رواية عن الأولين والآخرين.. تخريب متعمد وإنهاك لدولة عريقة

الأحد 24 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: قراءة- سماح عادل

رواية (عن الأولين والآخرين) للكاتب العراقي البارز “أحمد خلف” تحكي عن حقبة هامة في تاريخ العراق، حيث يتركز الحكي عن بغداد قبل الغزو الأمريكي، في سنوات الحصار في التسعينات من القرن الفائت، ثم بعد الغزو الأمريكي للعراق وتداعياته.

الشخصيات..

البطل: موظف في إحدى المؤسسات الحكومية، وهو كاتب يسعى لكتابة رواية، يحكي عن باقي الشخصيات الذين يتقاطعون معه.

كمال مزهر: صديق البطل، يبيع الكتب، فقد أخيه بعد أن تم القبض عليه وبعدها تدهورت حال الأسرة، فماتت أمه ومرض أبوه ومات وأصبح وحيدا. ووجد السكينة في الاقتراب من الدين.

جميل حداد: صديق ثان للبطل، من عائلة ميسورة، ينتمي إلى الحزب الشيوعي، يرفض الهرب من العراق وتركها ويعيش كل الأحوال التي تمر بها البلاد على قساوتها.

هند: زميلة للبطل في عمله، يرتبط معها في علاقة عاطفية، لكنه لا يسعى إلى الزواج منها لأنه يخاف من الزواج وتحمل المسئولية.

وداد: زميلة البطل في عمله، طلقت من زوجها بعد أن تحول فكره من إيمانه الشديد بالعلمانية، إلى التدين الشديد، وأصبح يفرض عليها أمورا لا تقبلها، ويعاملها بفظاظة.

وهناك شخصيات أخرى داخل الرواية.

الراوي..

هناك روا رئيسي داخل الرواية، وهو يحكي بضمير المتكلم عن نفسه ومشاعره وانفعالاته الداخلية، ويحكي الأحداث التي تمر التي يتشارك في فعلها مع أصدقاءه، لكن هناك أيضا راو آخر، حيث حكي “سليم” أخو “كمال مزهر” الذي تم اعتقاله واحتجازه في أحد المعتقلات، حكى عن تجربته وما حدث معه.

السرد..

محكم البناء، والرواية قصيرة تقع في حوالي 120 صفحة من القطع المتوسط، لكنها ثرية برصد أحوال بغداد في فترتين زمنيتين ما قبل الغزو وبعده، والنهاية مفتوحة.

تخريب متعمد وإنهاك لدولة عريقة..

الرواية مميزة مثل روايات الكاتب العراقي “أحمد خلف” التي قرأتها من قبل، تحكي هذا المرة بوضوح تام دون لجوء إلى الترميز أو الإشارات عن الخراب الذي عم البلاد بعد غزو أمريكا، لكنه يتنقل في الحكي إلى ما قبل الغزو وما بعده، فما قبل الغزو كانت هناك الانتفاضة التي حدثت في 1991، وكان القمع الوحشي الذي مارسته السلطة على المنتفضين وعلى باقي الشعب، كما حكت عن فترة الحصار التي نشرت الفقر على معظم الشعب، ورغم ظروف الحصار الطاحنة لم تتوقف السلطة عن ممارساتها القمعية، فقد استمرت في اعتقال الناس على أتفه الأسباب، من ينتقد أو يعبر عن سخطه يتم اعتقاله ولا يعرف أهله عنه شيئا.

فقد اعتقل “سليم” أخو صديق البطل “كمال” لمجرد أنه في لحظة غضب تهور وسب الاولمبيات حيث كان يمارس الرياضية، وتم اعتقاله ولم يعرف عنه أهله شيئا بعد ذلك.

وقد أتاحت الرواية ل”سليم” أن يعبر عن نفسه بصوته، فقد حكي عن ما حدث له داخل المعتقل من تعذيب وحشي اشتهرت السلطة العراقية في ذلك الوقت بضلوعها فيه، حيث تم انتهاك إنسانيته، وقد برع الكاتب في رصد شعور الضحية بوطأة التعذيب عليه نفسيا وجسديا وكيف تحطمت نفسيته وفقد إحساسه بإنسانيته.

تحولات الغزو..

ثم رصدت الرواية ببراعة التحولات التي حدثت بعد غزو أمريكا في 2003 بدء من نهب القصور الرئاسية والمؤسسات الحكومية، وسماح قوات الاحتلال بحدوث ذلك بل مشاركتهم في التمتع بالغنيمة التي تركتها السلطة السابقة، والمرأة التي حملت إحدى الثريات من قصر الرئاسة وهي خائفة أن يعترض طريقها أحد، فقد تركت السلطة معظم فئات الشعب في عوز شديد دفع البعض منهم إلى محاولة الحصول على أي شيء تطاله أيديهم بعد الخراب الكبير. وكيف كانت شوارع بغداد تعهمها الفوضى، حيث تجول صديق البطل وأصدقاء له بالسيارة لرؤية بغداد بعد أن انتهكتها أمريكا.

ترصد الرواية أيضا تحولات كثير من الناس الذين كانوا ينتمون فكريا إلى العلمانية وإلى الفكر التقدمي واليساري حيث تحولوا إلى أقصى اليمين،  حيث توزعوا على الجماعات الاسلامية الشيعية والسنية، بل وأصبح البعض منهم يدافع باستماتة عن تطبيق الدين في الحياة، وطبعا لا يخفى على أحد أنه سعي من هؤلاء الناس للتلون والاستفادة من تداعيات المرحلة.

كما أشارت الرواية بوضوح إلى عمليات النهب التي تعرضت لها الدولة العراقية من قبل الأفراد الذين أصبحوا هم رجالات السلطة الجديدة، فقد وجودوا أنفسهم فجأة في موضع سلطة بعد أن كانوا يعيشون حياة بائسة ففقدوا توازنهم وانخرطوا في نهب مؤسسات الدولة وخيراتها.

تدمير البنية التحتية للعراق..

كما تشير أيضا إلى تعمد الاحتلال الأمريكي تدمير البنية التحتية للعراق، والى القتل والقمع لكثير من المدنيين العراقيين بدعوى الشبهة وأنهم قد يمثلون تهديدا لقوات الاحتلال، كما لم يحرر الاحتلال السجناء الذين كان النظام السابق يحتجزهم، رغم دعاياته الكثيرة عن تحرير العراقيين من قسوة النظام السابق، بل استمر في احتجازهم والتعمية عن أخبارهم.

كما سعى الاحتلال إلى تسليم السلطة لأناس ليسوا على قدر من المسئولية ليستمر الخراب في العراق وتفقد الدولة كل مقومات أن تكون دولة، فالاحتلال تعمد التخريب الطويل للعراق حتى لا تقوم لها قائمة مرة أخرى.

رصدت الرواية أيضا كيف أن الشخصيات رغم كل الظروف السياسية والاجتماعية الاقتصادية القاهرة إلا أنهم يستمرون في حياتهم، يحبون، ويرغبون في الزواج مثل “هند” التي قتل خطيبها الأول في الحرب، واختطف والدها وقتل لكنها ماتزال ترغب في العيش والحب والارتباط بالبطل في زواج.

و”وداد” التي أحبطت من تحولات زوجها المتطرفة وكرهت الطلاق لأنها قد يعرضها لحياة صعبة في مجتمع ينهار، لكنها رغم ذلك استطاعت أن تتجاوب مع “جميل حداد” والانجذاب له. و” جميل حداد” الذي رفض الخروج من بلده رغم أنه قادر على فعل ذلك، لأنه لا يستطيع العيش بعيدا عن بلاده، ومدى طيبته وتعامله مع ما يحدث بهدوء وتفهم. ويحاول على قدر ما يستطيع مساعدة الآخرين.

كما رصدت ظهور أعداد كبيرة من الناس الذين يعيشون في الشارع نتيجة كل تلك الظروف، وارتفاع نسبة الجرائم وعدم الشعور بالأمان في بغداد في المساء، كما أشارت للتفجيرات والقتل على الهوية والاقتتال الطائفي الذي ظهر بعد الاحتلال وازدهر بفضل سياسيته في التعامل مع العراق.

الرواية تعتمد على لغة عذبة، وعلى رسم عميق للشخصيات، وللأحوال الاجتماعية للمجتمع الذي تدور فيه الأحداث.

الكاتب..

“أحمد خلف” من أبرز الكتاب العراقيين،  ومنذ عام 1961 تعرف على الشاعر الكبير “مظفر النواب”، وهو الذي وجهه نحو الكتابة والأدب، وقد تنبأ له بمكانة في هذا الميدان.عمل في مجلة الأقلام عام 1985، وأصبح محررا ثقافياً بدرجة سكرتير تحرير. أصدرت كلية اليرموك قرارا بتدريس كتابه “تيمور الحزين” في صفوفها كنموذج في القصة القصيرة. وفي عام 1969 ظهرت قصته الشهيرة “خوذة لرجل نصف ميت” في مجلة الآداب البيروتية. وقد حظيت باهتمام النقد الأدبي.

عام 1974 صدر كتابه الأول “نزهة في شوارع مهجورة” مجموعة قصصية وصدر كتابه الثاني في عام 1978 بعنوان “منزل العرائس” قصص. صدرت روايته الأولى والتي حملت عنوان “الخراب الجميل” عام 1980. أما في عام 1986 صدر له كتاب نقدي مشترك عن القصة والرواية العراقية. عام 1990 صدر كتابه “صراخ في علبة – مع رواية – بعنوان (نداء قديم)” وأصدر مجموعة قصصية: “خريف البلدة” عام 1995 وعدت أفضل مجموعة قصصية، وفاز بجائزة الابداع في العام نفسه. ومجموعة قصصية بعنوان “تيمور الحزين” عام 2000.

وفي عام 2001، صدرت له في دمشق مجموعة مختارة من قصصه بعنوان “مطر في آخر الليل” وفي عام 2002 صدرت روايته المعروفة “موت الأب”. وصدرت له أيضاً في دمشق عن دار المدى رواية “حامل الهوى” عام 2005. وصدرت له رواية بعنوان “محنة فينوس” في عام 2008. انتخب رئيسا لنادي القصة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب.

وفي العام نفسه عقد ملتقى القصة القصيرة في العراق برئاسته. وفي عام 2009 صدرت له رواية بعنوان “الحلم العظيم” عن دار المدى. وفي عام 2010 أنيطت به رئاسة تحرير مجلة الأديب العراقي الناطقة باسم الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.



الانتقال السريع

النشرة البريدية