(النساء والكتابة 2-30):  ولأن الحياة ملء فمها الضجيج علينا أن نكون أكثر وعيا في التعامل معها ولاوعيا في ممارسة الكتابة

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    في هذه الحلقة من الملف هناك طرحان، الأول أن كتابة المرأة تتميز بروح خاصة، ونفس خاص، وأن الانشغال الشديد والأعمال الكثيرة التي تقع على كاهل المرأة هي تجارب حياتية تمتلئ بها ذاتها، لتفرغها فيما بعد في الكتابة وتستفيد بها في الكتابة كنوع من أنواع الخبرات والتجارب المعاشة والثرية.

    والطرح الثاني: هو أن التهميش الذي كانت تتعرض له المرأة في السابق اختفي أو أصبح في طريقه إلى الاختفاء، بسبب أن الكاتبات أصبحن يتواجدن بكثرة في الساحة الثقافية، كما تطرقت كتابات المرأة لمعظم مجالات الكتابة الأدبية.

    هذا هو الجزء الثاني من تحقيق (النساء والكتابة)، والذي جمعنا فيه آراء الكتاب من مختلف بلدان الشرق عن الصعوبات التي تواجه الكاتبات، وطرحنا هذه الأسئلة:

    1. في رأيك هل مهام الكاتبة من عمل، ومسؤوليات الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل صعوبات تمنعها من التفرغ للكتابة وتقلل فرصها للتواجد على الساحة الثقافية ككاتبة؟
    2. ما رأيك في مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    3. ما رأيك في تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء، والجرأة في الكتابة. وما رأيك فيها يسمى بالكتابة الأيروتيكية؟
    4. هل استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا وأن تجد لها مكانا وفي رأيك هل ينصف النقاد كتابات النساء أم لا ولما؟
    5. هل تعتقد أن هناك اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال وما هي هذه الاختلافات؟

    الروح الكتابية مميزة لدى بعض النساء..

    يقول الكاتب العراقي “أحمد رافع”: “التفرغ الكتابي لا يجيء أساسا على حياة الإنسان من لا شيء، لو كان كذلك لم تكن للذات الحالمة بالكتابة أن تفرّغ ما بداخلها من زحمة الوقت الذي أسلف في ممارسته لأشيائه اليومية أو التي تكون كقانون حياتي يزاوله.

    لذلك يمكن للكاتبة أن تكون لديها نظاما وقتيا تعمل عليه على مدار يومي، وتكون للكتابة آخر الوقت لتخرج ما شاهدته في حياتها العلمية والعملية والمنزلية، أعتقد إنه لشيء ممتع في الكتابة فكثير من الشاعرات كتبنَّ القصيدة بالنفس الأنثوي الذي يتضح في صوره الشعرية، متاعب المرأة وضجة العمل مما يعني أن استثمار الوقت بطريقة تجعل المرأة فيه تشعر بأمان اليوم أمرا ضروريا لتحويل العمل المزدحم إلى لغة ومفردات.

    أضف إلى المتعة في مزاولة العمل والسبب في ذلك يرجع لتقسيم الوقت وإعطاء كل مجال حقه المعين، مما يمنح للمرأة عدم التفكير  في مجال آخر لم تمارسه بسبب كثرة الأعمال مقترنة بفوضوية الوقت، كذلك أن توزيع الوقت يقلل من حالة الإرهاق لدى الفرد.

    في الحقيقة هذا كله يعود إلى نقطة جوهرية، الحالة التي يمكن من خلالها  للمرأة أو للجميع أن يتقن الوقت بصورة لا بأس بها، فالوقت أحد الادوات المهمة لليوم وهذا مدعاة إلى استثماره بطريقة صحيحة وأكثر تنظيمية للخلاص من زحمة المسؤوليات التي تترتب على عاتقها”.

    وعن مقارنة النصوص رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ يقول: “لطالما كانت هناك فرص تبديها الحياة للإنسان عامة وللمرأة خاصة، مما يعني أن مسألة تلقف لهذه الفرص التي تجيء لمرةٍ واحدة، حتى وإن تكررت فهي تختلف عن وهلتها الأولى، فلابد أن تكون المرأة على محمل الجد دائما في الحياة كي تكون عملية استثمار صحيحة للوقت كما نوهت في الإجابة المسبقة.

    الكتابة تحتاج لتفرغ الذات أولا من كل ثقل يصيبها كي تنتج بما تراه بطريقة هادئة، ولأن الحياة ملء فمها الضجيج علينا أن نكون أكثر وعيا في التعامل معها ولاوعيا في ممارسة الكتابة، إنه لشيء عظيم أن يكون التفرغ نتاج عمل طويل تزاوله المرأة أو الرجل فالكثير من الحوادث التي تصيب الدهشة أو الأسى كذلك المواقف الإنسانية والاجتماعية التي تمر في طريق زحمة العمل لها مردودها الوقتي الإيجابي والسلبي في الحياة، إذ تحتاج من الإنسان دائما أن يقوم بتفريغ ما تم شحنه وخزنه أثناء مزاولته للعمل في ديمومة الحياة.

    لا أعتقد أن إمكانية التفرغ هي التي تؤثر على جمالية النص الكتابي وتجعله حدا فاصلا في التمييز فيما بين الرجل والمرأة فلكل نص سواء تم إخراجه وإعادة هيكلته للوجود يتم تمييزه من ناحية التعامل مع أدوات النص للذات الكاتبة والعنصر الإبداعي المفاجئ، والذي يتناول وقت متفرغ ووقت مزدحم فلكلٍ له ميزته التي تعطيه مرآة تختلف عن الأخرى.

    فالوقت الذي يمضي مع المرأة على أساس عدم إمكانية التفرغ نتيجة عوامل الحياة والأسرة وما إلى آخره، أجده الوقت الذي يطرح نصه الكتابي عفويا ومتعاملا بلغة تستجيب للذات التي تنادي للفكر الإنساني والوجود والطبيعة.

    لهذا يمكن أن نعد وقت الكتابة ذلك الوقت الذي يكون مستعدا مع الذات لطرح ما شاهده من زحمة وضجة، فهنا وحين تكون آلية الوقت في إعطاء مهام الحياة حقها أجد أن إمكانية التفرغ قد توفرت بطريقة تجعل المرأة تتعامل مع الكتابة كصوتٍ يجيء من الطبيعة، لتخرج ما هو مقيد وما هو يستجيب للوجود الإنساني والاجتماعي، وهي حالة لا إرادية فالإمكانية تتوفر حتى لو كانت روحيا، فالذات الكاتبة تريد الإشباع من الحياة أولا لتعيدها المرأة وتخرجها بواسطة اللغة بحسب ما هو موجود”.

    وعن تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء يقول: “مما لا شك إننا نعيش في الحياة ولا يمكنها أن تخلو من تابوهات وضعها الاعتقاد بفرضية معينة ليكون حقيقة للفئة ذاتها، وهذا مدعاة للخطورة على الفكر الإنساني أجمع.

    لعب دور المرأة في تمزيق التابوهات دورا مشرفا فالتابو معناه الشيء المقدس والممنوع لدى جماعة أو عشيرة داخلا حتى في السياسة والأسرة الاجتماعية، مما يكون من الصعوبة كسر هذه الحواجز التي تمتد لأبعد ما يكون، لكنها المرأة وبتطور الأيدولوجيات وتبلور العالم في الحداثة وهو ينادي بضرورة تواجد المرأة مع الرجل في ممارسة الحياة هذا ببساطة لأنها أيضا إنسان، مما دفعها إلى ترك التابوهات وتحطيم الحواجز لأجل العيش الإنساني الكريم وحفاظا على فكره من التشويه بفرضيات لا صحة لحقيقتها لمجرد تكهنات وضعتها الأجيال السابقة، وهذا الخروج عن المألوف وترك عما كان يمضون فيه يحتاج إلى جرأة وشجاعة لأجل الحق ورفع الظلم عن الإنسانية التي باتت تتراجع بفعل التابوهات التي تضيق الخناق للصوت المعبر عن رأيه.

    الكتابة الأيروتيكية فنا خاصا يحاكي الجسد باعتباره مقدسا، له الطقوس الخاصة والتفنن بها من أولويات الرغبة والانتشاء منذ عصور قديمة وهو يأتي من الإله آيروس في الميثيولوجيا الأغريقية كان يرصد تجليات الجنس عبر الجماعات البشرية في العالم ونجده تبلور فكره ويمكن ملاحظته في التماثيل اليونانية والبلاط الروماني، فاشتغلوا على رسمه بمنحوتات ولوحات وكتب أدبية، كما جاء في الأدب الهندي بتناوله السلوك الجنسي للإنسان ووجوده في الأدب الصيني والعربي.

    ولذلك ينبغي أن تكون الكتابة عنه على حساب أنه فنا خاصا يمتلك تاريخ طويل، وهذا في الحقيقة كسر حاجز لتابو آخر أما ما نلاحظه الخوض به للهو وتجييش المشاعر وما إلى آخره لإستمالت الآخرين لا أجده أنه يفي بغرض الفن”.

    وعن استطاعة كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا يقول: “يمكن أن نلاحظ نعم وجود كتابات المرأة التي تمنح للكتابة روح أخرى خاصة تتعامل معها في الساحة الثقافية، فهي جزء من الحياة كما أن كتابات، الرجال جزء من الحياة فلا اختلاف بين الرجال والنساء وما يميزهن هو ما يميز الرجال فيما بينهم في تناول الخبرة والمشروع الجمالي للحياة.

    إن تصويب النقد نحو المرأة مطلوب مثلما هو يصاغ في المكتبة النقدية، فالروح الكتابية في بعض النساء أجدها مميزة فيما بينهن وهذا ما يعطيهن المساحة الحقيقية في تناول موادهنّ من النقاد التي تخرج من منطلق الفكر الإنساني، وتناول الألم الاجتماعي ومشكلاته التي تتنوع بين مساحة جغرافية لأخرى بحسب الفرضيات الموجودة والتقاليد، فما يكتبنّ يعد امتدادا للكتابة الأدبية التاريخية والسياسية والاجتماعية، فهي جزء لا يتجزأ من المجتمع وغير قابل للانقسام بحسب ما يشاع عن ما يسمى بالأدب النسوي فهو أدب واحد نلاحظه.

    وهنا أود التأكيد على أنه في دراسة الأدب الذي يخص المرأة من قبل النقاد الأمر ليس بصدد تصنيف أدب المرأة وإنما لغرض دراسة الميزات الكتابية التي تتفرد بها المرأة بروحها الأنثوية وهذا في الحقيقة أعطى ثغرات مفتوحة للغير لتصنيفه كأدب يستقل بذاته لا بفكره”.

    وعن وجود اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال يقول: “لو نجيء على المقارنة في الحداثة العربية وأبرز ما وصلت إليه الكاتبات النساء تقوم المقارنة أولا على ذلك النفس الأنثوي وهذا ما يعطي للنص المكتوب ميزة قوية للمرأة الكاتبة، التي تكتب بنفسها الأنثوي الإنساني وهذه النقطة لها تفرعاتها في الكتابة، فحين تكون كذلك نجد المرأة تكتب عن أمور حياتية لا يستطيع الرجال الكتابة عنها كونها تدخل وتتمخض وتنساب من المرأة.

    لذلك فإن وجه المقارنة الصحيحة التي تنهض تلك الأدوات التي تتولد وتنمو من جو المرأة الخاص بها لا كنتيجة تأثر المجتمع بها بل كنتيجة حتمية لتأثر المرأة بها، لتنقل المشاهد الحياتية الخاصة بها سواء أكانت مظلمة أو مفتوحة السعادة، طبقا لأدواتها التجريبية الخاصة وخبراتها الحياتية وأدواتها الثقافية المكتسبة ،بما يحيطها لتنقل الحادثة عبر محرك الخيال ومختبر اللغة في عالمٍ وردي يكون وجوده أنثوي بالأساس.

    ولما يكون منحى الكتابة قد أخذ مجراه الطبيعي للمرأة، قامت المقارنة على نقطة الفصل والملامح الأنثوية التي تميز بين الرجل والمرأة فهنا في استطاعة المتلقي أن يفهم ما يريد كل بحسب اختصاصه والمجال الذي يقع على عاتقه، أو الذي ترتبه الحياة له نتيجة التكييف لها ضمن اعتقادات سائدة”.

    تهميش المرأة انخفض معدله وبشدة..

    ويقول الكاتب المصري “حسام عادل”: “أعتقد هذا بكل أسف، مهما بدت المرأة قادرة على معالجة مهام كثيرة في توقيت واحد فيظل الوقت محدودًا وضيقًا، فضلًا عن الكتابة ذاتها التي تحتاج ذهنًا وتركيزًا يؤثر عليه لا العمل فقط بل مسئوليات الأطفال ورعاية الأسرة وشئون بيتها. لا أقول أن هذا مستحيل لكنه يزيد صعوبة تركيز المرأة على الكتابة بصورة أكبر”.

    وعن مقارنة النصوص يقول: “الفكرة ليست في فرص وإمكانيات صاحب الكلمات، فالمرأة حين تجد الفرصة لديها الإمكانيات لمقارعة الرجال في الكتابة والفوز بالجوائز. المقارنة هنا ظالمة لأن المرأة لا تقل في رؤيتها وتحليلها للمواقف وتعبيرها عن المشاعر عن الرجال، ونرى الآن النساء يخضن في أعمال من أدب الرعب والجريمة والتاريخ ما كان قديمًا نادرًا ومقتصرًا على الأدب الاجتماعي أو الرومانسي”.

    وعن تحطيم التابوهات يقول: “لا أستسيغ الأدب الأيروتيكي سواء بدر من امرأة أو رجل، وأرى أن الحياء لا يفرِّق في جنس الكاتب، وإن كان يزيد مع المرأة التي جُبلت فطرتها على هذا بصورة أكبر من الرجل وشخصيتها لا تتناسب مع الجرأة والخوض في مناطق أحرى بقلمها أن يعبر عنها برقي وأناقة أكثر”.

    وعن تواجد الكتابات النسائية على الساحة الثقافية يقول: “استطاعت الكتابات النسائية هذا فعلًا، والآن لدينا أسماء أنثوية أكثر مما كان لدينا قديمًا، كاتبات بارعات ولديهن مهارة وحذق وخبرة بالأدب وقدرة على التعبير والإنتاج لم تكن بتلك الصورة قبلًا، ولكننا كمجتمع أدبي نتمنى المزيد لإثراء الساحة بأقلام تستحق التواجد. أما النقد فأرى أن الإشادة تتزايد بأعمال المرأة، وصار القلم النسائي متواجدًا في المقالات الأدبية وعروض الروايات وقوائم الجوائز وهذا معناه أن تهميش المرأة انخفض معدله وبشدة”.

    وعن وجود اختلافات ما بين كتابات النساء وكتابات الرجال يقول: “لا أرى اختلافًا كبيرًا، وإن كانت للمرأة قدرة أكبر على التعبير عن المشاعر وتحليلها وكشف سلوكيات النساء التي تبدو غامضة لنا نحن الرجال في كثير من المواقف. فمزية المرأة هنا هي براعتها على استخدام الجانب العاطفي الذي خلقه الله لها بصورة أعمق من الرجل”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا