الثلاثاء 29 نوفمبر 2022
18 C
بغداد

    عماد شيحة.. عاش بعد 30 سنة من السجن وأبدع

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    “عماد شيحة” كاتب ومترجم سوري..

    حياته..

    من مواليد دمشق عام 1954، وتلقى تعليمه في جامعة دمشق- كلية العلوم- قسم الكيمياء، وكلية الآداب- قسم اللغة الإنجليزية، انتسب إلى المنظمة الشيوعية العربية، عام 1973، واعتقل في 21 حزيران 1974 مع مجموعة من رفاقه عندما كان في الحادية والعشرين من عمره. ضمت شباب وشابات من سوريا ولبنان والكويت وفلسطين.. ساء أعضاء التنظيم موقف الإدارات الأمريكية المساند بشكل أعمى للحكومة الإسرائيلية، فنفذوا عدداً من العمليات ضد المصالح الأمريكية في دمشق… جرح خلالها بائع متجول. تمت ملاحقة أعضاء التنظيم، وتم القبض على غياث وعماد ورفاقهم…

    حكم على خمسة من أعضاء المنظمة بالإعدام من بينهم غياث شيحة شقيق الكاتب الذي أهدى هذه الرواية إليه، وحكم على عماد بالسجن المؤبد، فقضى أكثر من ثلاثين سنة في السجن. بدأت في ربيع العام 1975 بتهمة عضويته في المنظمة الشيوعية العربية. وتنقل  بين أهم السجون والمعتقلات إضافة إلى الكثير من فروع الأمن السورية، وبفعل المدة الطويلة التي قضاها في الاعتقال، أُطلق عليه لقب أقدم سجين سياسي في سوريا.

    روايته الأولى “موت مشتهى” (2005) ذكّرت بالكثير مما يثقل به سجناء سياسيون قدامى وساسة متقاعدون على الرواية بخاصة، وعلى الكتابة بعامة. ولتليها رواية شيحة الثانية “غبار الطلع” (2006).

    وله عدد من الروايات والكتب المترجمة والمقالات والدراسات: بقايا من زمن بابل (رواية صدرت في عام 2008)، وتنمية الموارد البشرية، سوريا مثالًا (2011). وأهم أعماله المترجمة: صدام الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط لبرنارد لويس (2007)، واللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة لجون ميرشايمر وستيفن والت (2007).

    غبار الطلع..

    في مقالة بعنوان (من أدب السجناء السياسيين، غبار الطلع، رواية عماد شيحة) كتب “شاهر أحمد نصر”: “من الروايات الهامة التي صدرت عن المركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع في الدار البيضاء، وبيروت رواية “غبار الطلع” للأديب، والمترجم، والسجين السياسي المخضرم عماد شيحة.

    أصدر المؤلف بعد خروجه من السجن عدداً من الكتب تأليفاً وترجمة، منها رواية “موت مشتهى”، وترجم كتاب لمايكل مور، وكتاب “المال ضد الشعوب ـ البورصة أو الحياة” بالاشتراك مع رندة بعث، وراجع وقدم كتاب “الماركسية والديموقراطية”، و”العولمة والإمبريالية” اللذين ترجمتهما رندة بعث… وتأتي روايته “غبار الطلع” نقلة نوعية هامة في عمله الأدبي”.

    ويواصل: “تغرق الرواية في معالجة قضايا فكرية عميقة، بأسلوب أدبي جميل، ومرهق يستدعي تساؤلات لانهائية، من قبل شخصيات مهزومة، تبدو سطحية.. تتراكم صفحات الرواية المكتنزة بوصف مسهب لشخصياتها ولحياتهم. يذكر هذا الإسهاب، بالمخزون الغني في ذهن الكاتب، الذي أفاض بكثير مما لديه كما يفيض نبع حجزت مياهه زمناً طويلاً. من حيث البنية: “غبار الطلع” نص مركب، من أحداث وصور، وأفكار معقدة لا تنساب بسلاسة، في جو ضاغط ومضغوط، يعكس نفسية إنسان قضى أكثر من 30 سنة في السجن لأسباب سياسية”.

    وفي النهاية: “لا يسعني في الختام إلاّ أن أحيي الأديب الصديق عماد شيحة هذا الإنسان الوطني الصلب والغيور، الذي يريد أن يفيض بكل ما عنده وما يراه مفيداً لأبناء وطنه… والذي لم ينل السجن من عزيمته، بل تراه متحمساً متفائلاً فياضاً غنياً أكثر بكثير من كثيرين ممن عاشوا أحراراً وما هم بأحرار، بل إنّ عمله الدؤوب وإنتاجه المميز وحياته الغنية تدل على أنّه كان أقوى من السجن، بل روض السجن، وجعله أرحب من حرية السجانين، وحرية من يعتقدون أنّهم أحرار”..

    التعذيب في السجن..

    عن كيف يتعامل المعتقل مع عملية التعذيب الجسدي والنفسي التي يتعرض لها: “المسألة ضابطها الأساسي العقل الذي يستبطن قوة الروح. في أغلب حالات التعذيب، الجسد يتحطم، لكن الروح تقاوم. في البداية تكون المقاومة من أجل حماية الآخرين، لكن حين يصير الآخرون في وضع مماثل لوضعك، تصبح المسألة دفاعا عن قضية تؤمن بها.

    لقد تعرضت كغيري أثناء التحقيق لتعذيب وحشي وعنيف، لكن في العموم نحن لم نتعرض لما تعرض له آخرون في المعتقل وخصوصاً من التيار الديني. في تدمر مثلا، كان السجن يضج بالصراخ من وطأة التعذيب. وللمثال فقط، تعتبر “جهنم” و”الجنة” بالنسبة الى التيار الديني، أوصافاً قدسية لأنها من صنع الخالق ولا يمكن مقاربتها في الواقع. ومع ذلك، عبّر الكثيرون من هذا التيار بعد نقلهم من تدمر الذي أمضوا فيه أكثر من 20 عاما إلى سجن صيدنايا، بأنهم انتقلوا “من الجحيم إلى الجنة”. آخرون قالوا نستبدل كل ساعة في سجن تدمر بعشر سنين في سجن صيدنايا. هذا ليس من باب المبالغة، وليس لأن سجن صيدنايا جنة بالفعل، ولكن من وطأة ما قاسوه في تدمر من عذاب وألم وشقاء.

    في تدمر لا يمكن السجين أن ينصب قامته ولا بد أن يبقى مطأطئاً رأسه تحت طائلة العقاب، وهذا ما أدى بالمعتقلين الذين انتقلوا من تدمر إلى صيدنايا، أن يمضوا وقتا طويلا للتعود على رفع الرأس والانتصاب بحرية. من غير المفهوم أن يستمر التعذيب بعد التحقيق والمحاكمة لسنوات طويلة، هذا خلق حطام بشر، وأدى إلى ترك آثار نفسية وجسدية لدى معظم المعتقلين”.

    المهم إنه عاش..

    في مقالة بعنوان (عماد شيحة: المهمُّ حقاً أنّه عاش) تنقل ما قاله “عماد شيحة” في تأبين المناضل السوري والسجين السياسي السابق “هيثم نعّال” حيث قال: ” بعيداً عن المشهدية الجنائزية المُعتادة، دعوني أستعير دُعابات هيثم وظُرفه. افترِضوا أننا استعدناه للحظةٍ وسألناه رأيه، لابتسمَ وقال: «يا عمّي حلّوا عن ربّي! وفّروا وقتكم وأوقات البشر لما هو أجدى وأفضل».

    أما وقد ضاقت أرض سوريا بقبور الشهداء والضحايا، وانتصبت شواهد قبورِهم في المنافي، فإنّ جدار تخليد أسمائهم وصورهم كبشرٍ، وليس كأرقام، لا يزال يتّسع ويتمدّد!

    تساءلَ كثيرون كيف وافت المنيةُ هيثم؟ وأين ومتى؟ وما ملابسات ذلك؟ سيّان عنده، فلم يكن ذلك بالنسبة إليه مهماً! كان السؤال المهم وقتها والآن أيضاً: كيف عاش؟

    لو كان بيننا اليوم، لاكتفى بالقول، كما باحت إحدى صديقاته وهي تحكي عن تواضعه وهو يُقدّم نفسه: «هيثم نعّال، سبعة وعشرون عاماً في السجن»، ولواصلَ قائلاً: «علّمتني الحياة أنّ الفعل هو الأصل وليس الكلام. فِعليَ الوحيد أن أحاول.» نقطةٌ تنهي السطر قبل أن يكمل «شكراً لحضوركم، وداعاً!». لَمَا زادَ عن ذلك حرفاً، أمّا أنا فأكملُ نيابةً عنه: «عشتُ ثورياً وفيّاً لانحيازي لإنسانية الإنسان… وهكذا مضيت»”.

    وأضاف: “منذ سبعة وأربعين عاماً عرفتُه، قرابة نصف قرن… يا له من زمنٍ حافل قلَبَ الدنيا رأساً على عقب! لم يُتِح الزمن لأحزاننا أن تبصر النور كما تستحق… لم يُمهلنا الوقت ونحن نلهثُ كيما نسابقَه، فتراكمَت أوجاعنا حتى باتت جزءاً لا يتجزأ من أرواحنا ووشماً لا يمّحي من أجسادنا! منذ ذلك الوقت عرفته، وتعاهدنا وبقية الرفاق على ألّا نفترق!

    وإن افترقنا؟

    لم يكن السؤال وقتها مطروحاً، أقلّه بالنسبة للرفاق الأربعة المحكومين بالأشغال الشاقة المؤبّدة، تلكَ الجملةُ التي تجعل الموت يتربّص بنا في كلّ منعطفٍ ودورةٍ من دورات الزمن. بعد خمسة عشر عاماً، غادرَنا أربعةٌ من رفاقنا إلى السجن الكبير، سجن الوطن، وبعد عام لحقتْ بهم رفيقتنا التي لم نتمكّن من رؤيتها طوال تلك المدة! حينها طُرِحَ سؤالُ الفراقِ جدّياً فكان الجواب: إذاً، لا بدّ من أن نلتقي…

    عرفتُهُ أثناء المحاكمة أولاً، وأَسرتني شجاعتُه آنها، ثمّ بعدما غادَرنا رفاقنا الخمسة الذين قضوا على أعمدة المشانق، أو هكذا قيل، فلا جثامين ولا قبورٌ ولا شهادات وفاة… حدث ذلك في سيارة السجن التي التقينا فيها للمرة الثانية وهي تنقلنا إلى تدمر خريف العام 1975. كأنّ ذلك حدثَ بالأمس. لم يكن توقفاً للزمن بالنسبة لنا… ففي ذلك الصباح الضبابي وطوال الطريق إلى تدمر، طَغَت أصوات أغانينا وأناشيدنا على ضجيج العربات المدجّجة بالأسلحة، والتي رافقت عربتنا وكأنّ معركة انتشالنا من براثنهم ستنشب في أيّ لحظة… ضَحِكنا… كان خوفُ الموت يملأ قلوبهم وكنّا ننبض بالحياة. صدْحُ أغانينا كان عهدَنا الصامت بألّا ندفنهم، وأن نعهد بهم لأفئدتنا كي يظلّوا نجمة صبحٍ تُضيء لنا الدرب، وقوةً حيّةً نستمد منها العزيمة والصمود في هوّة الجحيم التي سنعرفها بعد حين رويداً رويداً، وأن نبقى أوفياء لمبادئنا الثورية وأحلامنا بالحرية والعدالة الاجتماعية ومناهضة الطغيان، تلك الأحلام التي تعمّدت لتوّها بالدم!!! كانت تلك صرخةَ الغضب الأولى على الجريمة البشعة، تحيتَنا لهم كي نواصل الرحلة معاً…

    تلكم هي بداية الرحلة التي راكمتْ في ثناياها قُرابة قرنين من سنوات سجن أعضاء المنظمة الشيوعية العربية في سوريا وحدِها!!!! طيلة تلك السنوات، لم نتوقف في أي سنةٍ عن الاحتفاء برفاقنا الشهداء بالطريقة نفسها في التاريخ نفسه، الثاني من آب من كلّ عام، فنشعلُ حيثما أُوتينا شموعاً كأعمارهم. هكذا بقينا أحياءَ، وهكذا ظلوا أحياء.

    لعلّ البداية كانت قبل ذلك بقليل، حين حدّد كلٌّ منا خياراته وصنع بيديه قَدَرَه المضرج بالدم والمفتوح على فضاءات الموت. تلكم هي البداية الحقيقية لهيثم والتي لم تعد فيها مآلاتها الدموية، لا سيما في العقد الأخير، مهمةً إلّا من حيث صِلَتُها بالوفاء للمبادئ والانحياز للثورة”…

    وأكمل: “أيّ ثورة وأيّ مآلات؟ هكذا تعارفنا وتعاهدنا، اختلفنا واتفقنا، لكنّه كان صخرةَ اليقين وبوصلة الأمل والإصرار على إمكانية تحقّق الثورة مهما طال الزمن. في ذلك الوقت المبكر، عارضَ عصياناً رأيناه ضرورياً لتحسين شروط عيشنا، وأَنذَرَنا: ستكون العواقب وخيمة! لكنّه كان أولَ المدافعين عن متراسنا البدائي، وصمدَ وراءه بجسده وروحه حتى النهاية… كان يخفي وراء خجله ودماثته انحيازاً شديداً للفقراء، ولم تكن الثورة بالنسبة له إلّا أداةً لتحريرهم من قيودهم وذُلّهم وبؤس عيشهم. كان جزءاً لا يتجزأ منهم وأراد أن يكون مثلهم في حياته ومعاشه، وكان يرى مقتَله في ابتعاده عنهم… ووراء بساطته ومودّته، أخفى مقتاً للسياسة بألاعيبها وأكاذيبها وصفقاتها ومساوماتها وبازارتها وكلّ القذارات التي تكتنفها، وإصراراً على بلورة سياسةٍ نقيةٍ كنقائه… تتساوقُ فيها الغاية والوسيلة، أملى عليه نقاؤه ألّا تبرر الغايةُ الوسيلةَ بأيّ حال من الأحوال. هكذا كان حلمه… فكان مقتلُه الثاني، لا سيما في العقد الأخير. إذ لاذَ بصمته كيلا يسمح للجدران بأن تُصدِئ روحَه وتفترسَ وداعتها.

    بقدر ما ضاقت جدران الزنازين بجسده، ظلّت تتمدد لتتسع لرؤاه وأحلامِه. ازدرد قناطير من الصبر بصمتٍ وهو يعلم أنّ الشمس تنتظره خلف الجدران ذاتها. وحين أزفت لحظة خروجه، ودّعنا بأسىً اخضوضلت به عيناه وأعلن ضاحكاً: سنلتقي قريباً”.