سد النهضة .. والشرق الأوسط الجديد

الجمعة 24 تموز/يوليو 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

دراسة تحليلية .. إعداد/ محمد عبد المنصف

في عام 1556 بعث ملك الحبشة تكلاهيمانوت رسالة تهديد إلي والي مصر قال فيها ” ان الله قد جعل ينبوع النيل ونماؤه في أيدينا فمن ثم يمكننا أن نستخدمه في ايذائكم”،(1)ومعني ذلك أن فكرة اقامة منشآت ري علي منابع النيل الأزرق ليست  وليده القرن العشرين أو الحادي والعشرين، وانما خطط لها كريستو داجاما ابن فاسكو داجاما مكتشف طريق راس الرجاء الصالح عام 1497 (2).

وكل الشواهد تؤكد التعنت الاثيوبي تجاه حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، لمجرد ايذاء المصريين حيث يقدر حجم الأمطار المتساقطة علي أثيوبيا بأكثر من 900 مليار متر مكعب ، يسقط منها 400 مليار علي منابع النيل الازرق فيما تقدر حصتي مصر والسودان من مياه النيل بنحو 84 مليار متر من المياه، ومع ذلك تري أثيوبيا أن لها الحق في هذه المياه.

و سبق وأن حذر  الدكتور ميخائيل جورباتشوف رئيس الاتحاد السوفيتي الأسبق ورئيس منظمة الصليب الأخضر،والتي تعمل علي فض المنازعات علي المياه بصورة سلمية، خلال مشاركته في قمة الأرض للمياه “بلاهاي” عام 2000،  أنه أصبح مقتنعا بعد جولته في الشرق الأوسط عام 1999 إلى احتمال قيام حروب شاملة في المنطقة بسبب المياه ما لم تجد مشكلات المياه داخلها  حلولا شاملة وواقعية.

الغريب ان جورباتشوف توقع نشوب النزاع المسلح بين عامي 2010 و2015 ، وهو نفس التوقيت الذي بدات فيه النزاع المباشر حول المياه بعد اعلان اثيوبيا انشاء سد النهضة في ابريل 2011، وبدأت معه تغير لغة الحوار بين خبراء المياه في مصر وباقي دول الحوض، وكان واضحا منذ الوهلة الأولي وجود تعنت اثيوبيا ضد كلا من مصر والسودان.

والواقع أن ازمة المياه في أفريقيا الي لا ترجع لندرة الموارد بقدر ما حاجتها لمشروعات مشتركة تحقق التنمية المنشودة علي أرض الواقع، فخلال اجتماع وزراء المياه الأفارقة في القاهرة عام 2003 لوضع رؤية مشتركة لتعظيم الاستفادة من موارد القارة المائية.

أكد الباحثون علي زيادة الأراضي التي تروي بانتظام من 7 الي 15%حيث تعتمد أفريقيا في ري  93% ، من أراضيها علي مياه الأمطار، ولابد من خطة اقليمية لتعظيم العائد من الموارد المتاحة، ونظرا لأن 80% من السكان يعيشون في الريق ويمتهنون مهنة الزراعة فان الأمل الوحيد للنهوض بمستوي معيشة السكان مرتبط أساسا بتطور مشروعات الري(4).

ولا يمكن لأي باحث أن يدرس أزمة المياه بعيدا عن خطة تقسيم بلاد الشرق الأوسط التي ، فليس سرا ما أعلنته كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي في حكومة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش الابن عام 2000، باستهداف أمريكا انشاء ما يعرف باسم الشرق الأوسط الجديد، وهي الخطة التي وضعها برنارد لويس واقرها الكونجرس الامريكي عام 1983.

لتدمير منطقة الشرق الأوسط بالكامل وإلغاء الحدود السياسية القائمة واعادة تكوين دول جديدة بحدود جغرافية جديدة وبطبيعة الحال فلن يتحقق للأمريكان هدفهم الا بعد تدمير كل القوي الاقتصادية والعسكرية في الاقليم، ومعني ذلك أن أزمة سد النهضة ، جزء من عملية كبري يراد منها ابتلاع الشرق الأوسط الي غير رجعة.

ولشرح القضية التي يستهدفها البحث قسمت المشكلة الي ثلاثة محاور

المحور الاول : أزمة سد النهضة

المحور الثاني :الشرق الأوسط الجديد

المحور الثالث :المخاطر  التي تحاصر مصر والعرب من كل جانب

اللاعب الخفي في اللعبة السياسية

المحور الأول : أزمة السد بين مصر والسودان واثيوبيا

من المؤكد أن سد النهضة قد أصبح أمرا واقعا ، ولابد من التعامل مع الأمر الواقع، فبحسب الدكتور أحمد المفتي، خبير القانون الدولي، وممثل السودان السابق في لجنة التفاوض الأولى حول السد ، فإن سد النهضة لم يُشيد لتوليد الكهرباء، بل لإعادة توزيع الحصص المائية على حساب السودان ومصر.

النقاط الخلافية التي تستند اليها اثيوبيا

حيث طرحت اثيوبيا في مذكرتها الي مجلس الأمن خلال شهر يونيو ، توقيع مصر والسودان منفردتين علي اتفاقية 1959 دون الرجوع اليها،وأنها اعترضت علي تلك الاتفاقية رسميا عدة مرات، مشيرة الي قيام مصر بانشاء العديد من المشروعات القومية مثل” توشكي- ترعة السلام- ومن قبل انشاء السد العالي دون الحصول علي موافقتها.

أضافت المذكرة أن اثيوبيا لا تعترف بجميع اتفاقيات حوض النيل ، لتوقيعها خلال حقبة الاستعمار، وأن الدول التي وقعت عليها كانت واقعة تحت سيطرة الاستعمار، فضلا عن كونها اتفاقيات غير منصفة، حيث أعطت لمصر حصصا أكبر مما تستحق ولم تراعي حقوق دول المنبع في المياه.

واتضح ذلك من تصريح وزير خارجية اثيوبيا عقب الانتهاء من مرحلة المء الأولي لبحيرة السد يوم 21 يوليو ، بان النيل قد اصبح بحيرة اثيوبية خالصة ، لا يشاركها فيها احد ، وأن من حقها التحكم منفردة في كل قطرة مياه تخرج من النيل وقتما شاءت بصرف النظر عن مصلحة كلا من مصر والسودان من المائية.

تحليل محايد لهذه الادعاءات

الواقع أن كل هذه الادعاءات غير مبررة ، فمشروع توشكي يقع علي مساحة 500 الف فدان داخل الأراضي المصرية ، يعتمد في ريه علي حصة مصر من مياه النيل، اي أن موارده المائية تم توفيرها ضمن الموارد المائية المتاحة دون الاستعانة بموارد خارجية.

أما مشروع ترعة السلام لري 400 الف فدان في شمال سيناء، فمعروف تاريخيا ان مجري النيل في العصور القديمة كان له سبعة مصبات علي البحر المتوسط، انحسرت كلها وبقي فرعيدمياط ورشيد، فيما لازالتي البحيرات الشمالية الخميسة شاهدة علي وصول النيل للمنطقة يوما ماء، وليس ادل علي ذلك من وجود بحيرة البردويل في شمال سيناء، بخلاف بحيراتالمنزلةادكوالبرلسمريوط، وبذلك يصبح الادعاء بنقل مياه النيل خارج مجري النهر مجرد افتراء علي المصريين، ولا يمكن الاعتداد به في  المحافل الدولية.

تبقي الاتفاقيات التي وقعت علي عهد الاستعمار، فالتاريخ يؤكد ان اتفاقية عام 1902 وقع عليها الملك منيلك الثاني ملك الحبشه وكانت دولة مستقلة غير خاضغة لاي نوع من الاستعمار ، فيما كانت مصر واقعة تحت الاستعمار الانجليزي، ومن العجيب ان الدولة المستقلة هي التي تشكو من توقيع الاتفاقية في ظل وجود الاستعمار.

وبالنسبة لاتفاقية 1929 فقد تم توقيع الاتفاقية بين وزيري خارجية بريطانيا نيابة عن مصر والسودان ووزير خارجية ايطاليا نيابة عن اريتريا واثيوبيا، وتشير الوثاق الي استقدام بريطانيا لخبراء مياه من الهند للنظر في التوزيع العادل لحصص المياه حيث انتهت اللجنة الي حاجة مصر الي 58.5 مليار متر مكعب من المياه فيما خصصت اتفاقية 1959لها  55.5مليار متر فقط.

وأخيرا تأتي اتفاقية 1959 التي وقعت بين مصر والسودان فقد وقعت بين دولتي المصب بعد خروج المياه من دول المنابع، ولا يوجد تاثير مباشر عليها من تطبيق الاتفاقية، التي رأت أن متوسط المياه التي تصل الي اسوان علي مدار 100 سة كانت 84 مليار متر مكعب تم تقسيمها بين البلدين بمعدل 55.5 مليار متر لمصر و18.5 مليار متر مكعب بالاضافة الي فقدان 10 مليارات متر مكعب سنويا نتيجة البخر من مسطح بحيرة ناصر.

الموقف الحالي لتوزيع المياه

واوضح الدكتور أحمد المفتي خبير المياه السوداني  أن هناك عدة سيناريوهات وضعت لتقسيم الحصص المائية بين الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان) على النحو التالي:

الأول سيناريو البنك الدولي والولايات المتحدة الأمريكية الذي تحدث عن تمرير 37 مليار م3 من المياه سنويًا ، خلف السد وهذا يعني أن يتم تقسيم الحصص بين الدول الثلاث  كالتالي

حصة اثيوبيا 11 مليار متر مكعب

حصة السودان 11.25 مليار متر مكعب

حصة مصر 25.75 مليار مترم مكعب

السيناريو الثاني وفقا للرؤية المصرية بتمرير نحو 40 مليار م3 خلف السد وتوزع  على النحو التالي

حصة اثيوبيا 8 مليارات متر مكعب

حصة السودان10 مليارات متر مكعب

حصة مصر 30 مليار متر مكعب

أما السيناريو الذي وصعته اثيوبيا

فكان كالتالي

حصة اثيوبيا 17 مليار متر

حصة السودان 5.5 مليار متر

حصة مصر 27.5 مليار متر مكعب

نقاط الخلاف العالقة بين الدول الثلاث

من الملاحظ أن اثيوبيا تتلاعب بالمفاوضين المصريين والسودانيين علي السواء فقد سبق واعلنت ملء بحيرة السد ثم عادت ونفت الخبر ، ثم فاجأت العالم بانها انتهت من ملء المرحلة الأولي، وكل يهذا يؤكد سوء النية المبيته من الطرف الأثيوبي.

وتتلخص نقاط الخلاف في كيفية ملئ خزانات السدود الثلاثة عقب الجفاف الممتد، حيث تشير كل الدراسات الي تعرض منابع النيل لنوع من الجفاف الممتد الذي ق يستمر حتي عام 2027 وفي هذه الحالة سيصبح هناك ثلاثة خزانات فارغة هي خزان سد النهضة في اثيوبيا وخزان سد الروصيرص في السودان وخزان السد العالي بمصر فكيف نبدأ ملئ هذه الخزانات عندما ياتي الفيضان العالي، هل نبدأ بالسد العالي أولا أم بسد النهضة.

أما المشكلة  الأساسية فهي أن اثيوبيا ترفض  التوقيع علي أي اتفاق ملزم عند التعامل مع ملف ادارة السد، ولا تريدالاعتراف بان النيل نهرا دوليا ، مما يلزمها احترام القانون الدولي حيث اعلن وزير خارجية اثيوبيا “جيدو أندارجاشيو”أبي أحمد عقب انتهاء القمة المصغرة يوم 21 يوليو 2020 بان النهر اصبح نهرا اثيوبيا تتحكم فيه بمفردها،وأن أي  تعديل في اسلوب ادارة السد سيتم بناء علي رؤيتها منفرده وأنها ستكتفي بإخطار مصر والسودان لتبدأ تنفيذ ما تريد بصرف النظر عن موافقتهما من عدمه..

وتتعلق النقطة الثالثة برفضها طوال فترة المفاوضات الفنية تعريف معني كلمة الجفاف الممتد، ونوعية التعويضات التي ستلتزم بدفعها لمصر والسودان عند حدوث ضرر لكل منهما ، أي أنها تجر مصر لمواجهات عسكرية وسياسية تتطلب سرعة نقل الملف إلي المحافل الدولية.

الخطير في الأمر هو استحداث سابقة في القانون الدولي، باقامة منشآت علي منابع نهر دولي قبل اخد موافقة باقي الاطراق مما يؤكد ان اثيوبيا تريد استخدام  المياه ورقة ضغط سياسية علي مصر، بعد أن رأت قبولا من المصريين بطلباتها فمنذ  عن انشاء السد  عام2011 طالبت مصر بوقف انشاء السد لحين الانتهاء من الدراسات الفنية ودراسات آمان السد، ولكنها استمرت في البناء، ولم تهتم بالاضرار المتوقع تعرض مصر في حالة استكمال السد .

ومن عجب أنها  وقعت علي اتفاق اعلان المبادئ في الخرطوم مارس 2015 ، والذي نص علي عدم الاضرار بمصالح مصر المائية، وعدم البدء في ملئ خزان السد قبل التوصل لاتفاق بين الدول الثلاث، ثم  قامت ببدء الملئ التجريبي والمقدر بنحو 4.9 مليار متر مكعب بحجة وجود مياه الفيضان دون اخذ موافقة مصر، وهي حجه واهية حيث قامت بسد البوابات الموجودة أسفل السد عن عمد لحجز المياه..

وأعلن وزير الري السوداني ياسر عباس أن السودان  يعاني فعليا في الوقت الراهن من ضعف انتاج الكهرباء بل وتوقف عمل محطات مياه الشرب نتيجة انخفاض منسوب المياه امام سد الروصيرص، وسد سنار ، ولولا امتلاك مصر مخزون مائي في بحيرة السد العالي لعانت هي الأخري من الجفاف، وهي تمر حاليا بموسم أقصي الاحتياجات المائية.

السيناريوهات المتوقعة للأزمة

ربما كانت هذه الضغوط بداية لطلب اثيوبيا من مصر توصل مياه النيل لاسرائيل، او محاولة جرها  الي حروب اقليمية تستنزف قوتها العسكرية، لاسيما وأنها تعاني من أزمات طاحنة سواء علي مستوي عجز الموازنة أو البطالة في الوقت الذي تتعرض  فيه من لهجمات ارهابية علي أرض سيناء فضلا عن  الصراعات بين المليشيات المسلحة علي حدودها الغربية.

ومن الغريب أن تشكو مصر اثيوبيا في مجلس الأمن فاذا به يحيل القضية الي الاتحاد الأفريقي ، الذي يرأسه في دورته الحالية سيريل  رامافوزا رئيس دولة جنوب افريقيا ، والذي بدا واضحا انحيازه لصالح اثيوبيا، فلم يتقدم بأي اقتراحات لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، طوال فترة المفاوضات، وتغاضي عن تعمد المسؤولون الأثيوبيين اصدار بيانات متضاربة حول بدء ملئ خزان السد من عدمه مما أربك المفاوض المصري والسوداني ثم فاجأت الجميع بانها خزنت بالفعل الكمية المحددة للملئ الاول.

وحتي لو فكرت مصر في ضرب السد عسكريا بعد استكمال تخزين المياه وقدرها 74 مليار متر مكعب، فسيحدث دمارا مذهلا علي كلا من السودان ومصر بل وسيعطي المبرر لأي جهة معادية لمصر بضرب السد العالي،

الآثار المترتبه علي تمسك اثيوبيا بموقفها علي مصر والسودان

اذا فقدت مصر 2.5 مليار متر مكعب من حصتها المائية ، فانها ستفقد فورا 500 الف فدان علي اعتبار ان متوسط استهلاك الفدان 5 الاف متر  سنويا من المياه ، كما سيفقد اكثرمن مليون فلاح مصدر رزقهم، يعتمدون اعتمادا اساسيا علي عملهم بهذه الأراضي والأخطر أن انخفاض منسوب المياه غالبا ما يصاحبه ارتفاع في نسبة الأملاح ومعدلات التلوث.

ومن المتوقع حدوث ارتفاعا كبيرا في معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة بالمياه كالبلهارسيا، وتوقف أغلب مشروعات التنمية الزراعية ، أما السودان فستراجع معدلات تويد الكهرباء من سدي سنار والروصيرص، كما ستتأثر محطات مياه الشرب النقية، ويصبح من الضروري مضاعفة تكاليف تنقية المياه ، كما ستتأثر المناطق التي تروي ريا تكميليا مع مياه الأمطار.

والواقع ان السودان لديه موارد بديلة ممثلة في مياه الأمطار ومياه الآبار

ومن الواضح ان مصر تتعرض لحرب ابادة لم تتعرض له من قبل وهذا ما اشارت اليه السفيرة مني عمر عام 2011 عند تخريج دورة تدريبية عن الاعلام في افريقيا من الجمعية الافريقية بالزمالك بالقاهرة.، نظرا لان نقص المياه من شانه ان يؤدي الي ارتفاع نسبة الملوحة في التربة وتراجع انتاجيات المحاصيل بصورة كبيرة ، وتفشي الامراض المرتبطة بالمياه كالبلهارسيا، وغيرها، وسيودي الي هلال نحو مليون فدان ، وتعرض مئات الاف للامراض الخطيرة.

و لابد ان نعرف ان اجمالي موارد مصر المائية تتكون من 55.5 مليار متر مكعب سنويا، اضافة الي 1.5مليار من مياه السيول والامطار، ونحو 4الي 5 مليار من المياه الجوفية، باجمالي 61 مليار فيما تستهلك اكثر من 100 مليار متر وتعتمد في سد الفجوة علي اعادة استخدام مياه الري اكثر من مرة..

ثانية فلسفة تخزين المياه امام السد العالي

يبلغ طول السد العالى 3600 متر وأقصى إرتفاع له 111 متر فوق منسوب قاع النهر. تم إستكمال إنشاء السد العالى فى عام 1968 على مسافة 7 كيلومتر من سد أسوان القديم. وتقدر السعة الكلية لبحيرة الخزان (بحيرة ناصر) خلف السد عند أقصى منسوب يمكن أن يتحمله السد (183 متر فوق مستوى سطح البحر) حوالى 169 مليار متر مكعب والتى تعادل حوالى ضعف الإيراد السنوى لنهر النيل عند أسوان (84 مليار متر مكعب.(5)

تخضع قواعد تشغيل السد العالى وإدارة حصة مصر السنوية من المياه لإتفاقية 1959 مع السودان.

ويهدف تشغيل السد العالى وخزان أسوان إلى تنظيم معدل التصرف السنوى لحصة مصر من المياه، مستخدمين سعة الخزان الكبيرة فى التخزين لإيرادات النهر العالية بغرض إستخدامها فى السنوات ذات الإيراد المنخفض. خلال سنوات الإيراد العالى للنهر وعندما يكون من المتوقع (حسب نتائج التنبؤ) أن تتجاوز المناسيب أمام الخزان 175 متر فى أول أغسطس (بداية السنة المائية)، فإن ذلك يستوجب إعداد برامج التشغيل التى من شأنها أن تجعل المنسوب لا يتجاوز 175 متر لتوفير السعة اللازمة لاستقبال الإيراد الجديد للنهر.

فإذا تعدى منسوب الخزان أمام السد الحد الحرج وهو (178 م) فإن المياه الزائدة سوف تنصرف إلى منخفض توشكى. كما أنه من المحتمل أيضا فى حالة تعاقب سنوات الإيراد القليل للنهر فإن منسوب المياه فى الخزان سوف يستمر فى التناقص إلى الحد الذى يؤثر على حصة كلا من مصر والسودان. ولمثل هذه الحالات فقد تم إنشاء مقياس مائى تنازلى مرن يمكن تطبيقه بين الدولتين ضمن إتفاقية 1959 لضمان الحفاظ على منسوب المياه فى الخزان. ومن الواجب ملاحظة أن توليد الطاقة الكهربائية سوف ينخفض إذا نقص منسوب المياه إلى 160 متر.(5)

ومعني ذلك  ان سنوات الجفاف سوف تستمر سبعة سنوات تقريبا وفي هذه الحالة فان احتياطي مصر من المياه لن تسمح بتغطي العجز المائي السنوي، وسيعرض مصر للخطر

المحور الثاني :الشرق الأوسط الجديد

في عام 1905 عقد حزب المحافظين البريطاني مؤتمرا سريا برئاسة هنري كامبل بانرمان رئيس وزراء بريطانيا ، يهدف الي كيفية الحفاظ علي الامبراطوريات الاستعمارية الأوربية ” فرنسا-ايطاليا-هولندا-بلجيكا-اسبانيا -البرتغال” لأطول فترة ممكنة، حيث ناقش المؤتمر سر تصدع الامبراطوريات وانتهي الي أن السبب هي منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر مهبط الأديان السماوية الثلاث الإسلام والمسيحية واليهودية، كما أنها الطريق الاساسي لربط الشرق الأقصي بغرب أوربا والأمريكتين ، كما لدي  شعوبها القدرة علي اليقظة والنهوض من  غفلتها في اي لحظة علي غرار ما حدث في اعقاب الحروب الصليبية وهزيمة التتار في موقعة عين جالوت علي يد الجيش المصري بقيادة قطز، حيث تكونت امبراطورية عظمي كانت  ماردا عملاقا اسمه الدولة العثمانية وهو ما لا يجب السماح بتكراره  مرة اخري.

ولابد من الإبقاء علي شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة،ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر إلى إقامة دولة “يهودية” في فلسطين تكون بمثابة حاجز بشري قوي وغريب ومعادي يفصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن القسم الآسيوي و يحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب فخرج وعد بلفور عام 1917 بانشاء دولة إسرائيل كقوة صديقة للتدخل الأجنبي وأداة معادية لسكان المنطقة.

واستمرت التحديات خلال الحربين الاولي والثانية الي ان ظهر الباحث الامريكي برنارد لويس، بخطته لتقسيم  المنطقة وانشاء الاوسط الجديد والتي اقرها الكونجرس الامريكي  عام 1983 وتضمنت تقسيم العالم العربي الي دويلات.

من خلال تقسيم دول المنطقة واعادة تكوينها من جديد، بحيث يتم تفكيك ليبيا والجزائر والمغرب ، وتكوين  دولة البربر علي امتداد دويلة النوبة بمصر والسودان، ودولة البوليساريو جنوب المغرب ، ودمج الباقي في دولة واحدة، واقترح لويس تقسيم مصر الي عدة دويلات الأولي نوبية في الجنوب، والثانية مسيحية في الصعيد والثالثة للسنة في الشمال والرابعة للبدو في الصحراء الغربية، والخامسة دويلة “سيناء” لاستيعاب الفلسطينين الذين سيتم طردهم من قطاع غزة، علي أن يتم ابتلاع باقي الأراضي الفلسطينية تمهيدا لإعلان قيام دولة اسرائيل الكبري.

خريطة توضح خطة برنارد لويس لتقسيم المنطقة

ومن الملاحظ ان تنفيذ الخطة بدأ بتقسيم السودان الي دولتي شمال وجنوب السودان وجاري محاولة فصل دارفور عن شمال السودان علي الحدود المصرية السودانية عن شمال السودان، بالتوازي مع الغزو الامريكي للعراق عام 2003، ثم نشوب ثورات الربيع العربي التي خطط لها لتمزيق الدول وتدمير بنيتها التحتيه كما حدث في سوريا والعراق ، واليمن وليبيا.

أزمة ليبيا وعلاقتها بسد النهضة

تحاول تركيا السيطرة علي خليج سيرت نظرا لأن من يسيطر عليه يسيطر علي حوض البحر المتوسط، وعلي الهلال النفطي الليبي “سيرت -رأس لانوف-مرسي بريقه”، ومن الغريب ان تتحرك القوات التركية علي اربعة  محاور في نفس التوقيت ففي الوقت الذي توغلت فيه داخل الأراضي العراقية، زحفت بقوة نحو إقليم ادلب السوري.

ونقلت قوات لها الي حدود اليمن كما تقوم بنقل آلالاف المليشيات الي غرب ليبيا بموجب الاتفاق العجيب الذي وقعته مع حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج التي انتهت فترة ولايتها اعتبارا من عام 2017 حيث منحت ثمانية عشر شهرا لتوحيد الفرقاء تبدا من ابريل 2016 وتنتهي بنهاية 2017ولم  تحصل يوما علي شرعية من البرلمان الليبي المنتخب.

وبات واضحا ان القوي الكبري في العالم تحاول تدمير القوي الإقليمية تمهيدا للسيطرة علي المنطقة علي غرار ما حدث في القرن التاسع عشر ، من خلال احداث مواجهة بين أكبر قوتين في الاقليم هما تركيا ومصر، واستنزاف إيران في حروب طاحنة علي الأراضي السورية والعراقية واليمن، وتمزيق اليمن.

من اجل القوة الرابعة في الاقليم ألا وهي اسرائيل التي تريد تستعد للاعلان عن قيام اسرائيل الكبري من النيل الي الفرات حسب ما أعلنته يوم اعلان تاسيسها عام 1947، ولتنفيد الخطه الشيطانية قام اليهود في أعقاب غزو أمريكا للعراق، ولازالوا مستمرين في شراء الأراضي من السكان الأكراد شمال العراق، علي غرار فكرة شراء الأراضي من الفلسطينين مطلع القرن العشرين ، كما لعبت اسرائيل دورا كبيرا في تدمير سوريا لتحقيق هدفها الدي سعت اليه مند قيامها عام 1948.

خريطة توضح سيطرة  خليج سيرت علي حركة الملاحة البحرية في البحر المتوسط والاهم هو تاثيرها عندما تقوم الرياح علي حركة السفن حيث تضطر الي الدخول فيه عند ارتفاع مستوي الرياح .

 

المحور الثالث :المخاطر التي تحاصر المنطقة

لا يختلف اثنان علي أن القوي الدولية تقوم حاليا بتقسيم سوريا لأربعة دويلات الأولي علوية علي امتداد شاطئ البحر، والثانية سنية وعاصمتها حلب، والثالثة سنية حول دمشق والرابعة للدروز حول الجولان مع جزء من لبنان وشرق الأردن.

كما يسعي النظام العالمي الدي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية الي تقسيم منطقة الخليج العربي  لعدة دول باقامة دولة الاحساء الشيعية التي تضم كلا من الكويت والامارات وقطر وعمان والبحرين، ودولة نجد وتضم المسلمين السنة ، ودولة الحجاز، بالتوازي مع تقسيم العراق الي ثلاثة دويلات هي السنة والشيعة والاكراد.

ولا يجب ان ننسي هنا حلم الاخوان المسلمين في استعادة الحكم مرة اخري مهما كان الثمن ، فليس خافيا علي احد الدعم التركي لهم، من نجاح الشعب المصري في اسقاط  حكمهم بثورة 30 يونيو 2013 ، ولابد ان نفهم ان الاخوان تنظيم تم انشاؤه خلال فترة احتلا  الانجليز لمصر عام 1928 علي يد حسن البنا الذي تدور حول شخصيته  العديد من التساؤلات ليكون اداة لهم لتحويل الدين الي اداة تنفذ بما يخططه الغرب.

نحن اذن امام ارهاصات حرب عالمية ثالثة تبدامن أرض ليبيا وتخرج منها لتحرق الإقليم بالكامل، فهناك صراع بين القوي العظمي حول موارد الطاقة بين  الولايات المتحدة الامريكية وروسيا والاتحاد الاوربي وكلا من الصين والهند، لاسيما وان مصر ستصبح واحدة من أكبر من منتجي الغاز  المسال العام القادم ، وهو مايسعي الاتحاد الاوربي للسيطرة عليه منفردا.

أما الصين فتريد الانتهاء من مشروع طريق الحرير الذي أعلنت عنه في قمة الصين أفريقيا 2019 و خصصت له 65 مليار دولار ، وتريد من خلالها تغيير خطوط التجارة العالمية.

أخيرا دور المنطمات الارهابية

لا يختلف اثنان علي ان المليشيات الارهابية صناعة أمريكية فقد ظهرت داعش أول ما ظهرت علي أرض كلا من العراق وسوريا، بأسلحة أمريكية علما بان تسليح هاتان الدولتان كان روسيا طوال الوقت، كما طريقة انتقال عناصرهم من مكان لمكان تثير العديد من التساؤلات ، واستعانتهم بالأقمار الصناعية في عملياتهم ، أشياء تدعو الي التساؤل من اين ياتي تمويل هذه التنظيمات التي تنفق المليارات ، وتدمر اهدافا حيوية للعرب والمسلمين تحت شعار الاسلام ، دون ان تقتل جنديا اسرائيليا واحدا، وكل هذا يؤكد أن أزمة السد ليس سوي جزء من منظومة كبري لتدمير الاقليم .

الخاتمة والتوصيات

من الواضح أن مشكلة السد مشكلة سياسية بالأساس وليست مشكلة فنية ، وأن هناك قوي عالمية تحرك الملف، ولابد هنا من توضيح أمر غاية في الأهمية أل وهو تحريك الأمور في اتجاه المواجهات العسكرية، التي  لن تكون في صالح أي شعب من شعوب الإقليم بل سيضر بالجميع  عاجلا وآجلا ولابد من البحث عن حلول جديدة تقوم علي  كيفية تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.

نقترح منها علي سبيل المثال

1-وضع خطة علمية لتعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة للاقليم لتحقيق تنمية ملموسة للمواطنين علي ارض الواقع.

2- لابد من شرح القضية الي العالم بصورة أكثر وضوحا فكثيرا ما اعتقد العرب ان معهم الحق والعدل فيما كان رأي العالم شئ آخر.

2- لدينا تجارب سابقة تمت في اوغندا عام 1991 برفع انتاجية الهكتار من القمح من 5. الي 2.2 طن ببعض العمليات الزراعية تمت عام 1991  .

3- نحتاج مشروعات يلمسها المواطن الاثيوبي الذي يعاني من مشاكل الفقر والمرض، مثل تعظيم الاستفادة من المراعي الطبيعية فيكفي ان ما يشربه البقر هناك اكبر ممايستهلكه البشر في مصر والسودان ولكن دون فائدة ملموسة للمواطن.

4- طرح فكرة امدادهم بالكهرباء من خلال شبكات الربط الموحدة بدلا من اقامة مشروعات لتوليدها لديهم

5- وضع خطة سريعة وعاجلة لتوعية ابناء الاقليم بالمخاطر التي تحيط بهم

النظر في مشروعات سريعة للتعامل مع ندرة المياه 6-

نحتاج بحق ارادة سياسية لأبناء الاقليم قبل أن تقتل القوي الخارجية الأخضر واليابس..

-المصادر

1-جون بولك، كتاب حروب المياه القاهرة 1999.

2-محمد ابو بكر عثمان ، كتاب تاريخ اريتريا القاهرة 1995.

. 3- ميخائيل جروباتشوف ، قمة لاهاي للمياه عام 2000

4- توصيات مؤتمر وزراء المياه الأفارقة، القاهرة، فبراير 2003.

5- بيومي عطيه ، رئيس قطاع التخطيط بوزارة الموارد المائية والري ، أجري تودي  القاهرة 2014

6- مني عمر، الجمعية الافريقية، الدورة التدريبية للاعلام في افريقيا القاهرة 2011

7- دكتور ايمن سلامة، استاذ القانون الدولي، ندوة ازمة المياه ، جامعة القاهرة، القاهرة  2007.

8- وثيقة مؤتمر حزب المحافظين البريطاني، برئاسة  كامبل بانرمان 1907

وثائق برنارد لويس 1983 وتم نشرها علي الانترنت

9-الوثائق البريطانية التي تم نشرها بعد احدث يناير 2011

10- احمد المفتي ، رئيس الوفد السوداني في المفاوضات ،تصريحات صحفية الخرطوم 17 مارس 2020



الانتقال السريع

النشرة البريدية