شاكر مجيد سيفو.. الشاعر يقيم في الحياة إلى الأبد كي يملأ الفضاء الشاسع الذي استوطنه الفراغ

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    “شاكر مجيد سيفو” شاعر وكاتب وصحفي عراقي، من إصدارته الشعرية: “سأقف في هوائه النظيف” (1996)، و”قلائد أفروديت” (1997)، و”حمى آنو” (2014)، و”على رأسي قنديلٌ أمشي” (2018). ومن كتبه النقدية: “جمر الكتابة الأُخرى” وكتب العديد من المسرحيات للكبار والصغار عرضت على مسارح مدينة “قره قوش” من بينها بالعربية: “المطر والخاتم”، و”العائلة السعيدة”، و”المجنون”، و”أبداً تحيا الأشجار”، وبالسريانية: “شمس وظلام وسعير”، و”من يأتي بالقمر”، و”أنا.. أنت”..

    جسر شعري بين العربية والسريانية..

    وفي مقالة بعنوان “رحيل شاكر مجيد سيفو.. جسر شعري بين العربية والسريانية” نشرت في “صحيفة العربي الجديد” يقول الكاتب: “في مدينة بغديدا، أو قرة قوش، بمحافظة نينوى شمال العراق، التي أبصر فيها النور قبل سبعة وستّين عاماً، رحل اليوم الأربعاء الشاعرُ والناقد العراقي شاكر مجيد سيفو، تاركاً عدداً من الكتب النقدية والأعمال المسرحية والمجموعات الشعرية التي كتبها باللغتين العربية والسريانية.

    وُلد الشاعر الراحل عام 1954، وقضى طفولته قريباً من جدّه الذي كان، مثلما روى في بعض حواراته الصحافية، حكواتياً ومغنّياً بارعاً، يقصُّ عليه في كلّ ليلة حكايات تراثية سيكون لها، لاحقاً، أثرٌ على تجربته الشعرية التي يبرز فيها توظيفه للرمز والأسطورة ونهله من الموروث الرافديني بشكل عام، والسرياني بشكل خاص.

    شكّلت الصحافةُ جزءاً أساسياً من تجرُبة مجيد سيفو؛ حيثُ عمل في عدّة وسائل إعلامية محلّية؛ مثل مجلّة “العائلة” التي تصدر باللغتين العربية والسريانية، ومجلّة “نجم بيث نهرين” التي تصدر بالعربية والسريانية أيضاً، ومجلّة “بانيبال” التي تصدر بالعربية والسريانية والكردية، و”راديو وتلفزيون آشور” في نينوى، واللذين عمل رئيساً للقسم الثقافي فيهما، قبل أن يتولّى إدارة الإذاعة بين 2005 و2007″.

    ويواصل “بدأ مجيد سيفو النشر مطلعَ السبعينيات؛ حيث نشر العديد من النصوص والمقالات الأدبية والثقافية في صحف ومجلّات عراقية؛ مثل “الجمهورية”، و”العراق”، و”الأديب”، و”الزمان”ـ وبهرا”، و”الحدباء”، و”الطليعة الأدبية”، و”أسفار”، و”دجلة”، و”الكاتب السرياني”، و”النهار” اللبنانية، و”الدستور” الأردنية، و”الأسبوع الأدبي” السورية، و”الحياة الثقافية” التونسية، و”الفصول الأربعة الليبية”، و”الشعراء” الفلسطينية، و”نزوة العُمانية”.

    وبعد عقدَين ونصف من الكتابة بالعربية، اتّجه الشاعر الراحل إلى الكتابة بالسريانية – لغته الأُم – في منصف السبعينيات؛ وهي تجرُبةٌ يقول عنها، في حوارٍ صحافي سابق: “كان عليّ الذهاب بها إلى أقصى تخومها المستقبلية لكتابة الذات بلغة الأم”، مُضيفاً: “لا توجد تقاطُعات في تجربتي الشعرية العربية والسريانية، بل هناك تلاصُق وتلاحُم والتئام بينهما، فالمخيّلة تشتغل في منطقة الشعري الخالص الجوهري، واللغة العربية والسريانية من أرومة واحدة وأصل واحد

    حاز الشاعر الراحل جوائز أدبية عدّة؛ من بينها الجائزة الأولى في القصّة القصيرة التي تمنحها “مجلّة الفكر المسيحي” (1976)، والجائزة الأولى في “مسابقة شمشا الأدبية” للشعر العربي والسرياني، والتي يمنحها موقع “عنكاوا” (2006)، و”درع الإبداع الشعري السرياني” من “المجلس الثقافي الآشوري السرياني الكلداني””.

    الكتابة..

    في حوار معه أجراه “عمر أبو الهيجاء” لصحيفة “الدستور” يقول “شاكر مجيد سيفو” عن جدوى الكتابة: “تتراكم كل هذه البنى المعرفية والفكرية والفنية في فضاء سحري يضج بمغانم ذروية تكاد تشكل البنية العميقة للداخل الشخصي، ولأن الداخل دائما يمتاح من النسق الأدبي الخلاق، ويتجاور النسق المعرفي والفني مع الشخصي العميق في أروقة واحدة، هكذا يتحقق الوجود في الكتابة، الوجود بوصفه لوغوس – ربما – حسب هيغل، فحين يذهب الكاتب بحريته إلى الانوجاد الكلي في ساحة الخلق، يكون قد أسس لحياته طرازا معماريا وبنيويا في الحاضنة الانثروبولوجي للقبض على جمرة الجوهر وحيرية الفكر والوجدان، أن لا جدوى العالم تتمظهر في جدوى الكتابة، وتلك من أهم سمات الجوهر الفكري والفني على حد سواء للبقاء في الكتابة وللكتابة الحرة”.

    وعن العمل الصحفي: “إن الكتابة الشعرية العميقة تتخذ لها أروقة ميتاجمالية يؤسسها الجهاز اللغوي العالي بحساسيته الجديدة ويقيم لها أنساقا في الرؤيا واتساع مديات العبارة واستناطيقيا الوجود، ويحد الروح الشعري من المتع الحسية والفكرية والجمالية ما هو فوق الصحافة واشتغالاتها اليومية بالإعلان والإخبار والإنباء والإبلاغ، فالإبلاغ والإخبار من خصوصيات العمل الصحفي، لكن مقولة العمل الصحفي يقتل الإبداع مقولة رثة لا تقف مع خبرات الشاعر الصحفي والصحفي الشاعر.

    فكلاهما ينهلان من المعين اليومي الضاج داخل البنى الاجتماعية والفكرية وتقانات الاشتغالات الحداثية فنا وجمالا وتأطير بيانات شخصية وجمعية، فالتراسل الظاهراتي هنا هو لصالح المعادلة الإنتاجية الكلية، فالشاعر هو الصحفي المهووس بالجمال، والصحفي هو الشاعر المطحون باليومي المهمل والتاريخي الضاج بالحادثة وفضاء الألم والأمل”.

    النص السرياني..

    في حوار ثان معه أجراه الكاتب “هيثم بهنام بردى”  يقول “شاكر مجيد سيفو” عن الخط الوهمي الذي يفصل بينه كشاعر يكتب النص العربي, وشاعر يكتب النص السرياني: “يقينا إنك تقرأ مشهدي الشعري السرياني قراءة ذكية ودقيقة ومختلفة, وفعلا إنك تضيف إلى انشغالي الشخصي في هذا المشغل قوة نقدية ومنها ارتشف هذه المداميك, وأنا بدوري أود أن أسألك هل هناك خط وهمي بيني أنا الشاعر وبيني أنا الشاعر ثانية, هل أعود بك إلى ذاتي العميقة في رؤيتها للعالم والأشياء والوجود والكون والإنسان, لا أرى أي خيط وهمي يا صديقي الجميل بين أن أكون شاعرا يكتب النص العربي والنص السرياني, لكن هناك آليات اشتغال تكاد تتجاوز في محك ما من جهة وأخرى تتباعد في مقتنيات الذات الشاعرة.

    ومنها بالتحديد معامل اللغة, هنا تتوزع وتتشظى الأقانيم, ويطلب كل أقنوم إن ينهل من منابع التداعي الذهني والعلاقات اللغوية الجديدة التي هي رصيد المتن الشعري, ففي النص العربي تجد انفتاحاً هائلاً على معامل الانزياح والتكثيف والسرد هذا ما اسمية بفلسفة الكتابة حسب جاك دريدا, أما في النص السرياني, فقد تضيق المسافة بين هذه المكونات لتتشعب عبر أطر تاريخية اللغة ومراجعها وقاموسيتها وشفاهياتها واقنومها الواحد.

    وفي هذا المعترك أحرص أن أعمل على الحبكة الخفية, كما يسميها دريدا في قراءته للنص الأفلاطوني (بالمشهد العائلي)، أن حضور اللوغوس الأب في النص السرياني هو الإطاحة باللامركزية للمشهد العائلي، ومن هنا كانت محاولاتي لقتل الأب أي دون العودة إلى مرجعيات اليقين لأنها جارحة وحادة ومخيفة ومرعبة هذا ما قلته حينما أصدرت بياني الشخصي في الكتابة الأخرى للنص السرياني, لكن بعد ذوبان الجليد عن سماء المشهد الشعري السرياني, انهالت النصوص المختلفة بحسد أو غيرة أو منافسة أو إضافات لفيوض نصوصي السريانية وكتبت حينها وقلت أن الشعر العربي أعلى بقيمه الفنية بالانفلات من أسر الوزن والقافية, فحّتام يظل النص السرياني أسير قيود وقوالب تقليدية وأشكال مستهلكة, وبعدها صار النص السرياني الذي كتبته ومعي نخبة من الأسماء حضارة شعرية جديدة أقامت مهرجانها الكوني الشعري وسط ذائقة احتفت وما زالت تحتفي بمقتنيات الاختلاف والرؤى الحالمة الجديدة وامتصاصها للشفاهي والموروث الشعبي والنسق الميثولوجي.

    لقد ظل التشكل الخارجي ينتظر الداخل المتشكل كي يمارس حيلة للقبض على الجوهر( فالشاعر الحديث هو الذي يكتب حداثته من داخلها ويتشرب نسيجة الحي بانساغها فكرا وفلسفة حياة وكتابة.. حسب كلام الصديق الشاعر رعد فاضل)، وبالعودة إلى السؤال, فإن الشاعر الذي هو أنا, فأناي هذه هي أرومة تتصل بالعالم الذي يتأكسد داخل شرايينها, فتنتج الذات الشاعرة فكاهة العالم السوداء, ويظل الشاعر المقدس الذي عبر عنه هولدرين مهما انشطرت ذاته, كوناً واحداً يتغذى من انساق عديدة كي يقيم في الحياة إلى الأبد كي يملأ الفضاء الشاسع الذي استوطنه الفراغ كما ورد في متن سؤالك.

    أنا حرصت أن أفجر اللغة كما في مشهدي الشعري العربي, وهكذا عملت على الاستفادة من كل قراءاتي لفلسفة النقد الغربي في أعمال “بارت وأمبرتو ايكو وتودوروف وسارتر وولفغانغ وجان كوهني وياكوبسن وجوليا كرستيفا وفراي وغريماس وبيرس وفوكو ودريدا وغيرهم, المهم إذا من ذلك كله إن يؤسس الشاعر يوتوبياه وجوداً, ذلك ما يؤكده لنا غاستون باشلار في قولة (علينا إن نستعيد كينونتنا المجهولة)”.

    وفاته..

    فارق الحياة “شاكر مجيد سيفو” يوم الأربعاء ١٢ كانون الثاني ٢٠٢٢ في مدينته بغديدا، بعد معاناة مع المرض”.

    قصيدة “أُمي وقيامة الرغيف”..

    ل “شاكر مجيد سيفو”

    مردقوش، إكليل الجبل، مليسا، كركم،

    زيزفون، زعتر، قريص، حلبة، دارسين زنجبيل،

    هؤلاء ليسوا أصدقائي

    حروف الرخام صديقاتي

    أصدقائي باخوس وأسخيليوس ونابو وانليل وآنو

    كل ليل نحتسي العرق المغشوش

    ولا نلتقي أبدا إلا في السرداب ذي الرقم ح.

    أمي كانت تنقش بحروف ذهب جبينها أبديتها

    فوق رخام جسدي

    وتوقظ فيه الرماد

    سبعا وسبعين مرة

    تحصي سنابل أعوامها الثمانين

    وتضحك أسنانها للتسعين

    سنابل أعوامها تخضرّ في رماد عيني وتجاعيدي

    وارتعاشه النجوم في سمائي الثامنة

    في رعشة النارنج والناردين

    وسعادة يديّ الراعشتين

    تكتب أمي وصيتها

    في مظروف من فضة روحها

    وتكتبني في ارتجاف الرغيف والقمر فوق جبيني

    في رعشة الرغيف وقيامته

    وروحه ترفّ

    في كفّ يسوع

    في رعشة الرماد تكتبني أمي بدمعها

    وتطفئ رماد أعوامي الستين

    في يقظة تنورها

    الرغيف يرتجف وأنا في طيشه مثل الياقوت

    تارة ألمع وأخرى أقع

    في طيش التنور أذهب مع الرغيف في اللهب

    أذهب في الطحين من أجل سعادة الأسبرين

    أسقي سريري بالقرفة واليانسون والزنجبيل

    أمي تأخذني كل صباح إلى بوح القيمر

    وفضائح القمر

    إلى رعشة النواقيس ودقاتها

    أرتق أخطاء قداسي

    في رائحة البخور وهرج الصنوج

    الطيور هنا تصمت

    والمخلوقات والياقوت والبياض

    في محلة «السمقو»٭

    أمي حفظها الربّ ومار يوحنا الذهبي الفم

    تأخذني إلى جراحاتها الرخامية

    أنا الذي آكتويت بعشق المدائح والأرق

    في ذكرى عيد مار بهنام وأخته سارة

    حاملا في سرّتي صرّتي والبلاد

    وسرّة البرق تهذي في فمي .

    أمي كانت تخبز أضلاعي السبعة

    لأخوتي السبعة الذين رقدوا

    في السابع من آب

    ذات مرة

    وأخرى ذات شتاء ماطر وكليم

    دُحسوا في سبعة قرون من قرون السماء الثامنة

    قرنا يبلع قرنا

    في ارتعاشه الصمت والبياض والكلمات

    كانت العصافير تصفق تارة وتصمت أخرى

    على أسلاك الكهرباء

    وهناك قريبا من روحي ـ في العيادة الشعبية في عنكاوا

    أخبرتني د. نهلة بأنّ سعادة جسدي تسطجُّ في لسان السونار

    كانت صديقتها زينة ترتب لي شرشفا أبيض

    ليقطّر جسدي بياضه فوقه.

    أمي كانت تطبخ لنا

    بؤبؤ عينها اليمنى

    كي ننام هانئين بلا أحلام سود

    من خجل البصل وفضائح الثوم

    وقيلولة النار

    وقيامة الخبز الأسمر

    ولعنات الكهرباء

    ظلت حروف الرخام رفاً

    أو دارا للاستراحة

    وعينا أمي معلقتان في سقف المطبخ تدمعان

    يقطر منهما السخام والدمع الأسوِد..

    ٭ المحلة القديمة التي عاش فيها الشاعر طفولته وصباه وشبابه.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا