جين أوستن.. رصدت حياة طبقة ملاك الأراضي البريطانيين

الاثنين 25 كانون ثاني/يناير 2021
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

 

خاص: إعداد- سماح عادل

“جين أوستن” روائية إنجليزية، اشتهرت بست روايات رئيسية، ترصد فيها حياة طبقة ملاك الأراضي البريطانيين، بنهاية القرن الثامن عشر. روايتها الأكثر شهرة خلال حياتها هي “كبرياء وهوى”، وكانت ثاني رواية تنشر لها. وهي تحكي عن سعى النساء إلى الزواج بحثا عن مركز اجتماعي ودخل ثابت.

حياتها..

يوجد كاتب سيرة واحد ل”جين أوستن” لذا فالمعلومات عن حياتها قليلة، هناك بعض الخطابات الشخصية والعائلية (فقط 160 خطابا من أصل 3000)،  وأختها “كاساندرا” المرسل إليها معظم الخطابات، حرقت أغلبها وحذفت مقاطع من الجزء الذي لم تدمره. وخطابات أخرى دمرها ورثة الأدميرال “سير فرانسيس أوستن”  شقيق “جين أوستن”. ومعظم كتابات السيرة الذاتية الصادرة بعد وفاة “جين أوستن” بخمسين عاما كتبها أقاربها، وقد عكست محاباة العائلة للعمة الطيبة الهادئة “جين”. واكتشف الباحثون معلومات قليلة بعدها.

كتبت “جين أوستن” خلال فترة “الرومانسية البريطانية” رومانسية تتمتع ب “المثالية البريطانية” وأحبت عددا من الشعراء الرومانسيين البريطانيين من بينهم (ويليام ووردزوورث (1770-1850)، و سامويل كولريدج (1772-1834)، ولورد بايرون (1788-1824))، وتم دراسة تأثيرهم الكبير على رواياتها.

 

والدا “جين أوستن” هما جورج كاهن تابع للكنيسة الإنجليزية الرسمية، وزوجته كاساندرا ، انتميا إلى طبقة اجتماعية راقية. ينحدر جورج من عائلة تعمل بصناعة الصوف، وهي من أدنى الرتب في طبقة ملاك الأراضي. أما والدتها كاساندرا فكانت من عائلة لاي الأرستقراطية.

كانت عائلة أوستن كبيرة، ضمت ستة أشقاء وشقيقة واحدة. أما الشقيقة هي “كاساندرا إليزابيث”، وهي لم تتزوج مثل “جين”. وكانت أقرب أصدقاءها، وكاتمة أسرارها طوال حياتها.

ولدت “جين أوستن” في 1775، في 1783 حسب تقليد العائلة تم إرسال “جين وكاساندرا” إلى مدينة أوكسفورد ليتعلموا على يد “آن كاولي”، وانتقلتا معها إلى مدينة ساوثهامبتون لاحقًا في العام نفسه. أصيبت الفتاتان بمرض التيفوس وكادت أن تموت “جين”. عندها تعلمت في المنزل حتى ذهبت هي و”كاساندرا” إلى مدرسة داخلية في مطلع عام 1785. ضمت المواد الدراسية الفرنسية والهجاء والخياطة والرقص والموسيقى، وربما شملت مسرح أيضًا. في 1786 عادت “جين وكاساندرا” إلى المنزل لأن الأسرة لم تتحمل تكلفة إرسال كلتا الفتاتين إلى المدرسة.

اكتسبت “جين أوستن” باقي تعليمها من قراءة الكتب. كان مسموح لها بدخول مكتبة والدها ومكتبة صديق العائلة وارين هاستينجز التي ضمت مجموعة واسعة ومتنوعة من الكتب. سمح والدها بمحاولات جين الخطيرة أحيانا للكتابة، وزود الفتاتين بأوراق غالية الثمن وأدوات للكتابة والرسم. حسب كلام كاتب السير الذاتية “بارك هونان” كانت الحياة في منزل عائلتها محاطة بجو منفتح وممتع وسهل وثقافي، حيث يتم مناقشة الأفكار السياسية والاجتماعية التي تعارضها العائلة. بعد العودة من المدرسة في عام 1786 لم تحيا “جين أوستن” بعد ذلك في أي مكان بعيدا عن عائلتها.

في ديسمبر 1802 تلقت “جين أوستن” عرض الزواج الوحيد في حياتها. زارت هي وأختها “أليثيا وكاثرين بيج”، وهما صديقتان قديمتان تعيشان بالقرب من مدينة باسينجستوك . لديهما شقيق أصغر يدعى “هاريس بيج ويزر”، أنهى مؤخرا دراسته الجامعية في أوكسفورد وكان متواجدا في المنزل، تقدم إلى “أوستن” ووافقت. لم يكن “هاريس” جذابا، كان ضخما بسيط الشكل قليل الكلام متلعثم، وكان عدوانيا في الحديث ويكاد يكون بلا لباقة على الإطلاق. مع ذلك عرفته أوستن منذ الصغر، وكان لعرض الزواج عدة مزايا لها ولأسرتها، فقد كان وريثا لممتلكات عائلية باهظة في المنطقة التي ترعرعت فيها الأختان، بمصادر الدخل تلك يمكن لأوستن رعاية والديها في عمرهما الكبير، ويمكنها منح كاساندرا منزلا دائما للسكن فيه، وربما تساعد أشقاءها في أعمالهما. في الصباح التالي قررت أوستن أنها ارتكبت خطأ وسحب موافقتها. لا يوجد خطابات معاصرة تصف ما شعرت به تجاه عرض الزواج. في 1814 كتبت “أوستن” خطابا لابنة أخيها “فاني نايت” التي سألتها النصيحة بشأن علاقة جدية، وقالت “لقد كتبت الكثير عن جانب واحد من السؤال، لذلك على الآن أن أرجوكِ ألا تلزمي نفسك أكثر، وألا تفكري في القبول إلا إن كنتِ تحبيه حقًا. كل شيء يمكن قبوله أو احتماله إلا الزواج دون حب”.

الكتابة..

في بداية  1787 بدأت “جين أوستن” بكتابة قصائد وقصص ومسرحيات لنفسها ولعائلتها. ثم جمعت نسخ منقحة مكونة من 29 عملا من تلك الأعمال الأولية في ثلاث مفكرات، معروفة الآن باسم “الصبا” وتحتوى على بعض الأجزاء المكتوبة ما بين 1787 و1793. وتدل النصوص المكتوبة على أنها استمرت في العمل على تلك الأجزاء ما بين 1809 و1811، وقام ابن أخيها “آنا وجيمس إدوارد أوستن” بعمل بعض الإضافات في 1814. من بين تلك الأجزاء رواية “الحب والصداقة”، وهي رواية رسائلية ساخرة، سخرت فيها من الروايات العاطفية، كما يوجد مخطوط مكون من 34 صفحة يصحبه 13 رسمة توضيحية بالألوان المائية من عمل كاساندرا.

كما كتبت “جين أوستن” كتاب بعنوان “التاريخ” حاكت فيه كتابات تاريخية شهيرة، بالأخص “تاريخ إنجلترا” الصادر عام 1764 للكاتب “أوليفر جولد سميث”. ووفقا للباحث “ريتشارد جينكينز” تعتبر كتابات “الصبا” الخاصة بها خشنة وفوضوية، وقد قارنها بأعمال فريق “مونتي بايثون”، وأعمال الروائي “لورنس ستيرن” من القرن الثامن عشر.

ظلت “جين أوستن” تحيا في منزل العائلة وتشترك في الأنشطة التقليدية للنساء اللاتي في سنها ومستواها الاجتماعي. مثل العزف على البيانو، وكانت فخورة بأعمال الخياطة الخاصة بها. وذهبت للكنيسة بانتظام واجتمعت باستمرار مع الأصدقاء والجيران، كما قرأت الروايات بصوت مسموع لعائلتها في الأمسيات. اجتماعها مع الجيران كان يعني عادة الرقص، كانوا يجتمعون في بيت أحدهم بعد العشاء أو في الحفلات التي تقام بانتظام في غرف التجمع الخاصة بدار البلدية. وكانت “جين” مولعة بالرقص وبرعت فيه.

بحسب “بارك هونان” أنه بعد كتابة “الحب والصداقة” عام 1789، قررت “جين أوستن” الكتابة من أجل الربح وتكريس جهدها لكتابة القصص،  ثم بدأت تكتب أعمال أكثر طولا وعمقا عام 1793.

الروايات..

ما بين 1793 و1795 كتبت الرواية الرسائلية “السيدة سوزان” التي اعتبرت أكثر رواياتها الأولى وعودا وعمقا. بعكس أعمالها الأخرى، وصفت المؤلفة “كلير تومالين” بطلة القصة أنها متوحشة جنسيًا، تستخدم ذكاءها وسحرها للتلاعب بالعشاق والأصدقاء والعائلة، وخيانتهم والإساءة إليهم. تقول كلير: “الرواية مقدمة في هيئة رسائل، وحبكت قصتها كمسرحية، كما أنها ساخرة مثل أسلوب معظم كتاب المسرح لفترة الإحياء الذين قد يكونوا ألهموها… إنها رواية فريدة في أعمال أوستن، تدرس حياة امرأة ناضجة ذات ذكاء وقوة شخصية أشد من كل من قابلت”.

مازالت رواياتها تنشر حتى الوقت الحالي، وفي بداية نشر تلك الروايات كانت تنشر بدون اسمها ولم تحظ سوي بقليل من الشهرة أثناء حياتها. ثم بعد وفاتها باثنين وخمسين عاما أي في عام 1869 عندما نشر ابن أختها سيرتها الذاتية A Memoir of Jane Austin”” وهذا ساهم في شهرتها. ثالث رواية نشرتها كانت “متنزه مانسفيلد”، والتي تجاهلها العديد من المعلقين على الرغم من نجاحها أثناء فترة حياتها.

نشرت جميع روايات “جين أوستن” ما بين عامي 1811 و1818، من 1811 إلى 1818 حققت نجاحا بكونها مؤلفة رسمية معروفة. نشرت رواية “العقل والعاطفة” في 1811، و”كبرياء وهوى” في 1813, و”متنزه مانسفيلد”  في 1814، و”إيما” في 1815. كتبت روايتين إضافيتين بعنوان “دير نورثانجر” و”إقناع”. ونشر كلاهما بعد وفاتها في عام 1818. وكانت قد بدأت رواية أخرى قبل وفاتها سميت فيما بعد “بلدة سانديتون”.

على الرغم من أن روايات “جين أوستن” كانت دوما رائجة، قلل من شأنها باحثو الأدب الإنجليزي حتى قام “فرانك ريموند ليفيس” و”إيان وات”  وآخرون بإعادة تقييم أعمالها في منتصف القرن العشرين.واعترفوا بأهميتها في تطوير الرواية الإنجليزية بعد “هنري فيلدينج” (1707-1754) و “سامويل ريتشاردسون” (1689-1761) وقبل “تشارلز ديكنز”. فقد اتفقوا على أنها مزجت بين أساليب الذاتية والسخرية ل”فيلدينج” وأساليب الواقعية والتهكم ل”ريتشاردسون” لصنع مؤلف يفوق كليهما.

 

النقد..

خلال القرن العشرين والحادي والعشرين ألهمت روايات “جين أوستن” عددا كبيرا من المقالات النقدية، مما جعلها كاتبة بريطانية ذات شهرة عالمية. ألهمت رواياتها صناعة عدة أفلام سينمائية، بداية من الأربعينيات مع فيلم “كبرياء وهوى” 1940 بطولة “لورنس أوليفيه”، وفيلم “العقل والعاطفة”  بطولة “إيما تومسون” في 1995 وفيلم “الحب والصداقة”  بطولة “كيت بيكينسيل” في2016.

وفاتها..

بداية عام 1816 بدأت “جين أوستن” تشعر بالتعب. تجاهلت المرض في البداية واستمرت في العمل وشاركت في الأنشطة العائلية المعتادة. بحلول منتصف العام تراجعت صحتها بوضوح لها ولعائلتها، وبدأت حالة طويلة وبطيئة وغير مستقرة من التدهور الذي أدى لوفاتها في العام التالي. تم وصف مرضها الأخير بأنه مرتبط بسرطان الغدد الليمفاوية. توفيت في 18 يوليو 1817 عن عمر واحد وأربعين عاما.



الانتقال السريع

النشرة البريدية