د.خليل محمد إبراهيم.. برع في النقد والتراث الشعبي ودافع عن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة

الأحد 16 أيار/مايو 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

“خليل محمد إبراهيم” شاعر وناقد وباحث وأستاذ أكاديمي، من مواليد بغداد 1943.

وفقا لسيرته التي وضعها في كتابه قيد الطبع (التراث الشعبي/ تعليم وتفكير) ضمن منشورات اتحاد أدباء العراق:

حدث له كُفَّ بصري في عام 1944، دخلْ معهد الأمل قسم المكفوفين عام 1954، واصلْ دراسته مع المبصرين ابتداء من الصف الخامس الابتدائي، أكملْ دراسته الجامعية في كلية الشريعة عام 1969-1970،عمل مدرسا للغة العربية والتربية الإسلامية في المدارس المتوسطة والإعدادية والثانوية العراقية أكثر من عشرين سنة.

درس في الكلية التربوية المفتوحة، مادتَي الأدب الأندلسي والأدب الجاهلي، وبضع مواد تراثية أخرى، وأتم دراسته للماجستير في قسم اللغة العربية/ كلية الآداب/ جامعة بغداد بتقدير جيد جدا عن رسالته المعنونة (المفضليات دراسة في مواصفات الاختيار). وأتم دراسة الدكتوراه في قسم اللغة العربية/ كلية الآداب/ جامعة بغداد في الأدب الأندلسي بتقدير جيد جدا عن أطروحته المعنونة:- (ملامح قصصية في الرسائل الأدبية النثرية الأندلسية من القرن الخامس إلى القرن الثامن الهجريين)؛ تلك الأطروحة التي تحوَّلتْ إلى كتاب عنوانه:- (ملامح قصصية في الرسائل الأندلسية)؛ صدر في عام 2013، وأعيد طبعه في عام 2020.

التراث الشعبي..

يقول في تعريف نفسه في كتابه قيد النشر: “فواضح من هذا أنني إلى جانب كوني ناقدا للقصة والشعر، فأنا تراثيٌّ مشغول بالتراث العربيِّ القديم؛ ذلك التراث الذي دخلْتُ إليه من باب التراث الشعبي، فقد روى لي المرحومون جدي وجدتي، ووالدي، الكثير من القصص الشعبي والديني/ المتسم بالشعبية، حيث عرفْتُ منهم الكثير من حكايات (كليلة ودمنة)، و(ألف ليلة وليلة)، وغيرها من القصص والأمثال الشعبية العراقية، وحكايات الدراويش؛ كما كان للمرحوم الحاج (عبد اللطيف حسن دروش) التتنجي، جار أبي في المحل، الكثير من القصص التاريخية، والسيرة النبوية الشريفة، وسير آل بيت الرسول (ع)، وأصحابه الكرام؛ كل ذلك؛ كان قبل دخولي إلى معهد الأمل، فلما دخلْتُ المعهد، وهو مدرسة ابتدائية للمكفوفين، وبدأْتُ القراءة، وجدْتُني أعرف الكثير من القصص الشعبي المكتوب، والمنجز التاريخي الإسلامي، فلم يكن ذلك كله غريبا عني، لذلك كان له تأثير كبير؛ على توجهاتي العلمية كذلك كان له تأثير كبير؛ على نشاطاتي الأدبية المنشورة والتي في طريقها إلى النشر.

لذلك يمكن دراسة أثر التراث؛ في منجزي الأدبي والعلمي، فأول رواية صدرت لي في عام 2014؛ أعيد نشرها في عام 2017؛ عنوانها:- (دولة المتسولين)، وأصلها، وجانب صغير من ثيمتها، مأخوذان من حكاية شعبية عنوانها:- (ساندريلا عراقية المتسولة والأمير؛ المنشورة في العدد  الثاني 2009 على ص125- 126؛ من مجلة (التراث الشعبي) العراقية الغراء، كما أن (دولة المتسولين)، بوصفها رواية، تستثمر التراث الأندلسي؛ الاجتماعي والشعري والفكري والفقهي والديني، قناعا، مع أنها تناقش المشكلات الحديثة، فإلى تأثري الكبير بالتراث العربي والإنساني العام، والشعبي، فأنا مهتم بالفكر الإنساني؛ الحديث؛ الذي لا يغيب عن حياتي، ولا في منجزي الأدبي والعلمي”.

الكتابة..

صدرت مجموعته القصصية الأولى عام 2001 تحت عنوان: (مأساة طائر) كما صدر له كتاب (إعلام المكفوفين والمعوقين في العراق) عام 2006، ثم صدر له كتاب (المكفوفون بين التعليم والتأهيل) عام  2008، وفي العام نفسه صدر له كتاب (مع المعوقين.. حكايات للأحداث)، وكان قد  صدر له كتاب للأحداث عنوانه: (عمو سليم)، ثم صدر كتابه (من ألطاف الترجمة) عام 2014، ثم كتابه (الثقافة بين الفلسفة والتعليم) في عام 2015)، تلا ذلك كله كتابه (في الأدب الأندلسي موضوعات وقضايا) الذي صدر في عام 2017، كما صدر له في عام 2019 كتاب: (أمل مشرق ذوو الاحتياجات الخاصة تجارب وأفكار).

وهو من كتاب مجلة “حبيبي” للأطفال التي نشرت له رواية (النجاة في الصدق)، وهي رواية للأحداث؛ مستلهمة من التراثين الشعبي والديواني. وله أكثر من مجموعة قصصية منشورة في الصحف منها.

نشرت أبحاثه مجلات علمية منها مجلتا (التراث الشعبي)، و(المورد) و(الأقلام) و(الأديب العراقي) الغراوات، وغيرها. عمل في مهنة أستاذ الأدبين الجاهلي والأندلسي في الكلية التربوية المفتوحة، وأستاذ الأدب العربي في قسم اللغة العربية في كلية الآداب جامعة الأكاديميين العرب.

في المجتمع العراقي..

في مقالة  له تناول فيها مشكلات ذوي الاحتياجات الخاصة بعنوان (في المجتمع العراقي) يكتب “خليل محمد إبراهيم”:”لا يمكن التعويل على التعميم بالقول مثلا أن كل ذوي الإعاقة البصرية العراقيين؛ متمكنون تربويا واجتماعيا؛ مما يؤهلهم للاستقلال، كما لا يمكن أن ينعكس القول بحيث يقال أن كل ذوي الإعاقة البصرية العراقيين غير متمكنين تربويا واجتماعيا، حتى أنهم لا يعرفون الاستقلال، فقبل كل شيء؛ مَن هو المستقل اجتماعيا؛ استقلالا مطلقا بحيث لا يحتاج سواه حتى نطلب هذا لذي الإعاقة البصرية أو منه؟!

وأين هذا المجتمع الذي يمنح أيا من أفراده، ومهما بلغ من العلم والقدرة والصلاحيات؛ مثل هذا الاستقلال؟!

إذن، فلنتكلَّم عن الممكن والمعتاد، فلعدم وجود تعداد سكاني حديث في العراق؛ يعتمد حالات ذوي الإعاقة بأنواعها، فنحن لا نملك إحصاءً سكانيا لذوي الإعاقة البصرية، ولا يمكننا تحديد عدد الذكور/ مثلا- أو الإناث، كما لا يمكننا تحديد أعداد أبناء الأعمار المتنوِّعة، بحيث نوفِّر لهم ما يحتاجونه من وسائل التعليم والعمل والصحة والسكن، بطريقة سليمة، لذلك يصعب التعميم، لكن هل يمكن القول بوجود مرافق لتعليم ذوي الإعاقة البصرية مثلا، فيكون الجواب:- نعم هناك معاهد لتعليم ذوي الإعاقة البصرية، فهل هي كافية؟!

هنا يكون الجواب:- لا لأن المؤكد أنه لو توفَّرت وسائل إعلام جادة و كافية؛ تنبه أهل ذوي الإعاقة البصرية؛ إلى وجود مثل هذه المرافق، فإن هذه المرافق، لن تكفي.

وهكذا يبدو وجود أعداد غير محددة؛ من ذوي الإعاقة البصرية؛ خارج نطاق البحث الحكومي أو الاجتماعي، ومع ذلك، فهذا يعني وجود بعض ذوي الإعاقة؛ ممن تعلَّموا، حتى بلغوا أعلى المراتب العلمية، لكن كم هي نسبتهم لذوي الإعاقة البصرية؟! إنهم قلّة نادرة لا شك في ذلك، لكنها نسبة أكبر من نسبة أرقى المتعلمين من غير ذوي الإعاقة البصرية؛ إلى غيرهم.

ثم إن هناك ذوي إعاقات بصرية من الفقراء، اكتفَوا أو اكتفى أهلوهم بإعانة الرعاية الاجتماعية المالية التي تُقدمها لهم الدولة؛ دون التفكير بتعليم الأطفال منهم أو المراهقين؛ مما يعني أن بعض هؤلاء الناس؛ راغبون في التقدم/ غالبا- لو تمكنوا من هذا التقدم.

ثم إن هناك آخرين يتعلَّمون؛ في الطريق إلى أرقى المراكز العلمية، فكم منهم سيصل؟

وكم منهم سيتوقَّف؟!

هذا شأن خاص، لأن هناك قوانين تمكنهم من التعلَّم، وقوانين تعرقل عملهم، لكنهم يتغلَّبون على تلك القوانين المعرقلة غالبا، بجهود متنوعة”.

الاستقلال الاقتصادي..

ويضيف عن إمكانية الاستقلال الاقتصادي لذوي الاحتياجات الخاصة: “وحينما يتمكن الإنسان/ أي إنسان بما في ذلك ذو الإعاقة- من التعلم والعمل، فإنه سيسير على طريق الاستقلال الاقتصادي، وقد أتاحت له الآلات الحديثة؛ فرصة تيسِّر جانبا من استقلاله العملي، فهل تمكن من الاستقلال فعلا؟!

هذه قضية شخصية، لا تتعلَّق بذي الإعاقة حصرا، فكثير من غير ذوي الإعاقة البصرية؛ ممن يمتلكون القدرة الاقتصادية، والرقي الوظيفي؛ يستعينون بالمساعدين للعمل على قيادة السيارة، واستعمال الكومبيوتر، والهاتف النقال، وغيرها من الأدوات الحديثة؛ الميسرة للعمل، غير المغنية عن المساعدة؛ مما يبقي القضية؛ قضية شخصية من ناحية، ومن ناحية أخرى تعمل الموهبة عملها في تيسير الأمر أو تعقيده، فإذا ما تمكن ذو الإعاقة البصرية، وتعلم، وعمل المستحيل، ثم استقلَّ على أحسن ما يمكن من الاستقلال، ثم أراد البعض عدم الاعتراف بقدراته المتميزة، أو اعترفوا بقدراته المتميزة، لكن امتنعوا عن الاستفادة منها واستثمارها لا لشيء إلا لأنه من ذوي الإعاقة البصرية؛ موافقين للقانون أو مخالفين له، فماذا يمكنه أن يفعل غير التظلم، وربما المقاضاة الإدارية للممانعين في الاستفادة من خبراته لمجرد كونه من ذوي الإعاقة البصرية؟!

ولو فرضْنا أن ذا الإعاقة؛ فرض نفسه بالقانون، ووجوده بالجهد الكبير المبذول، أمام خصوم تعليم ذي الإعاقة البصرية وتشغيله، فماذا يستطيع أن يفعل لإقناعهم غير ما فعل عبر القانون والنجاح في العمل؟!

إنها مشكلة حقيقية، فحين تخرَّجْتُ في الجامعة؛ رفض الوزير تعييني وتعيين مجموعة أخرى معي على الرغم من تفوُّقنا العلمي، ومع أن من سبقونا من المدرسين من ذوي الإعاقة البصرية؛ قد أثبتوا وجودهم العلمي والتعليمي في المدارس الثانوية العراقية.

وفعلنا ما نستطيع، لكن لم يتم تعييننا إلا بعد تغيير الوزير، وتقاعد المدير العام الذي كان وراء الرفض، كما أن دراستي العليا تأخرت 22 سنة، لمجرد أنني لم أنتسب لحزب السلطة الذي كان يفرض الانتساب إليه كي يتم القبول في الدراسات العليا، فماذا كان بإمكاني أن أفعل غير أن أدرس بنفسي، وأشارك في ثقافة شعبي؟!

هذه هي المسألة؛ مسألة شخصية في جانب مهم منها؛ للمجتمع فيها مكان مكين، لكن لجهود الشخص ما يفرضه على الواقع أو يبعده عنه، فأنا شخصية مؤثرة في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق؛ نافع لذوي الإعاقة؛ عبر كتابة المقالات، وتأليف الكتب، وتيسير ما يمكن تيسيره من حاجاتهم، فهل يستطيع كل ذوي إعاقة البصرية؛ فعل ما يشبه هذا؟!”.

 تسليع المرأة..

وقد اهتم “د. خليل محمد إبراهيم” بقضايا المرأة أيضا وحقوقها وله مقالة بعنوان (تسليع المرأة بين الدين والرأسمالية) كتب فيه إشارة في البداية لتوضيح ماعاناه بالدين والرأسمالية: “حين الكلام عن الدين، فليس المقصود دينا بعينه وإن جاء ذكر دين محدد، فما جاء لسبب إلا لأنني أعرف شيئا عن هذا الدين؛ أكثر مما أعرفه عن سواه، لكن سواه لا يختلف عنه كثيرا جدا في غير التفاصيل، كما أنني حين أتكلم عن الرأسمالية، فلن أتكلم عن دولة بعينها، لكنني سأتكلم عن النظام الرأسمالي، بمعناه العام، فلعله تمَّ تشذيبه في بعض البلاد، وبقي على حاله أو صار أسوأ؛ في بلاد أخرى، وهكذا أبدأ الكلام”.

وأضاف عن العبودية في الوقت الحالي: “صحيح أن العبودية؛ تمَّ إلغاؤها ظاهريا في نهاية القرن التاسع عشر، لكن الرقيق عامة، والرقيق الأبيض خاصة اليوم، واضح المعالم، ومَن يقرأ ميجر باربرا لـ (برنارد شو)، يعلم أنه يتحدث عن أن تجار الأسلحة والمروّجين لها ومصنعيها؛ هُمْ من اللقطاء، ويرمز لهم بوالد الميجر المؤسسة ل(جيش الخلاص) أحد عنوانات ترجمة أخرى للمسرحية- فاللقطاء، حقيقة أو مجازا، هم عند شو، المشتغلون بهذه الأعمال، ومَن يتتبع ما يحدث اليوم، فإنه يجد أن بعض بنات الليل؛ يبعْنَ أبناءهنَّ وبناتهنَّ لعصابات تعرفهنَّ ويعرفْنَها، وهُنَّ يريْنَ أن في ذلك تخلصا من ثمرة الزنى، وكسبا إضافيا يكسبْنَه بهذا البيع، فماذا سيفعل المشترون لهذا اللقيط به، أو لتلك اللقيطة، بها؟!

ثم أنهم يخدعون الفقيرات في البلدان الفقيرة، فيطلبون إليهنَّ السفر إلى بلادهم، بحجة تشغيلهنَّ في أعمال شريفة، فإذا حضرت الفتاة؛ وجدت نفسها في مباءة فاسدة، ليس لها التخلص منها، وإذا بها داعرة؛ مروّجة مخدرات؛ لصة قمار غشاشة، وغير ذلك كثير، وهو ما يحصل للكثير من المُهرَّبين والمهرَّبات من البلدان الفقيرة، أو التي يتمنى أبناؤها وبناتها التخلص منها، فهم، قبل كل شيء- يستنزفون أموالهم وأموالهنّ، فإذا ما حدث هذا، وكان، أو كانت، في بلاد الغربة، بلا مال، وبلا أمل في الحصول على اللجوء السياسي أو الإنساني؛ كان/ وكانت- لقمة سائغة في أيدي المهرِّبين، ومديري بيوت الدعارة، ومروجي المخدرات، والمافيات والعصابات، وما إلى ذلك؛ يستغلونهم ويستغلّونهنّ؛ أبشع استغلال، وهذا أمر طبيعيّ، فهل رحمت الرأسمالية المخادعة؛ أبناءها، وبناتها من جشعها، فحمتْهم، وحمتْهنَّ من البطالة، وما يترتب عليها من مشكلات لا أول لها ولا آخر، حتى ترحم أبناء الشرق أو أمريكا الجنوبية؛ أو الأفارقة المخدوعين بهم والراحلين إليهم؟!”.

ويواصل عن الفن: “انظر إلى الفن، ألا ترى فيه كيف يستثمرون المرأة والرجل إباحيا؟! انظر فيلم (عنتر شايل سيفه) ل(عادل إمام)، وهو/ وإن كان فلما كاريكاتوريا عن هذه المسألة، فإنه- معبّر عن هذه القضية، بصورة مناسبة، ومشاهدة الأفلام الإباحية من جهة، والأفلام المعبرة عنها مثل (فيلم ثقافي)؛ يفهم ما أقول، مثل هذا يُقال عن قنوات الإعلان الفضائية، فإنها تسلّع المرأة تسليعا فاضحا، وتستغلها استغلالا واضحا، فهي تعزف على ما تفتقر إليه المرأة من حاجات الملابس والمطبخ وما إلى ذلك من حاجات النساء المادية، وأخرى تتعلّق بالجمال النسوي، وهو ما تبذل المرأة فيه ما تملك وما لا تملك، فمن أين تسدد ثمن هذا الذي لا تملكه؟!

لقد كان تسليع الإنسان عامة، وتسليع المرأة وما يزال؛ مشكلة تحتاج إلى حل، ولا حل لها غير الاشتراكية؛ أعدل نظام معروف في العالم”.

وفاته..

توفى “خليل محمد إبراهيم” يوم السبت ١٥ أيّار- مايو ٢٠٢١، في بغداد.



الانتقال السريع

النشرة البريدية