الأحد 14 أغسطس 2022
31 C
بغداد

    رواية “ثأر الأفاعي” ساندت الفلاحين الأتراك وكتبت بلغتهم

    قراءة: سماح عادل

    في رواية “ثأر الأفاعي” للروائي التركي “فقير بايقورت” ترجمة عبد القادر عبد اللي، إصدار دار المدى، نتعرف على حياة القرية التركية في وقت الخمسينات من القرن الفائت، والذي في الواقع لا يختلف كثيرا عن أية قرية في بلدان  الشرق، حيث أن الفقراء من الفلاحين يعانون الفقر والظلم في حين أن الوجهاء والأعيان يتمتعون بحياتهم، تلك الطبقية التي تطحن الفقراء بمساعدة الحكومة التي تثقل كاهلهم بمزيد من الأعباء.

    تتميز رواية “ثأر الأفاعي” بأنها مكتوبة بحرفية عالية، فقد استعان الكاتب بلغة الفلاحين أنفسهم في كتابة روايته، كما تعكس الأجواء الحقيقية للقرية، وتقدم التفاصيل الدقيقة لحياة أسرة فقيرة من الفلاحين في قرية تدعى”قره طاش”،وتصور كيف يعتنون بأرضهم ويعيشون تفاصيل يومهم.

    الشخصيات..

    اراظجة: هي أم عجوز توفى زوجها منذ زمن طويل بعد أن سافر في اليمن واليونان، وأنهكته حروب الدولة التركية كجندي صغير في جيشها، واضطرت أن تعيش كأرملة وتربي ابنها “بيرم” وتزوجه، وهي امرأة قوية تدير أمر أسرتها وتعطي الأوامر لابنها كل صباح في زراعة أرضه صغيرة الحجم، وفي إدارة شؤون البيت الصغير، كما ترعى أحفادها وتقوم بأعمال المنزل بمشاركة كنتها كما تفعل كل سيدة في القرية، وحين يتم الاعتداء على الأسرة تقف صلبة قوية وتحارب في تحدي ذلك الرجل الذي يريد أن يبني بيتا أمام بيتها.

    بيرم: هو ابن “اراظجة” و”قرة شالي”، كان أبوه بطلا حيث قتل ملكة الأفاعي وكان شجاعا وشهما، وأصبح هو مثله استطاع أن يشتري قطعة أرض صغيرة من “نجيب بك” صاحب القرية، والذي كان يملك كل الأراضي بها ثم باعها للفلاحين، استطاع “بيرم” أن يسدد الدين في سنوات قليلة بمساعدة زوجته وأمه واقتني بعض الحيوانات.

    خدوج: زوجة “بيرم”، تزرع معه الأرض وتساعده في رعاية الحيوانات ثم حين تذهب للبيت مساءا تقوم بباقي الأعمال، فتاة طيبة تطيع حماتها ولا تغضبها وتحب زوجها، وتريد أن تتحسن أحوالهم حتى يستطيعوا جلب بعض الأشياء الهامة، مثل حيوانات أخرى وملابس لأطفالها، تفكر دوما مع زوجها وتخطط معه.

    هاجلي: رجل متهور ابن محمد المجنون، ترك له والده بيت سيء يمتلئ بالرطوبة له ولا شقاءه، وكل أحلامه أن يستطيع بناء بيت في منطقة جيدة يستطيع فيه أن يستمتع بالشمس ودفئها، لذا يتقرب من مختار القرية الذي يضمه إلى لجنة القرية ويبيع له المختار قطعة أرض ليبني البيت الذي يحلم به.

    فاطمة: زوجة “هاجلي”، لا تحب زوجها لأنه فظ لكنها تعيش معه مكرهة ورغم ذلك تحب “بيرم” وتتمناه.

    المختار: شخصية فاسدة، مثال للموظف الحكومي البغيض الذي يدير وظيفته لأجل الاكتساب منها، يقرب إليه الرجال الذين يستطيع التحكم بهم، كما أنه يظلم الناس، خاصة الفقراء منهم، الذين لا يستطيعون دفع الظلم.

    سلطانة: أخت “اراظجة”، توفى زوجها هي أيضا منذ وقت بعيد، وعاشت مع أولادها لكنهم لا يتعاملون معها بود منذ زواجهم، وهم بعيدون عنها يهملونها رغم أنها تعيش معهم في نفس المنزل.

    الراوي..

    الراوي عليم، يدور داخل الشخصيات وخارجها، يصف القرية ومعالمها ويروي ما تفكر به الشخصيات وما تحلم به، حتى أنه يذكر حوار الشخصيات مع بعضها ويذكر معه حوارها داخل نفسها، وهذه تقنية مثيرة للاهتمام، وليس غريبا أن يكون الراوي العليم تقنية مستخدمة في الخمسينات وقت صدور الرواية.

    السرد..

    يتميز السرد بروعته، فالكاتب يستطيع أن يصور الشخصيات ببراعة، ويقدمها لنا كأنها تتحرك أمامنا نابضة بالحياة، يروي الأحداث في حركة بطيئة نسبيا لكنها تحافظ على قدر عالي من التشويق، خاصة حين يبدأ الصراع بين “هاجلي” و”بيرم”.

    الأفاعي..

    يستخدم الكاتب الأفاعي كرمز على طول الرواية، حيث يستخدم حكاية أهل القرية عن قتل “قرة شالي” لملكة الأفاعي، والتي فتح صراعا مع الأفاعي لا ينتهي، حيث تعود الأفاعي في أوقات معينة في العام لتنتقم لمقتل ملكتها، ولمقتل باقي الأفاعي الذين يقتلهم أهل القرية، فتخرب وتقتل أناس وحيوانات فهي لا تنسى ثأرها أبدا، وينسحب هذا الرمز على الإنسان الذي لابد أن يثأر لنفسه ممن يظلمه، حتى وإن كان أقوى منه.

    ظلم السلطة..

    تصور الرواية ظلم السلطة بجرأة شديدة، متمثلة في المختار المعين من قبل الحكومة، والذي يتصرف في القرية وكأنها ملكا من أملاكه، فهو فاسد يقرب إليه الرجال الأقوياء، قرب إليه “هاجلي” وأعطاه قطعة أرض في وسط القرية مقابل مبلغ من المال ليبني بيته، وهذه الأرض سوف تفسد الطريق الذي يمر فيها الفلاحين من أراضيهم إلى بيوتهم، كما أنه سيبني بيتا أمام بيت “بيرم” وبالتالي سيؤثر ذلك على الأسرة وراحتها، وحين علمت أم بيرم بذلك واجهت “هاجلي” بكل قوتها لتمنعه من بناء البيت، وحرضت ابنها وزوجته على مساعدتها، ونشب عداء كبير بين “هاجلي” و”بيرم” أسفر على اعتداء من “هاجلي” على “خدوج” وقتل جنينها.

    كما ساعده “المختار” ودبر خديعة ل”بيرم” لكي يضربه أخوات “هاجلي” بشدة، لكن “اراظجة” لم تستسلم رغم توغل “المختار” على أسرتها وتصادف أن “القائمقام”، وهو موظف كبير، سوف يزور القرية مما جعل “المختار” يفرض إتاوة على الفلاحين لاستضافة “القائمقام” ببذخ، وذهبت “اراظجة” وحكت له على الظلم الذي وقع على أسرتها وأنصفها ومنع بناء بيت “هاجلي” أمام بيتها، مما جعل موقف “المختار” يتحول ويسعى للمصالحة بين “هاجلي” و”بيرم” خوفا من تأثير ذلك عليه.

    الحب وسط الصراع..

    وتستمر الرواية في حكي المواقف ببراعة ودقة،  كيف قاوم “بيرم” الظلم وساعدته “خدوج”؟، وكيف أنه استجاب لحب “فاطمة” التي تنظر إليه بشغف، حتى إنه في ظل احتدام الصراع التقى بها ودخل معها في علاقة حميمة، وظلت هي على شغفها به وظل هو يحلم بها، ورغم ذلك هو يحب “خدوج” لكنه يحب “فاطمة” أيضا، لم يدين الراوي العليم هذا الحب رغم أن فاطمة متزوجة، وإنما برر لها ذلك، وجعل القارئ يتعاطف معها، لأنها عالقة مع زوج متهور وعنيف ولا يعاملها بحب.

    مقاومة الظلم..

    يظل “المختار” في مساعيه للتعتيم على الظلم الذي اقترفه بحق “بيرم” يجلب معالج ل”خدوج” حتى لا تموت، ويحاول الضغط عليهم للصلح لأنهم لو توجهوا للمحكمة سيعد إجهاض “خدوج” جريمة يستحق عليها “هاجلي” السجن، وربما يتأذى المختار كذلك، خاصة وأنه أمر “هاجلي” بسرقة خروف من “بيرم”.

    ثم تلدغ إحدى الأفاعي “سلطانة” في انتقام لباقي عشيرتها من الإنسان وتهذي “اراظجة” طوال الليل قائلة لابنها أن الأفاعي لا يتركون ثأرهم فكيف لنا نحن البشر أن نترك ثأرنا، وتنتهي الرواية على ذلك في دعوة لمقاومة الظلم، ظلم السلطة وظلم الأغنياء تجاه الفقراء.

    رواية “ثأر الأفاعي”..

    تعتبر رواية (ثأر الأفاعي) للكاتب التركي “فقير بايقورت” واحدة من أهم روايات الريف في الأدب التركي الحديث، وقد حصلت على جائزة “يونس نادي” للرواية عام 1958، كان لهذه الرواية تأثير كبير في الأدب الروائي الحديث في تركيا بالإضافة إلى روايات “يشار كمال”، فقد كان لها تأثيرات سياسية وفنية، فقد نوقشت هذه الرواية في مجلسي الشيوخ والنواب عام 1962 بسبب جرأتها في تناول السلطة، وتوغلها على الفلاح ونهبها الدائم لعرقه، ولقد صورت شخوص “المأمور” و”القائممقام” و”المختار” و”رجال الدرك” عليه، وكيف أنهم أيادي السلطة الباطشة..

    طالب حينذاك أعضاء المجلسين التشريعيين بمنعها من التوزيع في المكتبات وعدم طبعها مرة أخرى، قوى أخرى وقفت ضد هذا الاتجاه القمعي حيث قامت بـنشر الرواية بأشكال أخرى عن طريق المسرح والإذاعة والسينما لتؤثر على الناس وتستأثر باهتمامهم.

    تعتبر رواية “ثأر الأفاعي” أول نموذج لتيار “أدب الريف” الذي ظهر في تركيا في أواسط الخمسينيات، وهي ليست نموذجاً رائداً لهذا الأدب فحسب، بل بقيت إحدى أهم روايات هذا التيار. وأدب الريف لا يقتصر على تناول موضوعات الريف فقط، بل يبحث في فنيات خاصة معتمداً على لغة الريف. فالرواية مكتوبة بالأصل بلجهة محلية، وهذا ما جعل الترجمة قريبة من لغة المنطوق.

    قال عن هذه الرواية الروائي التركي “يشار كمال”: “رواية ثأر الأفاعي عمل لن ينسى في أدبنا، وسيتبع”. وما زالت تتوالى طبعاتها في تركيا، وقد طبعت بين عامي 1997-2001 ست طبعات.

    الكاتب..

    “فقير بايقورت” ولد في إحدى قرى محافظة “بورضور” عام 1929، ودرس في معهد للمعلمين وعمل خمس سنوات في القرى، ثم أكمل دراسته في كلية التربية، جامعة غازي، أنقرة، وانشغل في العمل النقابي حيث أصبح وقد انتخب رئيساً لنقابة المعلمين، ورئيساً للاتحاد القومي لروابط المعلمين، ليزج به في السجن عام 1971 ويتعرض إلى محاكمات عسكرية طويلة حتى حصل على البراءة فهاجر إلى ألمانيا وأقام في مدينة “دويسبورغ” حتى وفاته عام 1999.

    بدأ “فقير” شاعرا ثم انتقل إلى كتابه القصة والرواية، فصدرت له أربع عشرة مجموعة قصصية، واثنتا عشرة رواية، وعدة مجموعات قصصية للأطفال، لكن رواية (ثأر الأفاعي) تعد أهم عمل لهذا الكاتب، كما حصل على جوائز أدبية عديدة في تركيا، وقد حصل على جائزة “يونس نادي” للرواية عن روايته هذه عام 1958.

    https://www.youtube.com/watch?v=W17AMIu-me8

     

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا