه المهمة. بيد أن حلم الهجرة في داخلة لم يهدأ، ظل وهو الحالم بالأجنحة ينصت إلى نداءات الآفاق، مدوية في داخله كأنها صوت من أصوات القدر. في واحدة من لحظات ذلك الحلم، وربما بسبب اليأس من مستقبل الحياة في بلد لا جديد فيه، غير المزيد من القمع والحروب. وقت أحس أنه “سجين في زنزانة بحجم جسد، وسجن بحجم وطن”، يقرر الهجرة إلى أوربا، خطط للهجرة بسرية تامة، ولم يعلم بأمرها أحد، حتى فرات زوجته، جاعلا شقيقه نيبار وصيا على عائلته. وفي اسطنبول بينما كان منتظرا لحظة العبور إلى أوربا، قرر لسبب مجهول الإنتحار. مخلفا لدى إيزيس إبنته كنزا من المذكرات واليوميات، والصور، والرسائل، شكلت في النهاية المادة الأولية لنص الرواية.
لؤي صديق أنار في الجامعة: يمثل مصير لؤي، اليساري، الغيفاري، والثوري الرومانسي الحالم. مؤشرا على حالة شريحة عريضة من اليسار العراقي، التي انقلبت، تحت هول آلة القمع للنظام السابق، على نفسها وتاريخها، وانخرطت في أجهزة النظام الحزبية والأمنية. في حوار لأنار معه، يذكره فيه بماضيه اليساري، يقول لؤي: إن بيرية الجندي العراقي أشرف ألف مرة من قلنسوة غيفارا. طبعا لا مجال هنا للمقارنة، إنما يتضمن ذلك التصريح نوعا من التبرير للنفس، والتكييف الذاتي لموقفه الجديد، في محاولة لإسكات صوته الداخلي، وهي حالة عانى منها الكثير من اليساريين المتحولين. وحين يقدم بمسدسه على إعدام ثائر كردي، لا يملك غير أن يشيد بصلابة ذلك الكردي، وشجاعته، وتمسكه حتى اللحظة الاخيرة بموقفه أمام أنار، في رسالة ذات معنى خاص، ربما إلى نفسه أولا، قبل أن تكون إلى أنار الذي رفض الإنخراط في حزب النظام، مؤداها أن الثائر لا يمكن أن يكون جبانا وخنوعا ومستسلما للقمع.
جورج من أعضاء الحلقة: هاجر إلى فرنسا مع بداية حرب القادسية، وهناك عمل في مجال التأليف، لكنه ظل يحمل مرض الحنين إلى العراق. ألف كتاب (عراقيون بلا عراق) على شكل سلسلة تتناول أوضاع العراقيين في المهاجر. ولأنه لم يبرأ من مرض الحنين، يعود بعد التغيير، طامعا بتحسن الأوضاع، ليجد حتى أصدقاؤه في الداخل، يعانون ذات الإحساس، أن العراق ليس عراقهم، او لم يعد كذلك في الأقل. فيقرر العودة إلى باريس، حاملا المزيد من الوجع.
بلال: جندي من النجف، خدم مع أنار في نفس الوحدة، وأصبحا وهما في مواجهة الموت اليومي المجاني والعشوائي الذي توزعه الحرب كل لحظة صديقين حميمين، تبادلا الذكريات، والصور، والعناوين، واسماء أفراد عائلتيهما، والمخاوف، والتطلعات، والأحلام. غادر الموضع من جراء القصف المعادي، فاصابته قذيفة مدفع، وحولته مع خمسة من الجنود إلى أشلاء مبعثرة. وكان على أنار الذي أصيب هو الآخر بجروح، أن ينقل إلى أهله في النجف، بعض أوراقه، وأشيائه، التي خلفها هناك.
جيل الكارثة
وهو الجيل المحروم من الأمل، المولود في ثمانينات القرن الماضي، وتسعيناته، ويتمثل بإيزيس، وراز، وغيث، وصفاء، والند، ووهج، ورؤية..
إيزيس: الشخصية المحورية في الرواية، ساردها، وضميرها، والموشور الذي تمر من خلاله أحداثها. تعيش معظم فصول الرواية رفقة اب مثالي، تحاوره، وتتحدث إليه، وتستشيره، لنكتشف في النهاية، أنه اب متخيل، وأن أباها توفى وهي طفلة في سنتها الثالثة، لكنها استطاعت أن تجمع من خلال مكتبته وأوراقه، الملامح الأولية لشخصيته، (وجدتُ في مذكراته الكثير من الصفحات البيضاء، وقررتُ الكتابة فيها). شرعت منذ تلك اللحظة بتأليف نسخة سردية له، نسخة طبق الاصل مفعمة بالحياة : “أنت الشيء الوحيد الحي في حياتي يا أبي”. كانت صورة الأب بالنسبة للمؤلفة، لعبة أو تقنية روائية، لمقاربة ازمنة لم تعشها، وأحداث لم تعرفها، لكنها في النص حالة مرضية، لم تستطع إيزيس الخلاص منها إلا بعد أن رأت بنفسها مكتبة والدها وقد حولها الداعشيون إلى رماد ودخان. وبمساعدة ابن قريتها الند، الذي احبها، واتفق معها في النهاية على الزواج، والهجرة.
غيث: أول شاب خفق له قلب إيزيس، وأحبته بجماع ما في قلبها من بِكر الأشواق. تخلى عنها في ذروة عشقها له. مقررا الهجرة إلى عمان. وتسبب لها ذلك بآلام كثيرة. لكننا نكتشف معها في نهاية الرواية، من خلال إعتراف الند، ان ذلك لم يكن خياره، إنما أجبر عليه تحت ضغط وتهديد شقيقها راز، وصديقه الند الذي كان يضمر لها في قلبه، حبا كبيرا، لم تكن إيزيس تشعر به.
راز: شقيق إيزيس الصغير، موهبة الرسم اللافتة، والواعدة، يسقط ضحية عمل أرهابي، استهدفه وأستشهد معه في ذلك الحدث طبيب الأسنان الصوفي سراج، اثناء محاولته الدفاع عنه.
صفاء: إبن المحلة الذي حماها يوما من تنمر بعض التلاميذ عليها في المدرسة الابتدائية. كانت إيزيس تضمر له في نفسها شيئا من الإعجاب، بسبب موقفه ذاك، وتشعر بالتعاطف معه بسبب تركه الدراسة، وانخراطه في العمل بورشة ميكانيك يملكها والده. إنتهى به الأمر أن أصبح أميرا داعشيا، موظفا خبراته وورشته في تفخيخ السيارات، وصناعة العبوات. وهو المسئول عن قتل شقيقها راز، نتيجة عركة وقعت بينهما إثر طلبه من راز، أن يلزم إيزيس بالزي الشرعي. وأنها حين تسير في الطريق حاسرة الرأس بتنورة ضيقة، تخالف ثوابت الدين. كما اتخذ هو نفسه بيتهم الذي خلا بعد هجرتهم إلى القرية، وقت سيطرة داعش، مسكنا إضافيا له، للتمتع بالسبايا من نساء الكفار.
وهج: صديقة إيزيس المقربة في المدرسة، فتاة جريئة وجميلة. تعرضت عائلتها إلى إبادة كاملة، بسبب محل نسائي لقص الشعر والتجميل، يعود إلى أختها المطلقة، أم لأطفال ثلاثة، قتلوا معها جميعهم. وجاءت إشارة المؤلفة الذكية إلى أصداء تلك الفاجعة لدى الأسرة التعليمية في المدرسة، لتحديد أول مصادر الإرهاب. فقد أبدت الست ثريا مدرسة الدين أسفها لفقد وهج، لكنها استدركت أنها لم تكن تصلي. أما الست جنة مدرسة الفنية، فقد صرحت من بين دموعها أن وهج واحدة من أفضل طالباتها، لكنهم لم يدركوا لمسة الجمال في روحها. وكانت حالة الصدمة والحزن العميق والعنيف هي الغالبة لدى طالبات المدرسة. حين حضرت إيزيس إلى بيت وهج، إثر وقوع الجريمة، وكان الحديث يدور عن الأسباب، أعلنت إيزيس موقفا صارما. إن أي حديث من هذا القبيل، محاولة لشرعنة القتل. القتل فعل وحشي، وفكرة مرفوضة، وجريمة نكراء، بغض النظر عن أي شيء، ومهما كانت الأسباب.
رؤية: صديقة إيزيس في المدرسة، تركت الدراسة، وانتقلت فجأة مع أسرتها إلى الأردن، للإقامة والعيش هناك.
الند: ابن محمد صديق شقيق إيزيس الكبير سرمد، وصديق العائلة تاليا، خصوصا انه من نفس عمر راز، وصاحبه الأقرب في المدرسة، وخارجها. أحب إيزيس منذ بداية تعرفه عليها. بيد انها لم تأخذ بجدية إشاراته المتكررة إلى ذلك، ربما بسبب فارق العمر. في واحدة من زياراته للبيت، اختلس النظر إليها من شباك صغير في غرفتها كان مفتوحا سهوا، وهي عارية أمام المرآة، اعترف لها فيما بعد، وقت اتفاقهما على الزواج، أنها لم تزل في نظره تلك الإلهة التي تلصص عليها مرة، وهي تطلق دخان سيجارتها أمام عري مرآتها.
لا يتسع المجال هنا لتقديم جردة كاملة بالمصائر الموجعة لعديد شخصيات الرواية، فضلا عما يحفل به النص من تفاصيل جريئة ومدهشة، وعصية على التلخيص. لكنها أشرت بطريقة دافقة بالألم، تاريخا من القسوة والفظاعة والانهيار، وصورة مجتمع يعاني من التشظي والخوف والضياع. تتسم لغة الرواية بالثراء، والأناقة، والعمق. وتنطوي كلماتها على قدر غير عادي من الإيحاءات، والإحالات، والظلال، ممتدة في الشعر، والفكر، والفلسفة، والموسيقى، والرسم. إنها لقطة بانورامية لزمن عراقي مغبر وعاصف. رواية تسرد بحاسة روائية يقظة سيرة مكان، وتقرأ ضجيج التاريخ فيه، برهنت فيها روشا داخاز الكردية أنها صوت روائي، خصيب، يمكن أن يضيف إلى الرواية العربية الكثير من الألق، والرونق، والإنتشار.

 



الانتقال السريع

النشرة البريدية