الإثنين 6 فبراير 2023
19 C
Baghdad

“صلاة من أجل المسلوبين” في CIFF لم يحضرها شريف منير !

0

خاص : بقلم – د. مالك خوري (من CIFF) :

عصر أمس؛ خلال عرض فيلم (صلاة من أجل المسلوبين)؛ للمخرجة المكسيكية “تاتيانا هويزو”، لم يكن “شريف منير” موجودًا معنا في القاعة. ولو كان “منير” موجودًا فلربما كانت قد استفزته جدًا لقطات براز البقر داخل منزل عائلة تعيش وسط واقع اجتماعي لا يرحم البشر ولا الحيوان ولا البيئة ولا الحجر. ولكان من الممكن أن تكون له وقفة “وطنية” تضامنية مع المكسيك بوجه الفيلم الذي “أساء” لها ولكرامتها ! لكن لحسن حظنا، فهو وغيره من أصحاب “الأذواق الجمالية” الراقية عندنا لم يتحفوننا بوجودهم أمس في قاعة الأوبرا.. ومر العرض من غير أي مشاكل أو احتجاجات.

بالرغم من أن الفيلم حافل بالصور الصعبة والأصيلة في واقعية تجسيدها لما يعيشه العديد من المكسيكيين؛ (خصوصًا من السكان الأصليين)؛ في المناطق التي تُهيمن عليها كارتيلات تجارة المخدرات، فيبدو أن عرض المخرجة “للغسيل الوسخ” للمكسيك في إطار فيلم يجول اليوم في كل أنحاء العالم، (ورشحته المكسيك نفسها ليُمثلها في الترشيحات لجوائز الأوسكار)، لم يجد من يُهاجمه لإقترافه “ذنب” رصد واقع تعيشه شرائح كبيرة من الشعب المكسيكي.

تتناول قصة الفيلم نماذج اجتماعية هي نتاج واقع العنف المرتبط بحالة مزمنة تفرضها أدوات الجريمة المنظمة في العديد من دول أميركا اللاتينية، (وفِي كثير من الأحيان بحماية أو تواطؤ من القوى الأمنية والاقتصادية الكبيرة في تلك الدول). لكن الفيلم يختار إبقاء ذلك العنف في خلفية ما يرصده، لدرجة أننا لا نميز وجها إنسانية واضحة لرجال العصابات.. نحن نرى فقط نتائج أفعال هذه المجموعات التي تجول كأشباح للموت حول مناطق وجود من استعبدتهم للعمل لمصالحها.

وفي المقابل يُركز الفيلم على رصد حياة أم وابنتها وصديقات ابنتها وهن ينتحلن هوية الفتيان ضمن بيئة تجعل منهن عُرضة للخطف من قبل الكارتيلات إذا ما فُضحت هويتهم الجندرية الحقيقية. الفيلم لا يفصِّل أسباب هذا الواقع، ولكن المعروف أن القوى المهيمنة في مناطق العصابات تُتاجر أيضًا بالأعضاء البشرية للفتيات، في مقابل “استعمال” الرجال والفتيان للعمل في زراعة الخشخاش وتجارة المخدرات، وكذلك في العمل بالمناجم غير الشرعية في نفس المنطقة.

في مواجهة هذا الواقع القاتم، فإن الفتيات يعشن مرحلتي طفولتهن وبداية بلوغهن بكل ما تبقى لهن من قوة وإصرار وحب لما بقي جميلاً في محيط من بقايا حياة وبيئة جعلت منها القوى الطبقية المهيمنة وأدواتها الإجرامية ملعبًا مفتوحًا للاستغلال والتشويه والتعسف.

سينما أميركا اللاتينية لها تاريخ طويل في تناول “العنف” الطبقي الممارس من القوى المهيمنة وبكافة أشكاله المباشرة منه وغير المباشرة، بما في ذلك عنف التجويع والتهميش والاستغلال الاقتصادي والجسدي. وسينما “جماليات الجوع” التي أفرزتها السينما البرازيلية في أوائل ستينيات القرن الماضي، (والتي رفدت فيما بعد ظهور أشكال أكثر حدة في رفضها لسينما “تجميل الواقع المزري” الذي رأته مهيمنًا على السينما “التقليدية”)؛ ليست غريبة عن واقع ما تفرزه، بشكل أو بآخر، السينما الأميركية اللاتينية اليوم.

إن رصد الفيلم لهذا الواقع يميل بشكل عام إلى تجسيد الأسلوب الخاص بالسينما التسجيلية؛ والذي طبع أعمال المخرجة حتى اليوم. ويستكمل الفيلم هذا الاتجاه عبر الاستفادة من الطاقات الهائلة لممثلين غير محترفين في غالبيتهم العظمى. لكن الفيلم يستخدم في نفس الوقت شكلاً سرديًا وإيقاعًا توليفيًا يُتيح للمشاهد فرصة لتمييز تفاصيل بصرية مؤلمة في واقعيتها كما هي ساحرة في عمق وعفوية إنسانيتها.

وما يتبقى لهذه البيئة الاجتماعية هو “المقاومة” ضمن ما قدر لها من روح إنسانية فذة وتضامن ذاتي ما زال في بدايات نضوجه وتكونه. فهي بيئة تعيش وسط طغيان واقع سياسي وطبقي أضخم بكثير من حجم مقاومتها المحدودة والتي يرفدها تحدي الجهل والأمية، وحب الحياة، والتلاحم الاجتماعي. كما أن هذا الواقع لا ينفصل عن لعبة الهيمنة الأكبر والتي ما زالت معظم مجتمعات أميركا الوسطى والجنوبية تُعاني من ثقل حجمها منذ ما يقرب القرنين: المصالح الإمبريالية الضخمة لإمبراطورية “الغرينغو” في الشمال !

بأي حال، فإن “شريف منير” وأصدقاؤه من “النخب” الفنية والنقدية الراقية، لم يكونوا معنا في العرض، وكل شيء مر بسلام !!