الإثنين 28 نوفمبر 2022
21 C
بغداد

    علم نفس (2) فيلهلم فونت.. أبو علم النفس وأسس أول مختبر رسمي للبحوث النفسية

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    “فيلهلم ماكسيميليان فونت”  طبيب وعالم فيزيائي وفيلسوف وأستاذ، يُعرف كواحد من مؤسسي علم النفس الحديث. وهو أول شخص يطلق على نفسه عالم نفسي وهو الذي ميز علم النفس كعلم من الفلسفة والبيولوجيا. ويعتبر “والد علم النفس التجريبي”. أسس “فونت”، أول مختبر رسمي للبحوث النفسية في جامعة لايبزيغ في عام 1879. برز علم النفس كحقل مستقل للدراسة. من خلال إنشاء هذا المختبر، تمكن من إثبات علم النفس كعلم منفصل عن المجالات الأخرى. وشكل أول مجلة أكاديمية للبحوث النفسية وهي الدراسات الفلسفية (من عام 1881 إلى 1902)، والتي أُنشئت لنشر أبحاث المعهد.

    حياته..

    وُلد “فونت” في نيكاراو في بادن في 16 أغسطس 1832، وهو الطفل الرابع للوالدين “ماكسيميليان فونت” وهو كاهن وزوجته “ماري فريدريك”. ولِد “فونت” في ألمانيا التي اعتبرت مستقرة اقتصاديا، ونشأ خلال فترة كانت فيها إعادة استثمار الثروة في التنمية التعليمية والطبية والتكنولوجية أمرا شائعا. حفز السعي الاقتصادي للنهوض بالمعرفة على تطوير طريقة جديدة للدراسة النفسية.

    درس “فونت” من 1851 إلى 1856 في جامعة توبنغن في جامعة هايدلبرغ وفي جامعة برلين. بعد تخرجه كدكتور في الطب من هايدلبرغ 1856. كتب مساهمات في نظرية الإدراك الحسي (1858-1862). في عام 1864 أصبح أستاذا مساعدا للأنثروبولوجيا وعلم النفس الطبي ونشر كتابا مدرسيا عن فسيولوجيا الإنسان. ومع ذلك فإن اهتمامه الرئيسي، وفقًا لمحاضراته وفصوله، لم يكن في المجال الطبي، بل كان أكثر انجذابا لعلم النفس والمواضيع ذات الصلة. نُشرت محاضراته عن علم النفس كمحاضرات في علم نفس الإنسان والحيوان في 1863-1864.

    ضغط “فونت” نفسه لكتابة العمل الذي أصبح أحد أهم الأعمال في تاريخ علم النفس، “مبادئ علم النفس الفسيولوجي” في عام 1874. وكان أول كتاب مدرسي يتعلق بمجال علم النفس التجريبي.

    التقى “فونت” “صوفي ماو” (1844-1912) بالقرب من هايدلبرغ في عام 1867. تزوجا في 14 أغسطس 1872 في كييل. للزوجين ثلاثة أطفال: إليانور التي أصبحت مساعدةً لأبيها بعدة طرق ولويز المدعوة ليلي  وماكس وندت، الذي أصبح أستاذًا للفلسفة.

    رُقي فونت إلى أستاذ الفلسفة الاستقرائية في زيورخ عام 1875، أصبح أستاذًا للفلسفة في جامعة لايبزغ عام 1875، حيث بدأ كل من إرنست هينريخ فيبر(1795-1878) وجوستاف ثيودور فخنر(1801-1887) بحثًا في علم النفس الحسي والفيزياء النفسية، إذ طور “غوتفريد فيلهلم ليبنيز” قبل قرنين من الزمن فلسفته وعلم النفس النظري مما أثر بشدة على نهج “فونت” الفكري. كان إعجاب “فونت” ب”إرنست هينريخ فيبر” واضحًا من مذكراته إذ أعلن أنه ينبغي اعتبار “فيبر والد” علم النفس التجريبي: «أود أن أسمي فيبر والد علم النفس التجريبي … كان لفيبر مساهمة عظيمة في قياس الكميات النفسية ولإظهار العلاقات الدقيقة بينهم، ليكون أول من يفهم هذا وينفذه.»

    أول مختبر..

    افتتح “فونت” أول مختبر خُصص للدراسات النفسية في جامعة لايبزيغ عام 1879، وشكل هذا الحدث الميلاد الرسمي لعلم النفس كحقل مستقل للدراسة. امتلأ المختبر الجديد بطلاب الدراسات العليا الذين أجروا أبحاثًا حول الموضوعات التي حددها “فونت”، وسرعان ما جذب العلماء الشباب من جميع أنحاء العالم الذين كانوا متلهفين للتعرف على العلوم الجديدة التي طورها فونت.

    خصصت جامعة لايبزيغ مختبر “فونت” عام 1876 لتخزين المعدات التي يحضرها من زيوريخ. وقعت العديد من مظاهرات فونت في هذا المختبر الواقع في مبنى كونفيكت بسبب الانزعاج من نقل معداته بين المختبر وفصوله الدراسية. رتب فونت لبناء الأدوات المناسبة وجمع العديد من قطع المعدات مثل المناظير وكرونوسكوب ورقاص الساعة والأجهزة الكهربائية والمؤقت وأجهزة رسم الخرائط الحسية ومن المعروف أنه حددت اتفاقية لمختلف طلاب الدراسات العليا مع مهمة تطوير الاستخدامات للبحوث المستقبلية في التجريب. وجِد 15 مساعدًا بين 1885 و1909.

    بدأ “فونت عام 1879 إجراء تجارب لم تكن جزء من برنامج عمله، وادعى أن هذه التجارب المستقلة رسخت شرعية مختبره كمختبر رسمي لعلم النفس، على الرغم من أن الجامعة لم تعترف رسميًا بالمبنى كجزء من الحرم الجامعي حتى عام 1883. كبر المختبر الذي أصبح معروفًا بالمعهد النفسي وشمل ما مجموعه 11 غرفة، ونُقل إلى مبنى جديد صممه “فونت” خصيصًا للبحث النفسي.

     

    كان “فونت” مسؤولا عن عدد استثنائي من رسائل الدكتوراه بين عامي 1875 و1919: 184 طالب دكتوراه من بينهم 70 أجنبيا (منهم 23 من روسيا وبولندا ودول أخرى من أوروبا الشرقية و18 منهم من أمريكا). أصبح العديد من طلاب “فونت” علماء نفس بارزين. من بينهم: الألماني أوزوالد كولب (أستاذ بجامعة فورتسبورغ) وإرنست مومان (أستاذ في لايبزيغ وهامبورغ ورائد في علم النفس التربوي) وهوجو مونستربرغ أستاذ بجامعة فرايبورغ وجامعة هارفارد ورائد في علم النفس التطبيقي) وويلي هيلباتش (معروفة في ألمانيا بعلم النفس الثقافي).

    من بين الأمريكيين المدرجين في القائمة جيمس مكين كاتيل (أول أستاذ في علم النفس في الولايات المتحدة) وغرانفيل ستانلي هول (والد حركة علم نفس الطفل والباحث النظري لتطور المراهقين ورئيس جامعة كلارك) وتشارلز هوبارد جود (مدير كلية التعليم في جامعة شيكاغو) ووالتر ديل سكوت (الذي ساهم في تطوير علم النفس الصناعي وتدريسه في جامعة هارفارد) وإدوارد برادفورد تيتشنر ولايتنر ويتمر (مؤسس أول عيادة نفسية في بلده) وفرانك أنجل وإدوارد ويلر سكريبشر وجيمس مارك بالدوين (أحد مؤسسي قسم علم النفس في جامعة برينستون والذي قدم مساهمات مهمة في بداية علم النفس والطب النفسي ونظرية التطور).

    النظرية السلوكية..

    شكلت النظرية السلوكية أساسا لدراسة سلوك الإنسان، الذي شغل علماء النفس لسنوات طويلة، حيث أنشأ “فيلهلم فونت” أول مختبر متخصص في دراسة علم النفس ونظرياته، بما فيها النظرية السلوكية، بعد أن لاحظ صعوبة دراسة العمليات العقلية بشكل موضوعي، مقارنةً مع إمكانية مراقبة وقياس السلوك البشري.

    النظرية السلوكية هي إحدى النظريات الكبرى في علم النفس، التي تدرس السلوكيات الممكن ملاحظتها بسهولة لدى الفرد، كما تسعى إلى دراسة وشرح السلوك البشري، من خلال تحليل الظروف التي عاشها الفرد، والنتائج المترتبة عليها في بيئته، والخبرة المُكتسبة من تجاربه السابقة؛ والتي أدت إلى ظهور سلوكه الحالي.

    ولم تتبنَّ النظرية السلوكية فكرة وجود دورٍ للوعي في سلوك الفرد، الموجودة في نظريتي الوظائفية والبنيوية، ورفضت المفاهيم التي وضعها الفيلسوف فرويد حول تأثيرات اللاشعور في تحديد السلوك رفضًا قاطعًا، بل أصرّت على أن السلوك الملحوظ (الواعي)، هو فقط ما يجب دراسته؛ كونه يمكن مراقبته بشكلٍ موضوعيٍّ.

    وفقًا للنظرية السلوكية، إن شخصية الفرد لا تتكون مع ولادته، إنما تأخذ شكلها من خلال مجموعةٍ من السلوكيات المتتالية المرتبطة بالعوامل الخارجية في البيئة المحيطة به، إذ أن شخصية الطفل عند ولادته تكون كاللوح الفارغ؛ قبل أن تكتسب بعضًا من صفاتها بشكل تدريجي اعتمادا على ما تتلقاه من مُكتسبات. كذلك الأمر بالنسبة للإرادة؛ إذ تتأثر بالبيئة الخارجية المحيطة.

    والجدير بالذكر أنه أشار عالم النفس الألماني “فيلهلم فونت” في كتابه “سيكولوجية الشعوب” إلى أن كثيرا من المفاهيم الدينية والشعرية قد أبدعها العقل البشري في ظروف خاصة، هي حالة الحلم والهلوسة المرضية.