الوصايا العشر للحداثة

الجمعة 07 آب/أغسطس 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

خاص : بقلم – د. محمد دوير :

لعل هذا الكتاب مناسبة لطرح سؤال ضروري وبديهي، لماذا ظهرت الحداثة في أوربا ؟.. ألم يكن من الممكن أن تظهر في إفريقيا جنوب الصحراء، أو في منطقة الحضارات الوسطى كفارس وبلاد الرافدين والهلال الخصيب ومصر، أو منطقة الشرق الأقصى، وجميعها مناطق أهلة بالسكان وبالنشاط والتدافع الاجتماعي ؟.. لماذا في الجزء الشمالي الغربي من العالم القديم ظهرت الأنوار التي قادت العالم نحو التقدم ؟.. ربما يقول قائل أن سيطرة الكنيسة خلق عقلاً كليًا ومعاناة جماعية جعلت البشر يتوحدون ضدها ويحاولون كسر تلك الحواجز التي فرضتها الكنيسة عليهم، ولكن مثل هذا الرأي يضعف حال القول بأن الإنتاج الحداثي الغربي مستمد من العصر الإغريقي والروماني أي من ما قبل المسيحية نفسها، فالمفكرون في قرون الحداثة الأولى استمدوا معظم قضاياهم الفلسفية من الفكر الإغريقي في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد.

ثمة قائل يرى أن عدم قيام الحداثة أو التمرد على العقل الأسطوري والديني في إفريقيا جنوب الصحراء يعود إلى التعددية الدينية في إفريقيا، فلم تكن إفريقيا واقعة تحت سيطرة دين واحد كما هو حادث الآن نتيجة للاستعمار الغربي الذي جاء بالسلاح في يد والإنجيل في اليد الأخرى، فإن منعت تلك التعددية من خلق عقلي كلي مناهض لسطوة الدين، إضافة إلى أن الديانات والمعتقدات الإفريقية كانت إلى حد كبير محايثة للإنسان أو متوافقة معه سواء واقعيًا أو غريزيًا، خارجيًا أو داخليًا، بيد أن التعددية الدينية وحدها لم تكن السبب الوحيد لغياب الحداثة عن إفريقيا؛ رغم أنها مؤهلة أو على الأقل متقاربة من حيث الخصائص الجغرافية والسكانية مع القارة الأوروبية.

وكذلك لم تظهر في الحضارات القديمة لأسباب يجب أن تؤخذ في الاعتبار، إن تلك الحضارات كانت متكيفة ذاتيًا بما حققته من حضارة، مستمدة من التشكيل البيئي لها، فغالبًا الحضارات التي تحقق قدرًا من التكامل الداخلي والإكتفاء تكون دوافعها نحو الثورة الجذرية على المفاهيم والتصورات؛ محدودة، لأنها قد تصاب بالتكلس، فلا تترك فراغات ينفذ منها التغيير، وإن سعت إلى ذلك فإنها تكون محصنة بقدر كافٍ من أجل أن ينبع التغيير وفقًا لخصائص تلك الحضارة وليس بعيدًا عنها نموذج الثورة الاشتراكية في الصين التي تماهت مع النمط الاجتماعي الصيني، لأن الحضارات القديمة في معظمها تشكل من وحدة الجغرافيا بالبشر، وحدة الطبيعة مع الإنسان.

يظل السؤال مطروحًا بلا إجابات حتى نفرغ من تناول الوصايا العشر للحداثة، ثم ننظر بقدر من الحيادية والمنهجية العلمية في أسباب ذلك، لأن الأمر هنا لابد وأن يتعلق بعدة مناخات نظرية كفلسفة الحضارة وفلسفات التاريخ وعلوم العقل ومتى كيف يمكن للإنسان أن يوقف وحي النقل لصالح قلم العقل. ولكن الأهم من وجهة نظري هو تداخل عناصر التقدم بحيث تشكل كل منها رافعة لباقي منظومات الحداثة. إن أخطر ما لفت نظري في موضوع الحداثة، هو تناولها بشكل تجزيئي، أي محاولة البعض في الفكر العربي اختزالها في مقولة أو اثنتين، وهذا هو عبث الحداثة في أجلى صوره.

 

  • من مقدمة كتاب (الوصايا العشر للحداثة)، لكاتب السطور.



الانتقال السريع

النشرة البريدية