عطيات الأبنودي.. سفيرة السينما التسجيلية وصاحبة المدرسة الواقعية فيها

    0

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    “عطيات الأبنودي” مخرجة وكاتبة وممثلة مصرية، اسمها عطيات عوض محمود خليل، ولدت في 1939 في السنبلاوين- محافظة الدقهلية، درست القانون بكلية الحقوق في جامعة القاهرة وحازت على درجة الليسانس في عام 1963، واصلت الدراسة بعدها بالمعهد العالي للسينما وتخرجت منه في عام 1972، كما حصلت على زمالة مدرسة السينما والتليفزيون الدولية من بريطانيا في عام 1976، وباتت واحدة من أبرز الأسماء في صناعة الأفلام التسجيلية في مصر، كما أنها قامت بتأسيس شركة إنتاج، وهى شركة (أبنود فيلم)، واهتمت في كافة أفلامها برصد الحياة الاجتماعية اليومية للشرائح الكادحة في مصر. يصفها النقاد بأنها “سفيرة السينما التسجيلية”، وصاحبة مدرسة السينما التسجيلية الواقعية الشاعرية.

    أول أفلامها كان “حصان من طين” وحصل على 33 جائزة دولية وعربية، وكانت وقتها في السنة الأولى في معهد السينما، وأشرف على فيلم تخرجها من معهد السينما المخرج الفرنسي “لامبان”، وحصلت بعد الفيلم على منحة للدراسة في بريطانيا.

    صدر لها كتابان هما “أيام الديمقراطية” في عام 1998 والذي شمل معلومات عن المرشحات في الانتخابات البرلمانية، و”أيام لم تكن معه” في عام 1999 والذي ضم رسائلها إلى زوجها السابق عبد الرحمن الأبنودي وقت اعتقاله في عام 1967.

    من الجوائز التي حصلت عليها “عطيات الأبنودي” (جائزة أحسن إنتاج مشترك في مهرجان فالنسيا باسبانيا عن الفيلم التسجيلي “إيقاع الحياة” عام 1990- جائزة جمعية نقاد السينما المصريين عن الفيلم التسجيلي “اللي باع واللي اشترى” عام1992- تكريم المهرجان القومي للسينما التابع لوزارة الثقافة المصرية لها عام 1998- تكريم مهرجان الفيلم الأفريقي في مدينة نيويورك الأميركية).

    السينما التسجيلية..

    في حوار مع “عطيات الأبنودي” في “الجريدة الكويتية” تقول عن أفلامها السينمائية: “قبل أن أبدا مشواري مع الإخراج عملت في مسرح العرائس، ثم التحقت بمسرح التلفزيون كممثلة وقدمت مسرحيات عدة منها «المصيدة» و«الشوارع الخلفية»، ورغبت في العمل كراقصة، لكنني أخفقت في الاختبار الذي أعدته الفرقة القومية للفنون الشعبية، بعد زواجي من الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، تنبأ لي بأنني سأكون مخرجة لا ممثلة لأنه رأى ميلي إلى العملية الإبداعية ووعيي لها، من هنا بدأت رحلتي مع السينما بعدما التحقت بمعهد السينما، مع أنني حصلت قبل ذلك على شهادة جامعية في الحقوق.. أول أفلامي كان «حصان الطين» وكنت مرعوبة من رد فعل النقاد، إلا أنني فوجئت بأحد كبار النقاد مصطفى درويش يشيد بالفيلم، مؤكدا أنه عمل غير مسبوق في السينما التسجيلية.. توالت المقالات المتحمسة للفيلم، وتوالت أعمالي بعد ذلك وتجاوزت 25 فيلما حتى الآن، أدركت بعدها أن أحلامي لن تتحقق إلا من خلال السينما التسجيلية، لذا عكفت على الدراسة والتأمل والبحث وتعلمت على يد الكندي “بول وارين”، أحد رموز المدرسة الكندية في السينما التسجيلية, التي تهتم في المقام الأول بالصورة ولا تلجأ إلى التعليق على شريط الصوت، وتعتمد على تسجيل المفردات والتفاصيل الخاصة بالإنسان من خلال السينما المباشرة، ما يفسر لماذا حصلت أفلامي على جوائز كثيرة. حصل فيلمي الأول على 33 جائزة دولية وعربية، علماً بأنني كنت آنذاك في السنة الأولى من دراستي في معهد السينما، إلى أن جاء فيلم التخرج الذي أشرف عليه المخرج الفرنسي “لامبان”, حصلت بعده على منحة للدراسة في انكلترا، حيث تعلمت حرفية التقنيات الحديثة واقتربت من اللغة السينمائية وعناصرها المتنوعة، وتعرفت إلى الابتكارات الآلية في عالم صناعة السينما، لكن المفارقة التي تدهشني دائما ولا أجد لها تفسيرا, هو ما حدث بعد عودتي من انكلترا حيث رفض تعييني في معهد السينما, ولم يدرّس المعهد أفلامي على الرغم من حصولي على حوالي خمسين جائزة دولية وأكثر من عشرة تكريمات عالمية، لكنني لم أتوقف يوما عن متابعة مشروعي”.

    وعن سبب تعرض أفلامها للهجوم تواصل “عطيات الأبنودي”: “بسبب قبولي تمويلاً أجنبياً، على الرغم من أن جهات التمويل لم تفرض أية رؤية أو توجه محدد على أفلامي.. يعود السبب إلى المؤتمر النسائي العالمي للمرأة الأول في نيروبي عام 1985، عندما تم اختياري من بين ست مخرجات عالميات لإخراج فيلم عن المجتمع, فكان من البديهي أن تموّل تلك الجهة الفيلم، وفعلاً أخرجت “الأحلام الممكنة”، ومعه بدأ هجوم ضارٍ من قبل بعض النقاد وصل إلى حد المطالبة بإسقاط الجنسية المصرية عني بحجة الإساءة إلى سمعة مصر، وهنا تصدى بعض النقاد والمفكرين الأكثر استنارة ووعياً لأهمية السينما، من بينهم “علي أبو شادي” و”سمير فريد” و”مصطفى درويش” وغيرهم دفاعاً عن الفيلم ومخرجته”.

    أيام الديمقراطية..

    وعن فيلم «أيام الديمقراطية» تقول “عطيات الأبنودي”: “بعدما أنهيت فيلم “أيام الديمقراطية”، اكتشفت أن الوثيقة المرئية لا تكفي لعرض كل ما تلتقطه الكاميرا، خصوصاً أن تقنية السرد بالصوت والصورة تختلف تماماً عن السرد بالكلمة المكتوبة، وإن كانت كلتاهما تحمل مقوماتها الفنية الخاصة, لذا لجأت إلى الكتابة لتوثيق تجربة المرشحات المصريات في انتخابات مجلس الشعب. في تصوري، أن الوثيقة المكتوبة جاءت أكثر اكتمالاً من الفيلم من حيث التفاصيل والشخصيات بكل ما تبوح به من أفكار وتصورات وخيالات”.

    وعن سؤال يردد بعض النقاد أن أفلامك تسيطر عليها النزعة الأنثوية، ما تفسيرك؟ تجيب: “إنه كلام عار عن الصحة، خصوصاً أن أفلامي تتوجه إلى الرجل قبل المرأة, بالإضافة إلى أنني لا أصنف نفسي إطلاقا بأنني مخرجة تصنع أفلاماً للنساء فحسب, لكنني أسعى للتأثير في وجهة النظر الذكورية وتغيير الأفكار البالية والقيم والعادات الموروثة التي تنال من حقوق المرأة وحريتها، وذلك ما تهدف إليه أفلامي. عانيت كامرأة في حياتي من القهر الواقع على النساء، ومؤمنة تماما بالمساواة بين الجنسين, لذا قدمت ستة أفلام تعرضت إلى شتى ألوان القضايا الملحة والضرورية بالنسبة إلى المرأة هي: «أحلام البنات»، «راوية»، «أيام الديمقراطية»، «صنع في مصر»، «نساء مسؤولات»”.

    تعليم وكفاح..

    في حوار آخر أجرته معها “هند مختار” تقول “عطيات الأبنودي” عن نشأتها: “أول الوعي، الوعي بأني موجودة أساسا، يرجع إلى وقت انتقالنا للعيش بالقاهرة، حيث أقمنا بـ”جنينة ناميش” بحي السيدة زينب، وكانت أُسرتي تتكوَّن من ثلاثة صبيان وأربع بنات، أنا أصغر البنات، وهؤلاء مَنْ رأيتهم غير الذين توفاهم الله.. في القاهرة التحقت بكُتَّاب “الشيخ محمد”، وكان عُمري وقتها ثلاث سنوات، أذكر أن الشيخ محمد كان يمر على أبناء الحي ويأتي بنا إلى الكُتَّاب، ومازال هذا المشهد محفورًا بذاكرتي.. كما أتذكر أيضًا حرب فلسطين سنة 1948، كانت الغارات كثيرة على القاهرة فقرَرت أمي العودة إلى بلدنا -السنبلاوين- مرة أخرى، وهناك التحقت بالمدارس.. بالمناسبة أمي كانت “وفدية” وسمت أختي الكبرى “صفية”، وأخي الأكبر “زغلول”، على أسماء زعماء ثورة 1919، كان لديها وعي وكانت متعلمة وكانت تقرأ وتكتب، وتكتب اسمها باللغة الإنجليزية، وحينما كنت أدرس في الخارج كانت ترسل لي الخطابات وتكتب عنواني بالإنجليزية بيدها، علمًا بأنني الوحيدة بين إخوتي البنات التي أكملت تعليمها”..

    وتضيف: “التحقت بعد ذلك بكلية الحقوق جامعة القاهرة سنة 1956، وكنت أصغر طالبة في جامعة القاهرة، فقد كان عمري وقتها 15 سنة و9 شهور، وقبل مجيئي للقاهرة كنت قد قرأت تقريبًا كل ما أُتيح لي من روايات: (توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، حتى أرسين لوبين وآجاثا كريستي وشارلوك هولمز)، كل ما وقع تحت يدي قرأته، وكان آخر كتاب قرأته قبل مجيئي للقاهرة هو (الصهيونية أعلى مراحل الاستعمار)، وكان تأليف الأستاذ “فتحي الرملي” والد لينين الرملي.. أذكر جيدًا أن حلمي وحلم أمي طبعا هو دخول الجامعة، ولم يأت هذا الحلم من فراغ، ولكن كان عندي وقتها 12 سنة حينما تولى الرئيس جمال عبد الناصر الحكم، وكنت في المدرسة الثانوية بنات بالسنبلاوين، فالأحلام تفتَّحت للناس، فكنت نتاج هذا العصر، فالتعليم والجامعة أصبحا شيئا مطروحا على أذهان الناس، فلا فرق بين البنت والولد، وأمي كانت تقرأ وتكتب وتسمع في الراديو أن هناك حياة أخرى أظرف وأجمل، وأن الناس تتعلم مجانا، فطرحت مسألة دخولي الجامعة.. كان حلمي أن أكون صحفية أو محامية، فقد كان دائمًا هناك حلم آخر غير أن أكون فتاة تذهب إلى معهد المنصورة تدرس سنتين ثم تكون مدرسة، لم أكن أريد هذا. أمي قالت ليس لدينا نقود لهذا، أخي الأكبر كان يعمل في القاهرة ومتزوج للمرة الثانية، ويعمل بائع أقمشة في “عمر أفندي” فقلت لها: إنني سوف أقيم عند أخي، فقالت: طب مش عايزة جونلتين ولا بلوزتين ولا مصاريف؟فقلت لها: مش عايزة أكتر من جونلتين وبلوزتين وبلوفر، ووقت الشتاء نعمل “جمعية” ونقبض 20 جنيها، فاشتريت الملابس ودفعت المصروفات التي كانت 15 جنيهًا في السنة، وكان يمكن أن أقدم شهادة فقر وأطلب إعفائي من المصروفات، أو مساعدتي ومنحي كتب من اتحاد الطلبة، أو أي شيء لا أستطيع تحمُّل تكاليفه”.

    في رصيد “عطيات الأبنودي” أكثر من 25 فيلماً تسجيلياً منها:

    (حصان الطين، في عام 1971، وحصد الفيلم العديد من الجوائز الدولية، منها الميدالية الذهبية في مهرجان قليبية بتونس، والجائزة الأولى في المهرجان الأول للشباب بدمشق عام 1972، والجائزة الكبرى في مهرجان غرونوبل بفرنسا في عام 1973، والميدالية الذهبية من مهرجان مانهايم بألمانيا في العام نفسه- أغنية توحة الحزينة- سوق الكانتو- الأحلام الممكنة- نساء مسؤولات- الساندوتش- مناظر من لندن- بحار العطش- نساء البترول-  إيقاع الحياة- عام الوزير مايا- حديث الغرفة رقم 8- مفكرة الهجرة – القتلة يحاكمون الشهيد- أحلام البنات- أيام الديمقراطية- بطلات مصريات). و آخر أعمالها كان الفيلم التسجيلي “صنع في مصر” عام 2006.

    وفاتها..

    توفيت “عطيات الأبنودي” يوم الجمعة 5 أكتوبر 2018 عن عمر ناهز الـ79 عاما، بعد تدهور حالتها الصحية عقب إجرائها عملية لإزالة عده جلطات بالشريان الأورطي.

     

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا