الجمعة 2 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

    رواية لماذا تكرهين ريمارك.. الحب يعيش وسط خراب الحرب 

     

    خاص: قراءة- سماح عادل

    رواية (لماذا تكرهين ريمارك) للكاتب العراقي “محمد علوان جبر” فيها حكي عذب عن الوطن رغم التحولات القاسية التي لحقت به نتيجة للغزو الوحشي الذي مر به، ورصد كيف يسكن الوطن داخل العراقيين سواء الذين يعيشون بالداخل أو الذين أجبروا على الخروج.

    الشخصيات..

    برهان نوري: البطل، رسام عراقي ترك بلده ليعيش في بلدان عدة ويتعلم لغات عدة، ثم ينتهي به في المطاف في بيروت، وهو يحافظ على تواصله بأخته وبصديق عمره، كما عاد إلى بغداد ليراها بعد سنوات طويلة من الغياب. وكان قبل سفره ملاحقا من الأجهزة الأمنية ومضطهدا، حيث أجبروه على ترك عمله في وزارة الثقافة وأسندوا إليه عملا في أحد المخازن.

    أكرم عبد الرحمن: صديق “برهان” المقرب، وهو بطل ثان للرواية، ورث عن أبيه ثروة وعمل بالتجارة رغم أنه درس في كلية الفنون الجميلة في قسم السينما، ثم يصاب في انفجار ببغداد ويفقد إحدى قدميه ويتغير كثيرا، حتى أنه يعود لكتابة السيناريوهات ليكشف من خلالها ما يحدث في العراق.

    ثريا نوري: أخت “برهان” الكبيرة، ربته مثل أمه، وكانت تراعاه منذ الصغر، عاشت في بيت أبيها في مدينة الثورة طوال حياتها، وبعد سفر “برهان” تزوجت لمدة عام ثم مات زوجها، لتعود إلى بيت أبيها تعيش به وتودع الأحباب، فيتوفي الأب والأم والأخ والأخت، وتبقى وحيدة في منزلها تتنفس رائحة الذكريات من على الجدران وفي أماكن ملئها أهلها في الماضي، وترعى “أكرم” خاصة بعد الحادث ثم يتزوج بها بعد أن يعلن لها حبه.

    رزاق: أخو “ثريا”، مات بشظية أصابت رأسه في الحرب.

    نورية: أخت “ثريا” اختطفها السرطان وماتت هي أيضا.

    هالة عبد المحسن: حبيبة “برهان”، تعرف عليها في شبابه، أثناء عمله مديرا لأحد المخازن، حيث تعمقت علاقة الحب بينهما التي بدأت برسائل مراوغة، لكن حين أجبرها أهلها على الزواج من ضابط في الجيش لم يدعمها “برهان” فاضطرت أن ترضخ لرغبة الأهل، في حين أنه أعلن سفره. ولا تتضح معالم “هالة” تماما إلا من خلال عيون “برهان” وذكرياته عنها، فهي ترقت في عملها حتى وصلت لمنصب كبير، بعد أن تزوجت مرتين وسافرت إلى لبنان نتيجة لتلك الترقية ثم تعود لعلاقتها ب”برهان”.

    سميرة اليعقوبي: مخرجة وصحفية، زميلة “برهان” في الجريدة التي يعمل بها، ترتبط معه في علاقة ممتدة لسنوات، تعيش في لبنان لكنها من أصل فلسطيني، وعملت أثناء الحرب في لبنان كمراسلة حرب، قامت بإخراج فيلم من سيناريو أرسله لها “أكرم”.

    راندا بعلبكي: صديقة “سميرة” وشريكتها في السكن، تشاركها في صنع أفلام وثائقية وسينمائية قصيرة عن الحروب وأحوال البلدان العربية.

    ناصر جواد: مصاب قابله “أكرم” في المستشفى وطلب منه توصيل ورقه إلى ابن عمه، وبنى “أكرم” على تلك الواقعة سيناريو متكامل من خياله.

    بول جوزيف: رجل أمريكي، تخيله “أكرم” داخل السيناريو مستشارا أمريكيا يعمل في الجيش الأمريكي، ويتمرد على دولته وسياستها ويرفض الحرب على العراق، مما يجعل الأمريكيين يخططون، لقتله لكنه ينجو ويسقط في مزرعة “ناصر جواد”.

    الراوي..

    تتميز الرواية بتعدد الأصوات، حيث تحكي الرواية من خلال أكثر من راو، تبدأ الرواية بحكي “ثريا” ثم حكي “برهان” ثم “أكرم”، ويحصل البطلان “برهان” و”أكرم”على نصيب كبير من الحكي، في حين تحكي “ثريا” بصوتها مرة واحدة وكذلك “سميرة اليعقوبي” مرة و”راندا البعلبكي” مرة، حيث تنقسم الرواية إلى 18 قسم كل قسم يحكيه راو، ويعطي تعدد الرواة هذا للرواية ثراء حيث يتم تغطية الحكاية من جوانب عدة ومن خلال وجهات نظر الأبطال.

    السرد..

    الرواية محكمة البناء، مقسمة إلى 18 قسم كل قسم معنون برقم، والسرد يعتمد على تقديم الشخصيات ورصدها بعمق، رصد دواخلها وانفعالاتها وأفكارها وذكرياتها أيضا، حيث أن السرد يعود للماضي اعتمادا على ذاكرة الشخصيات، استعان السرد ببعض التشويق حين كتب “أكرم” سيناريو بعنوان “القطاف المر” و أوهم الكاتب قارئه أن السيناريو يتحقق في الواقع مما أعطى بعض التشويق، وتنتهي الرواية نهاية مفتوحة.

    التوحش الأمريكي والميليشيات الغامضة..

    أهم ما تتناوله الرواية القسوة الأمريكية التي تصل إلى درجة التوحش في التعامل مع العراق، بدء من الغزو الذي دمر معالم العراق الأساسية والمنشآت الهامة والحيوية، ثم ما بعد الغزو وتفتيش كل الأماكن بدعوى البحث عن الأسلحة وتدمير كل الأماكن وتشويهها، حتى أن “برهان” حين عاد إلى بغداد لم يجدها كما تركها، فقد تحولت المدينة الجميلة التي عرفها وعاش فيها وكذلك حدث لباقي المدن، فالأمريكيين يتعاملون بغطرسة وعجرفة شديدة، يسيرون بعرباتهم ويمنعون الاقتراب منها بنحو 100 متر ومن يقترب يتعرض للقتل، وفي المستشفيات يبنون الجدران الخرسانية ليعزلون مرضاهم ومصابيهم في حين يتركون أماكن قليلة للمصابين العراقيين، لقد أفسدت أمريكا بلدانا عدة لكن ما فعلته بالعراق كان وحشيا بكل المقاييس.

    بالإضافة إلى ذلك ظهرت بعد الغزو الأمريكي ميلشيات أعملت القتل والخطف والتفجير في العراق، هذه الميلشيات الغامضة والمبهمة تدعى أنها تحارب الأمريكيين الغزاة لكنها تقوم بعمل تفجيرات في الأحياء الفقيرة، وتقتل العمال والفقراء وتختطف الناس، ولا يخفى على أحد مسئولية أمريكا وبعض الدول القريبة في دعم تلك الميلشيات لإكمال تخريب العراق.

    الحب وسط الحرب..

    فكرة هامة أخرى تتناولها الرواية وهي وجود الحب وسط أجواء الحرب، ف”برهان” يظل يتذكر “هالة” التي أحبها رغم سنوات الفراق والغربة، ورغم تنقله بين نساء عديدات، وحين تظهر في لبنان لدواعي العمل يستعيد كل شغفه وشوقه إليها ويذهب إلى مقابلتها، ليجدها هي أيضا تبادله الشغف والشوق حتى أنها تسافر إلى بغداد حين تعلم أنه ذهب إلى هناك، ويستعيدان ذكريات الحب الضائع.

    “أكرم” هو أيضا يحب “ثريا”، رغم فارق السن وكونها كانت ترعاه في طفولته مثلما كانت ترعى “برهان”، ف”ثريا” تمثل له الحنان والأمان، كما مثلت له في طفولته صورة الأنثى المشتهاة كاملة الأنوثة ويتزوجا في النهاية رغم تبدل حياتهما نتيجة قسوة الحياة.

    الرواية متميزة تحكي عن شخصيات تمتلئ بالحياة، كما ترصد ما حدث للعراق بعد الغزو الأمريكي وتفاصيل الخراب الذي ترك علاماته وأثاره على المدن، التي كانت عامرة في السابق رغم غباء الديكتاتور .

    الكاتب..

    “محمد علوان جبر” كاتب عراقي، يقيم في بغداد، أهم مؤلفاته رواية (ذاكرة آرانجا) و (شرق بعيد) و (تماثيل تمضي تماثيل تعود) و(تفاحة سقراط) و(تراتيل العكاز الأخير) ورواية (لماذا تكرهين ريمارك).