دلالات الظهور.. ولاية تركيا بين التوظيف وحدود الانتشار

الثلاثاء 14 أيار/مايو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

إعداد/ مصطفى صلاح
كان لظهور زعيم تنظيم داعش الإرهابي أبوبكر البغدادي في 29 أبريل 2019، في بث مصور نشره التنظيم العديد من التداعيات، خاصة وأنه الظهور الأول له منذ 5 سنوات حينما اعتلى منبر مسجد «النوري» في الموصل، في يوليو 2014، وذلك بعد سلسلة الهزائم المتتالية التي تعرض لها التنظيم في سوريا والعراق وخسارة التنظيم لكافة الجيوب التي كان يسيطر عليها.

وأراد التنظيم من خلال هذا البث إظهار قدرته على الاستمرار والانتشار برغم الهزائم المتتالية التي تعرض لها، وإعادة توحيد التنظيمات الفرعية للتوجه نحو استراتيجية جديدة لتحقيق استمراية نشاطه الإرهابي، وجاءت دعوة زعيم التنظيم نحو مناطق جديدة، ولكن من الأمور اللافتة في هذا الأمر ليس كل هذا ولكن أن البغدادي ظهر وبيده ملف ورقي يحمل أسم “ولاية تركيا”، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول حقيقة هذه الولاية وما الدوافع من إعلانها بهذه الكيفية، بالإضافة إلى حدود نشاط وعمل هذه الولاية؟

الوجود وتداعيات الظهور

كان هناك العديد من الشواهد الميدانية التي تؤكد تورط تركيا في علاقات وثيقة مع التنظيم وقياداته، الأمر الذي كشفته وزارة الدفاع الروسية في أوائل ديسمبر 2015، بنشرها شريط فيديو يظهر مرور صهاريج نفط عبر الحدود السورية التركية دون أي عوائق من الجانب التركي، بجانب العربات التي تنقل النفط الذي اشترته أنقرة بثمن بخس من التنظيم، بالإضافة لذلك وبينما كان تنظيم داعش يحاصر بلدة كوباني الكردية المحاذية للحدود التركية، عام 2014، كان الجيش التركي يقدم الدعم الإيجابي للتنظيم عن طريق عدم مهاجمته خاصة وأنه يقاتل المكون الكردي الذي يمثل لدى تركيا العديد من التخوفات، في ظل المراهنات التركية على التنظيم لمواجهة الأكراد وطموحاتهم في سوريا والعراق؛ حيث تريد أنقرة السيطرة على المناطق الخاضعة للأكراد خارج حدودها من خلال استخدام التنظيم الإرهابي، وكان هناك دعمًا قويًا له من قبل تركيا التي تحولت إلى ممر آمن ومقرًا لعناصره.(1)

كما تناقلت العديد من أجهزة الاستخبارات الغربية ووسائل الإعلام العديد من التقارير التي تؤكد تورط تركيا في نقل المقاتلين للتنظيم، وفتح الممرات الحدودية للعناصر القادمة من أوروبا وآسيا الوسطى، ولعل الدافع الأكبر في ذلك الأمر هو مواجهة الطموحات الكردية في سوريا والعراق وحصارهم من جانب التنظيم، ومن ثم كان هناك دعمًا قويًا له من قبل تركيا التي تحولت إلى ممر آمن ومقرًا لعناصره، وقدمت تركيا الدعم اللوجيستي الكبير باعتباره أهم فصيل في المشهد السوري والعراقي، في وقت كانت تريد تركيا الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، وتوظيفه في خدمة المشروع الإقليمي التركي.

وعليه انتقدت العديد من الدول الغربية لتركيا بسبب تعنتها في الانضمام للدول المحاربة لداعش في عام 2014. بالإضافة إلى أن بعض الدول صرحت بأنها لا تستطيع أن تغض الطرف عن دخول مقاتلي داعش وخروجهم من الحدود التركية. كما وجدت ادعائات بأن تركيا تدعم داعش وقت حصار عين العرب كوباني بسبب عدم رغبة تركيا في دعم وحدات حماية الشعب الكردي.(2)

إن هذه العلاقة يمكن أن تطرح فرضية أساسية وهي أن هناك ظروف موضوعية التي تمكن تركيا والتنظيم المتطرف من تكوين شراكة قائمة على المصالح المشتركة بين الجانبين، خاصة بعد السياسات التي تتخذها أنقرة برفضها التعاون مع التحالف الدولي لمجابهة التنظيم، وتوظيف التنظيم لخدمه المصالح التركية في سوريا والعراق وكذلك في العديد من دول المنطقة.

دوافع الظهور

يمثل الدافع الأول في ظهور ولاية تركيا في الوقت الحالي إلى فرضية أساسية باعتبارها دولة قوية في المنطقة، عوضًا عن رمزيتها التاريخية فيما يتعلق بدولة الخلافة الإسلامية، وأن التنظيم على الرغم من الخسائر الميدانية التي تعرض لها إلا أنه تمكن من إنشاء ولايات فرعية جديدة في دول قوية ومجاوره لمهد النشأة في سوريا والعراق، كما يريد أن يستعيد الضوء من جديد إلى خلافته المزعومة وأن التنظيم بات البديل الحقيقي للخلافة العثمانية، وأن دولة الخلافة هي دولة التنظيم.

إن زعيم التنظيم أعلن بصورة غير مباشرة عن وجود التنظيم في ولاية تركيا، خاصة وأن تركيا تمثل للتنظيم محطة مهمة ساعدته من قبل على تحقيق التوسع والانتشار في الدول المجاورة؛ حيث أسهمت تركيا في تعزيز وتقوية التنظيم الإرهابي، من خلال السماح للمقاتلين الأجانب التوجه إلى مناطق القتال في سوريا والعراق، ووفقًا لمجلة فورين بوليسي الأمريكية فإن هناك نحو 30 ألف مقاتل تمكن من اجتياز الأراضي التركية عام 2013، والذي كان يسمى حينها الطريق السريع للجهاد، كما سهلت عمليات نقل المعدات والأسلحة للتنظيم، وتطور الأمر إلى التعاون الاقتصادي مع التنظيم ومعالجة جرحى التنظيم في المستشفيات التركية.

إن دافع إنشاء هذه الولاية جاء للضغط على تركيا التي تتعامل بصورة براجماتية مع مصالح التنظيم، وبغض النظر عن جدلية ارتباط تركيا بالتنظيمات المختلفة، إلا أن تركيا في ظل الضغوط الإقليمية والدولية سمحت لدول التحالف الدولي باستخدام قاعدة انجرليك التركية لشن الهجمات على مواقع التنظيم في سوريا والعراق، وذلك في ظل السياسة التركية القائمة على توظيف تركيا لعلاقتها بتلك التنظيمات عبر حسابات توازنات المصالح بينها وبين غيرها من القوى الإقليمية من ناحية، والقوى الدولية من ناحية ثانية، إلا أن التنظيم بإعلانه ولاية تركيا فإنه يستهدف دفع أنقرة لفتح الطريق على الحدود المتاخمة لها مع كل من العراق وسوريا أمام عناصره ومقاتليه وتقديم الدعم لهم.(3)

إن ما تم إعلانه من جانب زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي عن ولاية تركيا يطرح العديد من التساؤلات حول دوافع هذا الإعلان وتوقيته، وبالنسبة لدوافع الإعلان فإن أبرز هذه التوجهات ترتبط بصورة كبيرة برمزية دولة الخلافة وإن كان من قبل لم يتم الإعلان عنه، ومن ثم يحاول التنظيم توظيف تلك الرمزية لتحقيق مكاسب إعلامية وتمكنه من استمرار قدرته على جذب التابعين له، وأن هذا الإعلان ليس إلا محاولة فتح أراض جهادية جديدة وإن كانت من قبل عامل مساعد في تحقيق أهداف التنظيم لأن التعامل بينهما واقع معاش فعليًا.

انقلاب العلاقة

تبدلت الأوضاع في العلاقة بين تركيا وتنظيم داعش الإرهابي بعد حادثة التفجير في حديقة مركز ثقافي في سوروتش في يوليو 2015، التي تقع على بعد نحو 10 كيلومترات من بلدة عين العرب (كوباني) السورية الحدودية، والتي طردت القوات الكردية في نهاية يونيو عناصر تنظيم “داعش” منها بعد معارك عنيفة، وأن هذه المحاولات من جانب التنظيم ليست على توافق مع سياسة تركيا، ولعل ما يؤكد ذلك حديثًا أنه بعد إعلان زعيم تنظيم داعش البغدادي عن ولاية تركيا، شهدت تركيا تحركات أمنية عاجلة لتأمين الوضع الداخلي وإحكام السيطرة، وخلال هذه العمليات ألقت قوات الأمن التركية القبض على 17 عراقيًا و 5 سوريين بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش الإرهابي، عوضًا عن العمل على تجنيد عناصر محلية تعمل لصالح التنظيم، وفي نفس الإطار تقوم السلطات التركية بالتحري حول عدة أشخاص تسللوا إلى تركيا بشكلٍ غير مشروع، ويشتبه بمشاركتهم في أنشطة التنظيم في كل من سوريا والعراق.(4)

إن الهزائم اللي تعرض لها التنظيم اربكت حساباته فيما يتعلق بإيمانه بضرورة وجود سيطرة ميدانية كنقطة انطلاق لنشاطه، وبالنسبه له تركيا أقرب النقاط الجغرافية لدولته في العراق وسوريا، وهذا الأمر لا يعني قبول تركيا لمثل هذا الإعلان ولكن هناك محاولة لتوظيفيه من جانب الطرفين فتركيا توظف خطر التنظيم لضمان التدخل في العراق وسوريا، واقتصاديًا فيما يتعلق بنقل النفط، والآن التنظيم يستخدم تركيا بصورة معلنة لتحقيق مصالحه الاستراتيجية، وعلى الرغم من أن تركيا لن تقبل هذا الوجود وستحاربه في حال ظهوره داخليًا، إلا أن هذه الدعوة من جانب التنظيم لا يمكن أن تكون سوى تصريح إعلامي لا يتعدى كونه عامل معنوي للحشد لا وجود له ميدانيًا.

ولاية تركيا واستراتيجية التنظيم

إن هذا الظهور من جانب زعيم التنظيم يؤكد إقرار البغدادي بالهزيمة التي تعرض لها التنظيم والتحول في أهدافه واستراتيجيته، وذلك من خلال إعادة تهيئة عناصره لنمط جديد من المواجهات التي أسماها “حروب الاستنزاف”، التي هي في أدبيات داعش تعني عودة التنظيم إلى المرحلة الأولى من حروب العصابات والتخفي أو ما تسمى استراتيجية سمكة الصحراء، وبذلك يشير إلى أن فكرة تنظيم داعش مستمرة في شكل آخر وفقًا لهذه المعطيات.

يؤكد زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي مرارًا أهمية وسائل الإعلام بالنسبة لتحقيق أهداف التنظيم، فهي المنصة الأولى لنشر أفكاره وترهيب القوى الخارجية، كما أنها الذراع الأولى المسؤولة عن عملية تجنيد وضم العناصر البشرية، خاصة بعد الأحداث الأخيرة وفقدان “داعش” أغلب معاقله، فمن المنتظر أن يكثف التنظيم وجوده على منصات التواصل لتكوين شبكات بشرية جديدة وتأكيد استمراره وتوغله أيدلوجيًّا.

إن هذه الآليات التي يتبناها التنظيم الإرهابي بجانب إعلانه عن التواجد في تركيا أقرب النقط الجغرافية لخلافته المزعومة يؤكد عزم التنظيم تحقيق أهدافه الجديدة، برغم كافة الضغوط الإقليمية والدولية التي يتعرض لها، ومن ثم ستشهد المنطقة احتمالية جديدة من تزايد موجات التطرف والتشدد الإرهابي.

المراجع:

1) تنظيم داعش وملف ولاية تركيا، على الرابط: https://al-ain.com/article/turkey-terrorism-europe

2) حين ظهر البغدادي وفي يده “ملف ولاية تركيا”: هل يتجرّع الطبّاخ السم؟، على الرابط:

http://cutt.us/DArTv

3) عودة ظهور البغدادي.. الدلالات والرسائل، على الرابط:

http://acpss.ahram.org.eg/News/16909.aspx

4) مجلة زعيم “داعش”.. دلالات ظهور “ولاية تركيا” في يد أبو بكر البغدادي، على الرابط:

https://www.elwatannews.com/news/details/4137592
المصدر/ المركز العربي للبحوث والدراسات



الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.