النساء والكتابة (6): النظرة إلى المرأة المبدعة فيها ظلم حتى من نظيراتها من النساء

    68

    خاص: إعداد- سماح عادل

    رغم الصعوبات الكثيرة التي تعترض طريق الكاتبات، إلا أن بعض الكاتبات تعتقدن أن تلك العوائق قد تكون دافعا لمزيد من العمل وبذل الجهد، ولإبداع كتابة جيدة، كما تؤكد بعض الكاتبات أن أيه صعوبات لن تؤثر حين تكون الكتابة حلما وملاذا وهاجسا يوميا يصاحبهن كطيف جميل.
    لذا كان لنا هذا التحقيق الذي يجمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:
    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟

    تغيرات نفسية..
    تقول الروائية اليمنية “شذا الخطيب”: “نعم تواجه الكاتبات الكثير من الصعوبات، والتي لا تتعلق بحياتها الاجتماعية فقط، بل بحياتها النفسية والتغيرات الهرمونية أيضا، وأيضا صعوبات تخص تنقلها والبحث عن المعلومة وزيارة بعض الأماكن التي تريد الكتابة عنها والتي قد تكون بعيدة وفيها مشقة عليها”.
    وعن العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ وتأثيرها على إنتاج الكاتبات تقول: “هذه حقيقة، ولكن لو أخذت مثلا الكاتبة البريطانية “أجاثا كريستي”، وتعتبر أشهر كاتبة عالمية سواء في عدد إصداراتها التي تجاوزت السبعين كتابا بالإضافة إلى اتساع انتشار رواياتها، وهذا يعود للأجواء التي ساعدتها على الإنتاج، وأهمها زواجها من عالم آثار مما سهل عليها التنقل واكتساب خبرات عديدة، وأنتج عنها روايات ومنها “موت فوق النيل ولقاء في بغداد وجريمة في بلاد الرافدين”، في النهاية يأتي “الموت في مصر القديمة وجريمة في الصحراء” التي جرت أحداثها في الأردن وفلسطين.
    فإذا توفرت لأية كاتبة مثل ظروفها سوف تنتج الكثير، لأن المرأة تتمتع بحس إبداعي ووعي أكثر من الرجل، لكن الظروف التي ذكرت تعيقها فنجد الرجل يتفوق عليها. ليس لأنه أكثر إبداعا أو ذكاء بل لأن ظروفه وأيضا مهنته تدعمه في أوقات كثيرة”.
    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال تقول: “أظن الآن أنه لا توجد مقارنة وخاصة أن المرأة بدأت تفرض نفسها في مختلف المجالات، لكن الظلم يكون في أن الكاتب يميل إلى الشللية فيجد من يدعمه سواء بالترويج أو النقد، أما المرأة فمسألة الشللية تخضع لاعتبارات أخرى ممكن تضطرها أن تدفعها من سمعتها، وهناك الكثيرات من يرفضن ويتركن الحكم للجمهور العام وجمال ما يكتبن، الذي سيفرض نفسه عاجلا أم آجلا مثل القديرة”.
    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “لن يكون الانتقاد لمجرد النقد فمؤكد تكون الكاتبة أرادت ذلك لإثارة فكرة معينة أو توصيل موضوع يستحق الانتباه له، المرأة لا تكتب لمجرد الإثارة كالرجل”.
    وعن النقاد تقول: “لا أظنها مظلومة لو هي حقا كتبت عملا يستحق الدراسة، سوف يأخذ حقه بالدراسة والكتابة عنه. فقط مسألة وقت بسبب كثرة الأعمال الروائية”.

    لعب دور الضحية..
    تقول الكاتبة التونسية “كلثوم عياشية”عن الصعوبات التي تواجه الكاتبات: “أجد في السؤال إشارة إلى طبيعة الكتابة في حد ذاتها، هل هي تتبع لسوانح النفس وخواطرها وزخم للأفكار المترددة فيها وتقصّ لما يعتمل فيها من هواجس ورؤى أم هي مهنة أو وظيفة كغيرها من الأعمال والحرف تتطلب توقيتا معينا ننزوي خلاله لنسكب أفكارنا صورا فنية مختلفة شعرا أو نثرا؟
    في اعتقادي، إن الكتابة، خلافا للوظيفة، عمل مستمر لمن سكنته الرغبة، فأنا أكتب ذهنيا طوال الوقت في تنوع واتساع، قد يستحيل ما صمد إلى سطور وقد يمحى ويندثر، فالمسألة عندي ليست مرتبطة بالتفرغ أساسا بل بالإصرار على تجسيد تلك الأفكار في الأشكال التي يجب، ولكل كاتبة ظروفها الخاصة التي ترسم من خلالها عوالمها، دون أن ننكر أن المجتمع ما زال يسند للمرأة مهامها التقليدية ويعتبر الكتابة ترفا زائدا، فتضيق الفرص وتموت بعض النصوص قبل أن تولد، وكم من كاتبة وأدتها مشاغل الحياة”.
    وعن العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ وتؤثر على إنتاجهن تقول: “يرتبط السؤال بما تقدم على أساس أنّ جلّ الكاتبات يعانين من ثقل مهام المرأة التقليدية ومشاغل الأسرة، لكن هذا ليس معيارا ثابتا ولا قيدا دائما لأن لذة الخلق تكمن في تحدي تلك القيود، وإن كان النص قد اختمر في النفس فإنه سيجد طريقه إلى النور حتما. تبقى المسألة المرتبطة بكم الأعمال المنشورة لأن الحصار الاجتماعي للمبدعة قد يطول فتتأخر بعض الأعمال عن الظهور، أما مسألة الكيف فلا أعتقد أن لها علاقة بأحد، فهي قادرة على تشكيل عوالمها وصياغة أفكارها وأصالة لغتها وطرافتها”.
    وعن الشعور بالظلم حين تتم المقارنة تقول: “النص الجيد لا جنس له سينظر في أثره وأبعاده. لا أشعر بالظلم بل بالاستياء لأن للنساء نصيب من المسؤولية في النظرة الدونية للكتابة النسائية سواء على مستوى محتوى الكتابات ونوعها، أو بالإصرار على لعب دور الضحية المحرومة من فرصة الرواج وضيق مساحات الإبداع لأنها تتحمل عبء الأسرة.
    فالمرأة كانت تجد وقتا للتفرغ للنسج والتطريز والحياكة، فإن أرادت أن تكتب أوجدت من وقتها، دون أن ننكر أن النظرة إلى المرأة المبدعة فيه جانب من ظلم حتى من نظيراتها من النساء”.
    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “المرأة هي الشجاعة والإقدام ولا أعتقد أن الأدب وهو يعيد تشكيل عالم الإنسان وتفاصيل يومه يحتاج لأكثر من صدق المضامين، فالكاتبة حين تذهب إلى اللحظات الحميمة وتوغل في ذلك يجب أن يكون ما تفعله خدمة للنص وإلا فلا داعي، غير أن ما يحسب جرأة عند بعض الكاتبات أصبح لافتا لأنه متعمد لغايات بعيدة عن جوهر العملية الإبداعية غالبا.
    فهو إمعان في إحداث الضجة وترويج للعنوان وسيلة تجارية وجموح عن المقاصد، حشو سيئ لا يخدم النص ولا يضيف إليه الكثير. يبقى الأمر مرتبطا بسياق النص إذا كان فعلا يتطلب مقاطع من هذا القبيل أم هي مجرد حيلة تضمن للنص بعض النجاح”.
    وعن النقاد تقول: “الأمر عندي ليس متعلقا بالكتابات بل شبكة العلاقات، ولعل النساء أكثر حظا في هذا المجال، لأن اعتبارات أخرى تسبق النص ويمكن أن تدفع ببعض الأعمال إلى النور دون أن تكون الجودة معيارا أساسيا بالقياس إلى الكتاب وأسبقيتهم. عموما، أعتقد أن الوضع تجاوز هذا الطرح لأن الأزمة في الذائقة العامة واكتفاء القراء على السواء بتقييم متسرع انطباعي لا يخدم الذوق والأثر، والناظر في الساحة الأدبية يجد أسماء مؤنثة لها جمهور عريض من القراء في العالم العربي وغيره”.


    العوائق دافع لكتابة جيدة..
    وتقول الكاتبة المصرية “أسماء فريد”: ” فعلا تواجه أغلبية الكاتبات صعوبة في التفرغ للكتابة وخاصة من كانت أما لصغار، أولا لأن أعباءها كثيرة جدا والحمل الأكبر يقع عليها ويعتقد الزوج أن ممارستها للكتابة سيجعلها تهمل في واجباتها المنزلية.
    أما من لديها أبناء كبار إما أن تنجح بمساعدة زوجها وأبنائها وإما أن يعترضوا على ظهورها فى هذا المجال وخاصة لو كانت ناجحة فالزوج لا يحب زوجته أعلى منه إلا من كان نادر أو الأبناء لا يريدون أن تنشغل الأم عنهم إلا بهم.
    طبيعة مجتمع وبشر فهذا النوع نجده في المجتمع الريفي أكثر من المدن، فالرجال في الريف لا يحبون أن تتخذ نساؤهم طريق الشهرة، أما لو من المدن فاعتراضهم الأساسي أن الكتابة ليس من ورائها مكسب مادي، فصعوبة الأحوال المعيشية تجعلهم يفكرون بأن تعمل المرأة في وظيفة بمرتب أفضل من الكتابة متجاهلين أهمية مواهبها. ونادرا ما تجدي زوجا يعاون زوجته في تحقيق آمالها وهذا يكون حظا سعيدا بالنسبة لها، وإما مشاكل بلا نهاية”.
    وعن تأُثير العوائق على الإنتاج تقول: “ممكن أن تؤثر هذه العوائق على الكم أما على مستوى الكيف أشك في أن تؤثر عليه. لأن من كانت هوايته الكتابة فهو مبدع في أي زمان أو مكان. بل بالعكس يمكن أن تكون العوائق مادة أو فكرة أو دافعا لكتابة جيدة، كمقال نقدي أو قصة أو شعر فالإبداع يخرج من رحم الألم والأمل”.
    وعن الشعور بالظلم حين تتم المقارنة تقول: “نعم أرى ظلما للكاتبات بمقارنتهن بالكتاب لأن الكتاب متفرغون للكتابة، أكيد الكم عندهم أكبر، ومن الجائز أن تبدع الكاتبة في الكيف بالمقارنة بالكاتب، ولكن هو أكثر حظا في الكم. وأحيانا يعتبرون أن الكتابة من حقهم استنادا إلى كتابنا العظماء أمثال (طه حسين، العقاد، نجيب محفوظ) وغيرهم. ونسوا أن المرأة من طبيعتها حب الكلام، فهي تبدع في اللغويات أكثر ونسوا الكاتبات العظيمات أمثال (هدى شعراوي وفاطمة اليوسف) صاحبة أكبر مؤسسة وهى “روز اليوسف” وغيرهن.
    وعن انتقاد الجرأة تقول: “أنا معهم فأنا انتقد الجرأة في الكتابة، بل وأهاجمها حين تصدر عن الرجال فما بالك حين تصدر عن النساء اللاتي هم من المفترض أشد حياء من الرجال، فإن سرنا وراء هؤلاء الجريئات وغيرهن أصبح المجتمع بلا قيود أو قيم.
    ليست الجرأة في الكتابة هي ما تشهر أصحابها بل تشهر بهم، وإن قيل كيف نعبر عن مشهد رومانسي؟ أقول ليس بالإباحية بل قليل من الكلام الرومانسي والذي يمس المشاعر كفيل بأن يجعلك تذوب في عالمه، أما الإباحية والجرأة فمكانها الملاهي وبيوت الهوى. والكتاب اللبقين هم من يعبرون عن كل شئ بأسلوب مهذب ومعبر في نفس الوقت وأنا استخدمت هذا الأسلوب في روايتي “عشق” وكتابي “أميري” و”ومضات حائرة”.
    وعن النقاد تقول: “المساواة في الظلم عدل، هذا الزمان للأسف الكاتب والكاتبة مظلومين من النقاد الذين بدأوا يأخذون النقد مهنة يرفعوا بها من يشاءون ويهبطوا به بمن يشاءون، وقلما تجدي ناقدا يراعى ضميره هذه الأيام، والحل هو الاحتفاء بالنصوص الجيدة سواء كاتبها امرأة أم رجل، ومن هنا لن يوجد ظلم في النقد وسيعطى كل ذي حق حقه”.

     

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا