رسائل اجتماعية .. في الدراما الرمضانية ! (مصر نموذجًا)

السبت 02 أيار/مايو 2020
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

خاص : كتب – محمد البسفي :

يهل شهر رمضان.. لتنطلق فوهات الـ”ميديا” متعددة الجنسيات، التي باتت تمتلك جميع وسائل إعلام المجتمع المصري بشكل ملحوظ خلال العقود القليلة الماضية؛ وخاصة الخمسة سنوات الفائتة، بطلقات كادت أن تُحفظ عن ظهر قلب من كثرة الإصرار على تكرارها.

مسلسلات درامية ذات تمويل ضخم يتخطى حدود المليارات، طارحة مشاكل مجتمعية “ملتهبة” حقيقةً.. برامج ترفيهية لا تستهدف سوى البلاهة وشيوع السذاجة على خلفية مزدحمة برافهية التجوال بإحدى الدول “المبهرة”.. تقارير تليفزيونية وبرامج “توك شو” أو حوارية تتعمد الخوض في أدق أسرار الفنانين والفنانات و”نجوم المجتمع” وعلاقاتهم الشخصية، لتقديم مادة دسمة لثرثرة جلسات ومنتديات سيدات الطبقات الراقية في “كموباونداتهن” ونواديهن.. إعلانات تجارية لشركات عالمية ومحلية وكيلة لمنتجات دولية، تبتكر أشد أساليب جذب الإنتباه تطرفًا لدرجة بث أخلاقيات وأدبيات سلوكية مغايرة وإحلال غيرها من أعراف مجتمعية.. إعلانات لعدد مهول من الجمعيات والمشافي الخيرية التي تستجدي الإعانات وتتسول التبرعات المالية والعينية لكافة مناحي حياة فقراء المجتمع بدءًا من المسكن ومرافق الحياة وحتى الملبس مرورًا بعلاج أدق الأمراض المزمنة، مستغلة في ذلك – بالإضافة إلى المسحوقين وأفقر الطبقات الكادحة بالطبع – أشهر “نخب المجتمع” وأكثرهم ثروةً من فناني التمثيل ولاعبي كرة القدم تطبيقًا لأحدث أساليب الجذب الإعلاني والتعاطف الدعائي والديني، الذي لم يُغفل بحضور “نجوم الدعاة” وطبقة رجال الدين !.

يذكر الناقد المسرحي الكبير، “فاروق عبدالقادر”، في نقده لإحدى العروض التجارية خلال أواخر عقد الستينيات، قائلاً: “هذا مسرح إستمناء الطبقة الوسطى وقطاعها القادر على أن يدفع ثمن التذكرة، الإتفاقية واضحة والصفقة مبرمة: سنقدم لكم كل ما يُرضيكم.. الفضائل كلها منسوبة إليكم، والشرور كلها لاصقة بأهل الحواري، عندنا لكم الجنس مستورًا وصريحًا، في الكلمة والإشارة والإيماء، عندنا لكم أيضًا السخرية بالثقافة والزراية بالمثقفين، عندنا أيضًا تشكيك في قيم العلم وقدرته على أن يحقق للناس السعادة”. (*).

ورغم أن الناقد الراحل، قد سجل تلك الشهادة، بالغة الأهمية، منذ أكثر من خمسة عقود سابقة عن حال فن المسرح “التجاري”، والذي يُعتبر أحد فنون إنتقائية التناول القاصرة على مالكي ثمن تذكرة مشاهدتها، إلا وأننا نراها شهادة شديدة الصدق على محتوى ما تبُثه القنوات الفضائية الآن، خاصة خلال مهرجانها الرمضاني المستغل لـ”وليمة” دسمة من نسب مرتفعة للمشاهدة.

مسلسلات بلا أي “إضافة” فنية مبتكرة – إلا فيما ندُر – ولكنها مليء بعناصر “سوقية” محفوظة.. فالمبدأ “الرأسمالي” المتفق عليه، من جميع الأطراف، هو “إستغلال إرتفاع نسب المشاهدة”، لذا يجب أن يحمل العمل كافة المتناقضات…

فتيات لبنان الشقراوات من ذوات “البوتيكس” والبشرات البيضاء، بجانب “وجوه” شوهها الفقر والبلطجة.. أفخر المساكن والمنتجعات رفاهية سواء محليًا أو دوليًا، بجانب أقذر الحواري و”خرابات” الطبقات المسحوقة.. جُمل حوارية توزع بعدل يحفظ “الكلمات” الإنكليزية باللكنة الأميركية لممثلي الطبقات العليا، “بنت الناس”، وكل الكلمات النابية والألفاظ الخارجة السافرة لزملائهم ممثلي الطبقات الفقيرة، “البيئة”.. أماكن العبادة والكباريهات.. مع “تحبيشة” مشاهد عنف دموي مُخّرج بأرخص الأساليب الهوليوودية. كل هذا تُغلفه “حدوتة” درامية بسيطة، تتعمد التسطيح والتخلف لكافة المشاكل المجتمعية الآنية؛ “الصراع الطبقي بين الغني والفقير، حقوق المرأة داخل المجتمع الذكوري، متناقضات البيئة القبلية لصعيد مصر، المسألة الطائفية الدينية، و….”، يتم حلها جميعًا – بعد إستثارة كافة عواطف المشاهد على مدار 30 يومًا على الأقل – إما بتعلية معاني الحب الأفلاطوني، “الأجوف”، الذي يجب أن يسود المجتمع بـ”سلام” دائم، أو بصيحة توقظ “الضمير” المجتمعي المستمد من ركائز الديانات السماوية في نفاق واضح وفج يُرسخ لمفاهيم دينية أهذب ما توصف به بالخطأ، بالإضافة إلى تنشيط روح الخرافة وقيم “ضرب الودع” من أعمال السحر والشعوذة التي تضحد العلم وتكشف زيفه !

فلا عجب إذاً حينما نجد ميزانيات طائلة تتجاوز حدود المليارات، تُهدر على أعمال درامية تُحيي “قصص” وحواديت قديمة، سبق عرضها ومعالجتها على شاشات السينما ومحفوظة ربما لنفس الجمهور.. “العار”، “الكيف”، “ليالي الحلمية”، في جزءها الأخير، وغيرها الكثير من حواديت المصاطب التي تحتفظ بـ”خلطة” العم محمود.

وهنا.. تُبعث أرسخ وأعتق القيم “الرأسمالية” من قبور العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي.. لتُبثها “عولمة” اليوم في مجتمعاتنا صارخة في “ورعً” كاذب بصوت يوسف “بك” وهبي: (طوبي للفقراء.. فحقًا ليست السعادة في المال).. (!!).

#                                          #                                         #

مع إقتراب عِقد “شهر رمضان” على الإنفراط.. تصل الرسائل الاجتماعية التي يبثها “الإعلام متعدد الجنسيات” إلى الإكتمال…

فبعد أن قامت المسلسلات الدرامية، مليارية الميزانيات، بدورها غير المقدس في شيوع قيم التخلف والرجعية بدءًا من صرف الأنظار عن جميع التناقضات الطبقية والمشكلات المجتمعية بنفاق مزري وجاهل لمفاهيم الدين أو بتعلية “الشعبوية” والشيفونية الوطنية الضحلة، وحتى ترسيخ قيم الشعوذة و”الحسد” وأعمال الجان، التي بالطبع تم تدعيمها من قِبل الإعلام الحواري المباشر، “التوك شو”، بخلق وصُنع مشاهد حرق البيوت والمساكن من قِبل الجان و”تلبس” العفاريت لأجساد الفتيات/ن – فقد أثبتت بعض دراسات المركز القومي للبحوث أن المصريين من طبقات مختلفة يصرفون نحو 10 مليارات جنيه سنويًا على هذه الأعمال -، في حضور “بارز” للجنس، بالأسلوب البرجوازي المصري المميز الذي وصفه “فرانز فانون” في وصف أحلام بورجوازيات شعوب المستعمرات: أن رجال هذه الشعوب يحلون تناقضهم مع المستعمرين من خلال أحلام جنسية يضاجعون خلالها نساء من يقهرونهم، لدرجة يتكون معها مزاجهم الجنسي مرتبطًا بالأشكال المميزة لنساء هؤلاء المستعمرين، وبهذا الحل المزيف يوازن ساكن المستعمرة المسحوق والمستغل والمنتهب نفسه سيكولوجيًا. بإضافات درامية مصرية – بالقطع – لبعض “الإفيهات” البالغة ذرى التقزز والبذائة لدرجة استخدام جميع “مُخرجات” الجسد البشري من أصوات أو غيرها بهدف إستجداء الضحكات الهستيرية !

نأتي لـ”الإعلانات” كوسيلة مباشرة للدعاية عن الشركات متعددة الجنسيات – الممول الرئيس للدراما المصرية – والتي لا تكتفي باستعمالها كإعلانات عن منتجاتها فحسب؛ ولكنها تحرص على استخدامها كـ”بوق” لبث رسائلها الكومبرادورية العتيقة الهادفة لصُنع المجتمع “الإستهلاكي” المعولم في فوضويته الثقافية…

“إختراع في التجمع الخامس.. عملوها إزاي دي ولاد اللذينة ؟!”.. يقولها “النجم” السينمائي – ذي القدرات الفنية المحدودة – بوجهه الأحمر الذي يُعيد للمخيلة أشهر صفات “الجركس”، وصاحب التفاخر الأشهر الذي لا يمل من تكرار ذكره بأنه سليل أحد إقطاعي مصر قبل ثورة 1952، التي أممته وأخذت العزبة التي كان يتجول – النجم – في أرجائها صغيرًا بقطار (!)، خلال إعلان تجاري عن “فيلا بثلاث حدائق منفصلة”.. ليرد عليه “نجم” آخر في إعلان ثان: “هو التجمع الخامس، دخل الاتحاد الأوروبي ؟”، وهو يتجول – خلال الحملة الإعلانية لإحدى شركات العقارات المالتي ناشونال – بعواصم لندن وباريس ونيويوك، محاولاً إقناع المشاهد بأن “التجمع الخامس” قد أصبح في عالمية رفاهية تضاهي هذه العواصم.. مشهد “عام” يُذكرنا بما رصده الكاتب الصحافي “صلاح عيسى” قديمًا – في إحدى دراساته التحليلية – حينما قال: “… ولأن الكومبرادوريين المصريين هم تطور لبورجوازية متخلفة مُثقلة بالفكر الزراعي والقبلي، فإن إمعاؤهم الغليظة من أفكار قد تبدو مضحكة لنا، ولكنهم في الحقيقة يريدون أن يقلبوا الأية، إنهم يصورون الموضوع للشعب المصري والعربي، على نحو معكوس، فنحن الذين سنغزو أوروبا وأميركا وليست هي التي سوف تغزونا، نحن الذين سنقتحمهم جنسيًا وليسوا هم الذين سيحولون بيوتنا إلى مواخير”.

نعم.. إنها رسائل شديدة الوضوح والمباشرة التي تمهد – وبسرعة تقتضيها الأوضاع العالمية الضاغطة – لخلق مجتمع “السوبر ماركت” الدولي، المُرحب بالإستثمار الأجنبي مستغلاً موارده الطبيعية والجغرافية والإدارية واللوجيستية أيضًا؛ إن لم يكن مجانًا فبأقل الأسعار، وتُصبح قواه البشرية مستهلكة لمنتجات الشركات متعددة الجنسيات بالإضافة إلى أنها مخزن نموذجي لليد العاملة الرخيصة والمستعدة للإنتهاب من كافة الجوانب والحقوق.

والفقراء.. لهم بالضرورة نصيب من تلك الرسائل “الكومبرادورية” الجديدة، وبما يتوافق والمادة رقم (8) من باب “المقومات الأساسية للمجتمع” من الدستور المصري الحالي؛ التي تنُص على أن: “يقوم المجتمع على التضامن الإجتماعي، وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الإجتماعية وتوفير سُبل التكافل الإجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذي ينظمه القانون”، لذا فلا غرابة من هذا الفيضان من الإعلانات والدعايات “التسولية” التي تُطلقها العشرات – وربما المئات – من الجمعيات والمشافي الخيرية تستجدي الإعانات والتبرعات – بواسطة “بطولات درامية” لألمع نجوم النخب الفنية والكروية والدينية – لكافة مناحي حياة مسحوقي الطبقات البورجوازية الصغرى والدنيا، من علاج للأمراض المزمنة والخطيرة وبناء المستشفيات والمدارس والمساكن وجمع المأكولات والملابس المستعملة وغيرها من جميع ركائز الـ”كائن حي”، تلك الجمعيات “الخيرية” التي كاد حجمها المالي والنشاطي الحالي أن يتحول إلى “بيزنس” قائم بذاته، للدرجة التي يعترف معها أحد مدراء إحدى الشركات العقارية العالمية في مصر قائلاً في مقال له: “.. قد يرى البعض أن تكلفة الإعلانات باهظة، لكن قد تتغير هذه الصورة إذا علمنا أن إجمالى ما تم جمعه من تبرعات خلال رمضان الماضي قد تخطى 30 مليار جنيه؛ وفقًا للأرقام الرسمية، بينما الواقع أعلى من ذلك نظرًا لقيام الكثيرين بجمع التبرعات بشكل شخصي”.. “… ومن المتعارف عليه قيام المؤسسات الخيرية بتجنيب ما يُقارب 10% من التبرعات لتغطية المصروفات الإدارية والدعاية.”.. في نفس التوقيت الذي “تنسحب” فيه الدولة من كافة إلتزماتها المجتمعية، ليس فقط برفع الدعم المادي واللوجيستي عن كافة المرافق العامة مثل الكهرباء والمياه النظيفة ومصادر الطاقة وغيرها بهدف “تسعيلها” كخدمات يتم بيعها بالأسعار العالمية، بل بخطط إستراتيجية ممنهجة تُمكن الدولة كشخصية “إعتبارية” من الدخول كمستثمر في آليات السوق العالمي بالبيع والمتاجرة في خدمات “التعليم” و”الصحة” و”الأمن” وغيرها من الخدمات التي تكفل لها لعب دور “الشريك صاحب الحق في الإدارة”.

فبعد وصول كل تلك الرسائل الكومبرادورية المبثوثة عبر إعلامها، متعدد الجنسيات، المحيط بمجتمعنا اليوم وأمس، بهدف تأهيله للصورة “النموذجية” لمجتمع “السوبر ماركت”.. كل عام وأنت بخير، بمناسبة إنتهاء الشهر المعظم والأعياد..

…………………………………

(*) (مساحة للضوء.. مساحات للظلال) – فاروق عبدالقادر – دار الثقافة الجديدة – الطبعة الأولى 1986. ص 122.



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.