(النساء والكتابة 2- 34):  إذا كانت مهام العمل لا تعيق الرجل عن الإبداع فمن باب أولى ألا تعيق المرأة

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    قد يطرح التشابه الكبير في آراء عدد كبير من الكتاب حول النساء والكتابة، وحول الصعوبات التي تعيق طريق النساء في الكتابة، وقدرة النساء على تجاوز تلك المعوقات، فكرة. هذا التشابه في آراء معظم الكتاب ربما يعني أنها ثقافة سائدة حول المرأة والكتابة، تصب في فكرة التعميم والإصرار عليه، والقوة في نفي أي اختلاف ممكن بين الجنسين، والتأكيد المستميت على أن الإبداع إنساني.

    في حين أن الإبداع على مدى تاريخه الطويل كان يعبر عن صوت الرجال في المجمل، عن رؤية الرجال للعالم والحياة وحتى للمرأة، وقليلا ما كانت تظهر رؤية النساء على خجل وبشكل نادر، ثم أصبحت كتابات النساء منتشرة وتفرض رؤيتها لكن ليس بمثل انتشار كتابات الرجال. وفي النهاية تقف في طريقها أشياء كثيرة يصر الرجال على عدم رؤيتها وعلى تجاهل وجودها.

    والسؤال الملح هنا هل نحن في حاجة لتغيير الأفكار السائدة حول النساء والكتابة، وتثوير تلك الأفكار وجعلها تقترب من تفاصيل الواقع المعاش دون الاختباء تحت ستار التعميم الذي يخفي ما يحدث على أرض الواقع أو يتناساه؟

    هذا هو الجزء الثاني من تحقيق (النساء والكتابة)، والذي جمعنا فيه آراء الكتاب من مختلف بلدان الشرق عن الصعوبات التي تواجه الكاتبات، وطرحنا هذه الأسئلة:

    1. في رأيك هل مهام الكاتبة من عمل، ومسؤوليات الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل صعوبات تمنعها من التفرغ للكتابة وتقلل فرصها للتواجد على الساحة الثقافية ككاتبة؟
    2. ما رأيك في مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    3. ما رأيك في تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء، والجرأة في الكتابة. وما رأيك فيها يسمى بالكتابة الأيروتيكية؟
    4. هل استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا وأن تجد لها مكانا وفي رأيك هل ينصف النقاد كتابات النساء أم لا ولما؟
    5. هل تعتقد أن هناك اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال وما هي هذه الاختلافات؟

    الكاتبة أقرب في التعبير عن نفسها وعواطفها وشخصياتها..

    يقول الكاتب العراقي “عبد الرضا صالح محمد”: “ليس هذا صحيحاً كما أعتقد، نعم ربما يؤثر ذلك على كمية الأداء، وليس على نوعيته، فهناك فرص يمكن أن تغتنمها المرأة للكاتبة، بل باستطاعتها خلق تلك الفرص من أجل الكتابة، فيما إذا كانت لديها الرغبة بالكتابة”.

    وعن مقارنة النصوص رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ يقول: “ليس هناك فرق بين المرأة والرجل، ولكن إنتاج النصوص عند الرجال أكثر مما هو عند المرأة، كما وأن مجتمعاتنا لا تهتم بتعليم المرأة، بل وحصرها بركن ضيق لا يسمح لها بمواصلة تعليمها. بقدر ما هو لدى الرجال”.

    وعن تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء يقول: “نحن كما نعلم مجتمع عربي إسلامي، له عاداته وتقاليده، وأصحاب رسالة اجتماعية تربوية، صحيح أن الجنس هو جزء من حياتنا، ونحن نمارسه بأدق تفاصيله بالنسبة للمتزوجين، ويبقى الشباب هم الضحية أمام هذا الوصف غير الملتزم، وبذلك يكون تحطيم التابوهات عامل غير مثمر في المجتمع، ولا يؤدي إلى أداء رسالتنا التربوية”.

    وعن استطاعة كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا يقول: “نعم هناك كاتبات كن في الواجهة المشرقة في أعمالهن الروائية، وهناك ما دون ذلك، ولم يَكُنَّ أقل براعة مما قدمه الروائيون، وهناك أعمال فاخرة لهن في هذا المجال. وهذا ما أرجوه من نقادنا الكرام في توجيه الضوء على هذه الأعمال”.

    وعن وجود اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال يقول: “الاختلافات بسيطة بين الكاتبات والكتاب، وقد تتفوق المرأة على الرجل، فهي أقرب بكثير من الرجل في التعبير عن نفسها وعواطفها وشخصياتها، كما أنها أكثر دقة في وصف المشاعر والأحاسيس الإنسانية”.

    مازلنا ننظر إلى المرأة نظرة دونية مهما أبدعت..

    ويقول الكاتب “عادل المعموري”: “اعتقد أن الوقت ضروري جدا للكاتبة، لكونها منوطة بمسؤوليات جمة في البيت والوظيفة. وخصوصا الطبخ والاعتناء بالأطفال والزوج ومتطلبات البيت الضرورية. كل هذا له تأثير كبير في إبداع المرأة الكاتبة من عدمه.

    ينبغي إعطاء فرصة لنفسها  في ديمومة عطائها الأدبي. أحيانا تمنح فرص كبيرة لبعض الكاتبات بالتفرغ شبه التام.ربما تكون فرصتها أكبر من غيرها. الإبداع بشكل عام يحتاج إلى وقت كاف لديمومة العطاء”.

    وعن مقارنة النصوص يقول: “أنا شخصياً لا أعترف بهذا التجنيس أو التقسيم بما يسمى بالأدب النسوي. ولا مجال للمقارنة بين الرجل والمرأة في الإبداع، كلٌ يعمل على شاكلته وفق معرفته وجهوده وتفرده وعطائه. الذكاء والتميز  والعبقرية ليس لها علاقة بجنس الكاتب بتاتاً”.

    وعن تحطيم التابوهات في كتابات النساء يقول: “للأسف الشديد إننا الشرقيين وبالأخص العرب، مازلنا ننظر إلى المرأة نظرة دونية مهما أبدعت في أي مجال فكري أو ثقافي. قليلات جدا من الكاتبات العربيات من كسرن الطوق وكتبن في هذا المجال. كثير من الكاتبات يخشين الدخول في مضمار الكتابة الأيروتيكية حتى لو كان مقطعاً واحداً من قصة أو رواية”.

    وعن تواجد المرأة على الساحة الثقافية: “المرأة بشكل عام على المستوى العالمي والشرق أوسطي، استطاعت أن تجعل لنفسها موطيء قدم في الإبداع جنباً إلى جنب مع الرجل الكاتب. أسماء كثيرة خلدها التاريخ ومازال”.

    وعن الاختلافات في الكتابة يقول: “ليس هناك اختلافات بين كتابات الرجل وكتابات المرأة، الإبداع هو الإبداع إن صدر من قلم امرأة أو قلم رجل. الجميع بنقل رسالة عاشها الرجل والمرأة، فلا فرق بينهما أطلاقاً.. و بالنسبة لمسألة التجارب على مستوى الفرد أعتقد أن الرجل أكثر احتكاكاً بالمجتمع. ربما تعينه هذه النقطة في فتح آفاق واسعة بالكتابة والتميز”..

    الإبداع مسألة إنسانية بامتياز..

    يقول الكاتب الفلسطيني “بسام أبو شاويش”: “فيما يتعلق بالسؤال الأول أعتقد أن الوظيفة أو أي مهام أخرى لا يمكن أن تعيق المرأة المبدعة فممارسة الكتابة شغف يستوي على الكاتب أو الكاتبة فلا يملك إلا الاستسلام للحظة الإبداع بغض النظر عن التوقيت.

    كما أننا يجب ألا ننسى أن العمل أو الوظيفة هما مهام يمارسها الرجل والمرأة على السواء فإذا كانت لا تعيق الرجل عن الإبداع فمن باب أولى ألا تعيق المرأة…

    أظن أن المرأة المبدعة قد يتأثر إبداعها بآلام الحمل والولادة ومع ذلك فهذه المسألة بالذات قد تساهم في نوع من التميز لأدب المرأة عن الرجل، فحالة الحمل والولادة المقتصرة على المرأة وحدها يمكن أن تجعلها أكثر دقة وحساسية عندما تتناول هذا الأمر في كتاباتها. وهذه ميزة لا يتمتع بها الرجل بأي حال من الأحوال”.

    وعن مقارنة النصوص يقول: “أظن أن المقارنة بين نصوص نسائية ورجالية مسألة غير واردة، فالإبداع إنساني بالدرجة الأولى بغض النظر عمن كتب. ثم أن الأمر لا علاقة له بإتاحة الفرص، فقد تتاح لبعض الكتابات فرصا أكثر مما يتاح لبعض الكتاب والمسألة هنا تتعلق بمستوى الإبداع أكثر مما تتعلق بأي شيء آخر.

    أما قضية التفرغ فأعتقد أنها ليست ذات أهمية كبيرة وإن كان للعامل الاقتصادي دورا مؤثرا في الإنتاج الأدبي، إلا أنه ليس دورا حيويا فالمقطع بغض النظر عن جنسه يمكن أن يمارس شغله بالكتابة في كل الأوقات”.

    وفيما يتعلق بتحطيم التابوهات يقول: “عند بعض المبدعات إضافة إلى الجرأة في تناول بعض القضايا الحساسة فأعتقد أن بعض الكاتبات تجاوزن كل الخطوط الحمراء ربما بدرجة أكثر من الرجل وتبدت جرأتهن في تناول قضايا لها علاقة بالدين والسياسة والجنس بطريقة تنم عن شجاعة كبيرة، وهناك أكثر من نموذج يؤكد هذا الأمر، “غادة السمان” مثلا.

    أما ما يسمى بالكتابة الأيروتيكية فأظن أن هذا اللون من الكتابة لم يلق قبولا في المنطقة العربية، أو ربما لم ينتشر بسبب بعض المحظورات مثل الرقابة في بعض الدول، وفي كل الأحوال اعتقد أن المرأة المبدعة ربما كانت أكثر عمقا من الرجل في هذا النوع من الأدب.

    ولعل التركيبة النفسية للمرأة تجعلها تتناول هذا النوع من الكتابة بشكل مختلف تماما عن الطريق التي يتناول بها الرجل هذا الأمر”.

    أما عن تواجد كتابات المرأة على الساحة الثقافية يقول: “أعتقد أن الأدب الجيد يفرض نفسه بغض النظر عن جنس الكاتب، وأظن أن الإبداع النسائي متواجد بقوة على الساحة الثقافية وهناك أسماء لامعة كثيرة في معظم الدول العربية لمبدعات على مستوى رفيع من الإبداع، سواء في الشعر أو الرواية أو القصة القصيرة. وأظن أن الانتشار يتوقف بالدرجة الأولى على المستوى أكثر مما يتوقف على أي شيء آخر.

    أما إنصاف النقاد لكتابات النساء فالأمر يتعلق بمن ينقد والسؤال الأجدر هو هل يوجد لدينا نقد حقيقي أم لا؟ اعتقد أن النقد لدينا مازال قاصر سواء فيما يتعلق بنقد أدب الرجال أو أدب النساء.

    ثمة أصوات نقدية جادة لكنها نادرة ومع ذلك فأعتقد أن ما تكتبه النساء يحوز ربما على نسبة نقد واهتمام من النقاد أكثر مما يكتبه الرجل، وإن كانت هذه المسألة تختلف من بلد لآخر ومن كاتبة لأخرى. بشكل عام أظن أن النقد أنصف المبدعات إلى حد ما”.

    وعن وجود اختلافات في الكتابة يقول: “أما الحديث عن اختلافات بين المبدعة المرأة والمبدع الرجل فأظن أنه مجرد هراء.عن أي اختلافات يتحدثون؟ كما سبق وقلت الإبداع إنساني.

    والأدب الجيد لا يمكن وصفه بأنه ذكوري أو أنثوي، أجزم تماما ألا فرق بين أدب نسائي وأدب رجالي. هناك فروق بالتأكيد في تناول بعض القضايا لكن هذا يتعلق بالكتاب جميعا بغض النظر عن الجنس. أظن أن الفرق بين “عبد الرحمن منيف” مثلا و”نجيب محفوظ” هو كالفرق بين “عبد الرحمن منيف” و”رضوى عاشور” مثلا.

    وكما يتميز الرجل عن المرأة في جوانب معينة فإن المرأة تتميز عن الرجل ببعض الأمر مثل العوالم الداخلية للمرأة، أظن أن المرأة تناولت هذا الأمر بشكل أعمق وأكثر رهافة مما تناوله الرجل، لكن في المحصلة الإبداع مسألة إنسانية بامتياز بغض النظر عمن يبدع رجلا كان أو امرأة”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا