صلاح منصور.. برع في المسرح والإذاعة وقام بأدوار خالدة في السينما

    خاص: إعداد- سماح عادل

    “صلاح منصور” هو ممثل مصري اشتهر في فترة الستينات وقد عرف بأدوار الشر في السينما المصرية.

    حياته..

    “صلاح منصور” من مواليد سنة 1923 في شبين القناطر، تخرج من معهد التمثيل عام 1947، بدأ حياته الفنية على المسرح المدرسي عام 1938 أثناء دراسته، حياته المهنية بدأت عام 1940 كصحفي بمجلة “روزاليوسف”، ولم يكن عمره قد تجاوز السبعة عشرة عامًا، ولشدة هوسه بالفن التحق بالقسم الفني في المجلة، وأتاح له ذلك لقاء عدد كبير من الفنانين، وتمكن من إجراء أول حوار مع المطربة أسمهان.

     

    لم يكمل عمله بالصحافة لفترة طويلة، حيث علِم بافتتاح معهد الفنون المسرحية، وقرر أن يلتحق به للدراسة ضمن طلاب الدفعة الأولى، التي كانت تضم “فريد شوقي”، و”شكري سرحان” و”حمدي غيث”، إلى أن تخرج فيه عام 1947.

    المسرح الحر..

    أسس مع الفنان “زكي طليمات” “فرقة المسرح الحر” عام 1954، والذي كان أول مسرح خاص يقدم أعمالا جادة، وقدم العديد من الأعمال المسرحية الهادفة سواء لكبار الكتاب المصريين، أو المقتبسة عن روايات عالمية، حيث قدم لـنجيب محفوظ “زقاق المدق”، و”بين القصرين”، كما قدم لـنعمان عاشور “المغماطيس” و”الناس اللي تحت”، ومن الأعمال المتميزة الآخرى “شىء في صدري” لحمدي غيث، و”الزلزال” لـجلال الشرقاوي، و”يا طالع الشجرة” لـسعد أردش، ومن المسرح العالمي قدم “الجريمة والعقاب”، و”زيارة السيدة العجوز”، و”رومولوس العظيم”، وغيرها من الأعمال التي أثبت فيها موهبته المتفردة، حتى قال عنه أستاذه “زكي طليمات” “أنه ضمير المسرح وصحوته”، وعلى الرغم من تقديمه أعظم المسرحيات، إلا أنه لم ينس المسرح المدرسي الذي كان أحد رواده، فعمل حتى وفاته مستشارًا لوزارة التربية والتعليم للتربية المسرحية، وكان يؤمن أن حجر الزاوية في النهوض بالمسرح لا تأتي إلا من المدرسة وتعليم الصغار فن التمثيل، لهذا ظل طوال عمره يطالب بأن يكون للتربية المسرحية دور أكبر في الوزارة.

    لم تقتصر موهبة “صلاح منصور” على المسرح فقط، إذ كان للإذاعة نصيب كبير من إبداع هذا الفنان العملاق، فكان أحد نجومها البارزين، وقد ساعده صوته القريب من الأذن ونبراته القادرة على التلون في تقديم العديد من الأدوار المتميزة، ومن أدواره التي لا تنسى “ضبوش العكر” في مسلسل “عوف الأصيل”، و”محمد الخياط” في مسلسل “قسم”، و”الأمير زياد” في رابعة شهيدة الحب الآلهي، وقد حقق “صلاح منصور” في هذه الأدوار نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، حتى أنه حصل لأكثر من مرة على جائزة أحسن ممثل إذاعي في المسابقة التي كانت تجريها إذاعة صوت العرب.

    شارك “صلاح منصور” في العديد من المسلسلات التليفزيونية منها “الحب الأخضر”، و”الحب الأخير”، والضباب، و”لقاء” و “على هامش السيرة”.. كما شغل منصب مستشارا، في إدارة التربية المسرحية بوزارة التربية والتعليم حتى وفاته.

    السينما..

    إذا كان المسرح عشق صلاح منصور الأول، وأيضا الإذاعة التي كان أحد روادها، فإن السينما أعطته الشهرة والنجومية وحب الناس، وكانت البداية وهو لايزال طالبًا في معهد السينما، حيث شارك في فيلم “زهرة” مع “بهيجة حافظ”، وبعد التخرج عاود الظهور في بعض الأدوار الصغيرة في بعض الأفلام، منها فيلم “المليونير”، حيث ظهر في استعرض المجانين مع “إسماعيل يس”، كما أدى دور صاحب التياترو في فيلم في “الهوا سوا”، ودور الشرير أمام ليلى مراد في فيلم “شاطىء الغرام”، وعلى الرغم من أن دوره في تلك الأفلام لم يتجاوز دقائق، إلا أنه أثبت فيها موهبته الفنية، مما رشحه بعد ذلك لأن يلعب الأدوار الثانية في العديد من الأعمال.

    وقد شهدت مرحلة الستينات تقديمه لأهم أدواره السينمائية، التي أثبت فيها موهبته المتفردة وقدراته الفنية العالية، ومن أهم تلك الأدوار دوره في فيلم “لن أعترف” أمام فاتن حمامة وأحمد مظهر، وإخراج “كمال الشيخ” الذي قدم معه أيضا فيلم “الشيطان الصغير” أمام “حسن يوسف” و”كمال الشناوي”، وقد حصل في هذان الفيلمان على جائزة التمثيل نتيجة لتميزه في أداء أدوار الشر، كما قدم دور الأحدب في فيلم “مع الذكريات” للمخرج “سعد عرفة” بتميز شديد، حتى أن الممثل البريطاني الشهير تشارلز لوتون صفق له عندما عرض هذا الفيلم في لندن عام 1962، وقام بعد نهاية الفيلم وصافح صلاح منصور مهنئا وقال “لو أن هذا الممثل الموهوب موجود عالميًا لكنت أسلمت له الشعلة من بعدي”، ومن أدواره العظيمة الآخرى، دوره في فيلم “البوسطجي” للمخرج “حسين كمال”، حيث قام بدور والد الفتاة جميلة التي يقوم بقتلها بسبب وقوعها في الخطيئة، ومن المشاهد التي لا تنسى له في الفيلم، عندما حمل ابنته القتيلة وسار بها في أنحاء القرية، حيث أدى المشهد ببراعة وتميز، ومع “حسين كمال” أيضا قدم فيلم “المستحيل” أمام “نادية لطفي” و”كمال الشناوي”.

    صلاح أبو سيف..

    إذا كان “صلاح منصور” عمل مع العديد من المخرجين الذين استطاعوا أن يبرزوا موهبته وقدراته الفنية، إلا أن المخرج الكبير “صلاح أبو سيف” استطاع أن يقدم “صلاح منصور” في أفضل صورة من خلال العديد من الأفلام، وكانت بداية التعاون معه في فيلم “بداية ونهاية” عام 1960، حيث قدم دور “سليمان البقال” الذي يخدع “نفيسة” الفتاة العانس التي جسدتها ببراعة “سناء جميل”، ونجح “صلاح منصور” في تجسيد هذا الدور ببراعة، ليكرر التعاون مرة ثانية من خلال فيلم “الزوجة الثانية”، حيث قدم “صلاح منصور” دور “العمدة عتمان” المزواج الذي يطمع في زوجة الفلاح البسيط، فيطلقها منه بالإجبار، حتى يتزوجها وينجب منها الولد، الذي فشلت زوجته في إنجابه، وصل “صلاح منصور” للقمة من خلال هذا الدور، وقدم مع “سناء جميل” دويتو رائع، وحتى الآن لا يمكن أن ننسى جملة “سناء منصور” ” الليلة يا عمدة” ورده عليها “هي حبكت الليلة”.

    استمر التعاون بين “صلاح منصور” و”صلاح أبو سيف” من خلال فيلم “القضية “68، حيث قدم دور الرجل الطيب الذي يرى أن حل المشكلات يجب أن يكون بالمصالحة.

    لا يمكن أن نتحدث عن أدوار “صلاح منصور” في السينما دون أن نذكر دوره في فيلم “ثورة اليمن” مع “ماجدة” و”عماد حمدي” و”حسن يوسف”، وإخراج “عاطف سالم”، حيث تناول الفيلم كفاح شعب اليمن وثورته على نظام الحكم الإمامي، وجسد “صلاح منصور” دور “الإمام أحمد” الطاغية الوحشي بطريقة بارعة، ومن المواقف الطريفة التي حدثت أثناء التصوير، أن “صلاح منصور” كان يصور أحد المشاهد بملابس الإمام في شوارع بمدينة تعز اليمنية، مما دفع بالبسطاء نحوه يريدون قتله وهم يهتفون “اﻹمام عاد من جديد.. اقتلوه اقتلوه” ولم ينقذه من بين أيديهم سوى رجال الأمن المرافقين له أثناء التصوير.

    وقد سُئل “صلاح منصور” في حوار قديم عن سر قبوله هذه الشخصية الوحشية فقال “كراهيتي للشخصية دفعتني إلى تجسيدها، وكان لابد أن نعرف مأساة اليمن في ظل حكم الأئمة، وإشراقة الثورة التي أطاحت بهذا النظام، فمن خلال وجودي في اليمن أثناء التحضير وتصوير الفيلم، عرفت عن قرب بشاعة الحياة التي فرضتها فترة حكم الأئمة مئات السنين”.

    استمر إبداع “صلاح منصور” في السبعينات من خلال أدوار عديدة متميزة، منها دور الزوج المفروض على الفتاة الجميلة الصغيرة في فيلم “حكاية بنت اسمهما مرمر” لـ”بركات”، الرأسمالي الجشع في الأقمر، مدير المخابرات في فيلم “وراء الشمس” لـ”محمد راضيط، وغيرها من الأعمال، وبالإضافة للسينما.

    حصل “صلاح منصور” على عدد من الجوائز التقديرية، أول جائزة كانت عام 1954 كأحسن ممثل مصري إذاعي في مسابقة أجرتها إذاعة صوت العرب. وعام 1963 حصل على جائزة السينما عن دوره في فيلم “لن أعترف”. وجائزة أفضل دور ثاني في فيلم “الشيطان الصغير”. وفي عام 1966 حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى في عيد الفن. وحصل على جائزة الدولة التقديرية من أكاديمية الفنون في أكتوبر 1978 في الاحتفال بالعيد الفني.

    وفاة ولديه..

    التقى “صلاح منصور” مع “أنور السادات” في عدة مواقف، كان منها عندما شارك ابنه في حرب 73 وعندما جاءه خبر استشهاده وزع حلويات علي جيرانه والمارة في شارع منزله وعانق الرئيس السادات وبكي في حضنه، وتبرع بمكافأة ومعاش ابنه الشهيد لتسليح الجيش المصري.

    وحينما مرض ابنه الأصغر هشام، واضطر للسفر معه إلى الخارج لتلقي العلاج على نفقة الدولة، حيث أجرى جراحة عاجلة بلندن، تكلفت مبالغ طائلة، فاحتاج إلى تجديد طلب العلاج على نفقة الدولة، ومدّ فترة بقائه لثلاثة أشهر أخرى، وفي تلك الأثناء تصادف زيارة “أنور السادات” لهناك، فطلب منه “منصور” مدّ فترة علاج ابنه ووافق السادات “شفاهة”، إلا أنه طلب من الرئيس أن يوقّع على الورقة التي قدّمها له، فابتسم السادات وأدرك ما يرمي إليه ووقع على الطلب، إلا أن ابنه توفى بعد إجراء الجراحة مباشرة في 19 يناير عام 1979.

    وفي نهاية السبعينيات وأثناء استعداد «منصور» لتقديم مسرحية بعنوان «بكالوريوس في حكم الشعوب»، أمام النجم الشاب حينئذ “نور الشريف”، اعتذر “صلاح منصور” للمرة الأولى عن العمل بعد تعاقده عليه بسبب مرض السرطان، الذي كان اشتد عليه، ورشح بدلًا منه “يحيى الفخراني”، فظل يعاني من سرطان في الرئة وتليف في الكبد، ويقاوم آلام المرض أكثر من ثلاثة أعوام، دون أن يصارح أحدًا بحقيقة مرضه، وقيل إن القهر على رحيل ابنه كان من الأسباب التي عجلت بوفاته.

    أثرت وفاة ابنه الثاني على نفسيته، وأصيب بالسرطان، ودخل للمستشفى لتلقي العلاج، وكانت آخر كلماته لزوجته وابنه “لا تبكوا فقد عشت عمري وأنا أكره الدمع في عيونكم، ولن أحبها بعد موتي”.

    وفاته..

    وفي 19 يناير 1979 توفي “صلاح منصور”  في المستشفي.

     

     

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا