(النساء والكتابة 2-28):  المجتمع مستبد يزن بميزانين مادي للمرأة ومعنوي للرجل، المرأة سلعة يمكن تملكها والرجل كلمة ورجولة وتسيد اجتماعي مطلق

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    التعميم في تناول قضايا المرأة وحقوقها، والتمييز الذي يقع عليها من جانب الرجل، غالبا ما يعكس تعاميا، أو تجاهلا لما يحدث لها، وربما على أسوأ الفروض يعكس ذكورية مخبأة في اللاوعي، يحاول الرجل مدارتها وإخفاءها كثيرا، لكنها تظهر دون وعي منه في كلماته. رغم أنه وبشكل واعي يعلن مناصرته للمرأة وحقوقها، لكن رغما عنه يظهر إحساسه بالتفوق الذي ينغرس عميقا داخل لا وعيه، يظهر شعوره العميق بأنه أعلى وأهم وأفضل، وتظهر نظرته الدونية للمرأة بجلاء ووضوح، حين يحكي من طرف أنفه عن المرأة ومعاناتها، وإذا حاولت تنبيهه بذلك ينزعج لأنه يكره أن يكون ضمن زمرة الرجال الذين يضطهدون المرأة.. أو هكذا يظن.

    هذا هو الجزء الثاني من تحقيق (النساء والكتابة)، والذي جمعنا فيه آراء الكتاب من مختلف بلدان الشرق عن الصعوبات التي تواجه الكاتبات، وطرحنا هذه الأسئلة:

    1. في رأيك هل مهام الكاتبة من عمل، ومسؤوليات الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل صعوبات تمنعها من التفرغ للكتابة وتقلل فرصها للتواجد على الساحة الثقافية ككاتبة؟
    2. ما رأيك في مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    3. ما رأيك في تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء، والجرأة في الكتابة. وما رأيك فيها يسمى بالكتابة الأيروتيكية؟
    4. هل استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا وأن تجد لها مكانا وفي رأيك هل ينصف النقاد كتابات النساء أم لا ولما؟
    5. هل تعتقد أن هناك اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال وما هي هذه الاختلافات؟

     

    الموضوعات التي تتناولها الكتابة النسائية تكاد تكون متشابهة..

    يقول الكاتب والمترجم المصري “كمال المصري”: “بحكم التخصص في النِسوية، أرى أنه من حيث المبدأ لا يفترض أن تُعيق هذه المسؤوليات المرأة التي تحترف الكتابة من الإبداع والتواجد على الساحة الأدبية والثقافية، وهو أمر عادي في الغرب. لكن الوضع في بلادنا يختلف كثيراً عن الغرب، حيث تقع تلك المسؤوليات على عاتق المرأة وحدها بينما في الغرب يتقاسم الزوجان المسؤوليات الأسرية بشكل يسمح للمرأة، أيا كان عملها، بمساحة أكبر من النجاح. مرة أخرى، التواجد لا يعني التفرغ للوسط الثقافي وأنشطته، فالكاتب الناجح مكانه الأساسي وراء مكتبه يكتب عندما تلح عليه الفكرة أو يأتيه الإلهام”.

    وعن مقارنة النصوص رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ يقول: “طالما ارتضت الكاتبة بخروج عملها إلى النور فعليها أن تتحمل تبعات ذلك من نقد ومقارنة وغيرها. أما التهرب من المسؤولية عن جودة العمل بحجة المسؤوليات وغيرها فيمكن الرد عليه بجودة إنتاج كاتبات عربيات كن يحملن مسؤولياتهن أيضاً. ولعل التاريخ قد يعود بنا إلى شعر «الخنساء» بنت البادية التي لا يزال شعرها يُدَّرس في مناهج اللغة العربية، ووصولاً إلى كاتبات يحصدن سنوياً جوائز إبداعية عن أعمال متميزة، وهن يتحملن مسؤوليات كبيرة أيضاً. أما التفاوت في الفرص، فمردود عليه بأن الكتابة من حيث هي كتابة لا تتطلب فرص، كما أن النشر أصبح أسهل كثيراً من أي عصر سابق”.

    وعن تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء يقول: “الحقيقة، ومع إيماني بحرية المرأة ومسؤوليتها عما تفعل، فإني أجد نسبة لا بأس بها من تلك الأعمال (الأيروتيكية، حسب تعبيرك) تنزع فقط إلى إثارة الغرائز بغرض الانتشار ولو بشكل مؤقت. هي أعمال لا تحطم تابوهات حقيقية، بل تعبُر فقط عتبة المسموح في لغة الكتابة المعتادة.

    تحطيم التابوهات يحدث فقط بتحطيم أوثان فكرية تأسست في الثقافة والوعي الجمعيين أو سبر أغوار موضوعات لم تُطرق من قبل خوفاً من قيود المجتمع وثقافته السائدة. برأيي، إن الأعمال التي نتحدث عنها هنا لن يُكتب لها البقاء كونها بالأساس ضعيفة المضمون”.

    وعن استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا يقول: “الكتابات النسائية نجحت بالفعل في التموضع بقوة داخل السياق الثقافي العربي، ودون خوف ولا رهبة، فلا نجد كاتبة تكتب باسم مستعار مثلاً. كما أن حصد الكاتبات للجوائز المختلفة سنوياً في العقدين الأخيرين لهو دليل على تلك المكانة التي وصلت لها الكتابة النسائية، بل البعض منهن يتفوقن كثيراً على كتاب مخضرمين.

    أما عن النقد، فالحركة النقدية العربية بالأساس تعاني كونها لاحقة للمبدعين حتى في تنوع ثقافتهم، فلا تنصف الكتاب ولا الكاتبات على حد السواء. والواقع أنه لا يمكن القول بأن لدينا “حركة نقدية” بالمعنى المفهوم، والجهود النقدية على الساحة الثقافية قليلاً ما تقدِّم نقداً حقيقياً. وإجمالاً، لا يمكن التعويل عليها في الحكم على مكانة الكتابة النسائية العربية”.

    وعن وجود اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال يقول: “الكتابة الحقيقية يجب ألا تتمايز باختلاف نوع من يكتب. هذا الأمر شائع في الثقافة الغربية، كما أنه واضح في الكتابات الفكرية أو الإبداعية أو الدراسات التي تصدر عن كاتبات تلقين تعليماً غربياً، أو تشبعن بالثقافة الغربية.

    لكن الموضوعية تقضي منا القول بأن هناك اختلافات بالفعل في الكتابات العربية، من حيث الشكل والمضمون، فالموضوعات التي تتناولها الكتابة النسائية في العالم العربي تكاد تكون متشابهة تنحصر في اهتمامات المرأة العربية التي هي في أفضل الأحوال تعبير عن مظالمها ومطالبها. كما أن اللغة، بوجه عام وباعتبارات رياضية، تبدو أقل قوة وقراءة عند الكاتبات.

    ربما يرجع هذا التمايز إلى تمتع الكتاب بدرجة أكبر من الحرية والتفرغ والتمرس في مجتمعاتنا كما أشرت. هذا لا ينفي – مرة أخرى – وجود كاتبات تميزن في موضوعاتهن ولغتهن عن الكتاب، وفي كل مجالات الكتابة”.

    الكتابة حالة إنسانية لا تمت إلى النصف الأسفل بصلة..

    ويقول القاص العراقي “محمد الوائلي”: “عموما الكتابة هي عملية غوص في الواقع لاستخراج الحقائق في عالم مضطرب ومشوش. والكاتب يستنبط من الواقع المعاش الأبعاد التي يمكن من خلالها الارتقاء بذلك الواقع. ومعاناة المرأة ومشاكلها ركن أساسي في الحياة فلا ضير من نقل تلك المعاناة بكل تفاصيلها إلى عالم الأدب والثقافة من خلال قوة الإيحاء والكمال في التعبير.

    إذن مشاكل المرأة ليست عائقا بل فرصة للطرح والدراسة الموضوعية لتحسين الواقع المعاش. والمرأة كتكوين نفسي أقدر على التأثير على المتلقي من الرجل بسبب البعد العاطفي الذي تتميز به، بشرط أن لا تستجيب المرأة لنظرة الرجل الشرقي الاستبدادية السلعية لها ولا تجعل من نفسها دمية جميله خاوية من الروح الطامحة المتحدية المشاركة في بناء الحضارة والمجتمع”.

    وعن مقارنة النصوص يقول: “من الأجدى أن نستغني عن ثنائية الجنس امرأة ورجل ونستعيض بكلمة إنسان، المرأة إنسان والرجل إنسان، والإنسان فكر ومشاعر وأحاسيس وهؤلاء هم أساسيات الكتابة، الكتابة هي عملية استنهاض الإنسان الذي في داخلنا وليس نداء موجه للذكورة أو الأنوثة.

    وأضيف أن الكتابة لا تعرقلها أية ظروف فهي إرادة جامحة والإنسان يصنع بنفسه الأرض الخصبة للكتابة. ولو دققنا في الساحة الأدبية العربية لوجدنا أن “نوال السعداوي” هي الأكثر تأثيرا وحضورا رغم الحرب الاعلامية التي شنت ضدها.. لماذا؟؟.. لأنها تمتلك الإرادة الحقيقية من أجل التغيير.

    وعن تحطيم التابوهات في كتابات النساء يقول: “ما يسمى بتحطيم التابوهات عملية تمرد غير واعية منشأها الكبت حينما يطغي على العقل والسلوك المحسوب. لذا فهو لا يمكن أن يعتمد عليه كبناء للوعي الحضاري، أية كتابة لا تستند على المنهجية والتخطيط الاستراتيجي والبرمجة لن يكون هادفا أو بناء. وتلك التسميات الجديدة الخاوية من المضمون وغير النابعة من صميم البيئة تكون أشبه بإيماءة في الفراغ الخالي. الكتابة كما أسلفت يجب أن تكون من صميم المعاناة”.

    ويواصل: “بالتأكيد الموهبة الكتابية تفرض نفسها، ونماذج رائعة لابد من الإشارة إليها كعلامات مضيئة “أحلام مستغانمي، نوال السعداوي” وغيرهن.

    والناقد لابد من أن يكون موضوعيا فهو لا يستطيع الهيمنة والتعالي من خلال ذكوريته لسبب بسيط، وهو أن الكتابة حالة إنسانية لا تمت إلى النصف الأسفل بصلة فهي حالة متسامية”.

    وعن وجود اختلافات ما بين كتابات النساء وكتابات الرجال يقول: “الرجل يمتلك مساحات شاسعة من الحرية في التعبير عن الواقع والمكنونات النفسية، فنحن في مجتمع ذكوري مستبد يزن بميزانين مادي للمرأة ومعنوي للرجل، باعتبار المرأة سلعة يمكن تملكها والرجل كلمة ورجولة وتسيد اجتماعي مطلق. لكن لو امتلكت المرأة الشخصية النافذة والإرادة القوية لكانت علامة مميزة ونقطة مشعة في العتمة القائمة”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا