النساء والكتابة (18):  تتحول صفحات الرواية إلى محاكمة ممتدة لكاتبه، وتكون أشبه بمحاكمة عسكرية إذا كان الكاتب امرأة

    42

     

    خاص: إعداد- سماح عادل

    مازالت الكاتبات يؤكدن على وجود صعوبات تعترض طريقهن حين يخترن الكتابة، ويؤكدن أيضا على شغف الكتابة وسحرها، وجاذبيتها الشديدة، ودورها الكبير في التوحد مع ذاتهم والتعبير عنها. وتعتبر البعض منهن أن دخول المرأة إلى مجال الكتابة في حد ذاته تحدي كبير، حيث أن هناك بعض المناطق في مجتمعاتنا الشرقية تعتبر الكتابة خطيئة أو خروجا على العادات والتقاليد.

    لذا كان لنا هذا التحقيق الذي يجمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:

    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟

    نحتاج إلى نقّاد برؤية أعمق..

    تقول الكاتبة التونسية “منية فرجاني”: “أكيد جدّا، المرأة الكاتبة تحتاج إلى مساحة واسعة من الوقت الخاصّ للقراءة أوّلا ثمّ الكتابة، لأنّ القراءة هي المادّة المفعّلة والمغذيّة لكلّ أشكال الكتابة. لكن الأمّ الكاتبة تجد صعوبة كبيرة في التوفيق بين مهامها المتفرّعة كعاملة وكأمّ وكزوجة وكمسئولة عن بيت.

    بعد صدور روايتي الأولى “ونيس” تفطّنت إلى أنّني ربّما تسرّعت في طرح بعض القضايا فيها ولم أتعمّق أكثر في طرح بعض التفاصيل، وهذا سببه تلاشي بعض الأفكار التّي شغلتني عنها اهتمامي بامتحانات أطفالي وانغماسي المتواصل معهم أثناء فترة الاختبارات النّهائيّة وكنت مضبوطة بوقت لتقديمها إلى دار النّشر.

    رغم أنّ الكتاب يعتبر طفل من بين أطفالي وله كلّ الأهميّة والرّعاية والحبّ، غير أنّ وجود أطفال حول الأمّ الكاتبة يبيّن أنّ الأصل ثابت ولا يأخذ مكانه أحد. روحي معلّقة فيهم وفي رعايتهم ثمّ أنّ غريزة الأمومة تسمو دوما مع من أنجبتهم الرّوح واحتواهم الجسد. الكتاب ابن فكرنا وذاكرتنا وهذا هو الفرق”.

    أستحضر هنا قول “أغاثا كريستي” الكاتبة الأم حين قالت  حبكات رواياتي البوليسية أهتدي إليها وأنا أغسل الصحون، لأن هذا العمل الغبي يدفعك بشكل لا إرادي للتفكير في القتل. إذن هنالك دائما فائدة أدبيّة للأمّ الكاتبة كونها أمّا ومسئولة عن بيت ومطبخ “ههههههه””.

    وعن تأثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا: “نعم يمكن الجزم بهذا، المرأة العاملة الكاتبة مهما حاولت تقسيم وقتها بين الكتابة والعمل والأسرة فإنّه إمّا سيؤثر ذلك على إنتاجها الأدبيّ أو نجاحها في إدارة أسرتها أو للأسف يمكن أن يؤثر ذلك على صحّتها وهذا شائع جدّا.

    الكتابة ليس بالأمر الهيّن وأخصّ بالذكر هنا كتابة الرّواية، لما يسبقها من بحث عميق حول التّيمة الأساسيّة للعمل والبحث في بناء الشّخوص وتهيئة الأمكنة والأزمنة المناسبة للنص. كلّ هذا لا يمكن أن يكون إلاّ حين تتوفر السكينة والعزلة والتفرغ التام للعمل الأدبي. إن لم تتوفر هذه العوامل سيتأثر العمل الأدبي فإمّا أن يكون منقوصا أو مبتورا أو عملا ضعيفا. ولهذا أنصح الكاتبات العاملات الأمهات بإعطاء وقت أطول لأعمالهم الأدبية الحسّاسة ككتابة الرّواية والقصّة.

    أذكر جيّدا كيف علّقت السيدة “أحلام مستغانمي” عن سؤال كهذا قالت بأنّها لم تفكر في النّشر والكتابة إطلاقا قبل دخول أطفالها مدارسهم، لأنّها كانت تخاف أن تهملهم باهتمامها بالأدب وهذا يجيب أوتوماتيكيّا على السؤال أعلاه أن مسؤوليات الأمّ الكاتبة تؤثر سلبا على الكمّ و الكيف أحيانا”.

    وعن الشعور بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات تقول: “ليس تماما، في الحقيقة النصّ يفرض ذاته، قوّة النصّ وعمقه لا يمكن تقييمه من خلال كاتبه إن كان رجلا أو امرأة، الجندريّة هنا لا يمكن أن تقدّم لنا نتيجة حاسمة. كاتبات كثيرات استطعن أن يثبتن أنّ الكتابة إبداع ذهنيّ روحيّ هو في الحقيقة مزيج من تجربة وخبرة وموهبة، هذا كلّه لا يعترف بنوعيّة جنس الكاتب. ما يهمّنا في الأصل هو ما يصلنا من النصّ وما يلمس أرواحنا.

    هنالك أسماء نسائية أبدعت في الأدب واستطاعت أن تسرق الأضواء وتحلق بعيدا في سماء الأدب، لكن في الحقيقة تعتبر قليلة جدا مقارنة بالأسماء الرجاليّة وهذا يعود حتما للأسباب التّي ذكرتها سابقا”.

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “أتابع أخبار الأدب في العالم ككل والعالم العربي خاصّة، أحيانا تقابلني أخبار عن رفض توزيع ونشر كتب ما لأنّها احتوت على جرأة غير مسبوقة ككتب الكاتب الكبير “برهان شاوي”، الذّي تحدث كثيرا في صفحته الشّخصيّة عن عدم قبول نشر وتوزيع رواياته في العراق وبعض الدول العربية فقط لما تحويه من جرأة تجاوزت حدود المنطق على حد قول بعض النقّاد. هذا كاتب رجل رحّال وغزير الإنتاج في رصيده تسع روايات ضخمة. فما بالك لو كانت الكاتبة امرأة؟؟

    في تونس تجاوزنا هذه العتبة، كثيرات من كتبن بجرأة باذخة عن المسكوت، كالمثليّة، وزواج المحارم، الاعتداءات الجنسية داخل الأسرة، ختان البنات، العلاقات الحميمية خارج إطار الزّواج إلى غير ذلك من المواضيع التّي كانت حكرا على أقلام الذّكور.

    الكتابة اليوم هي وسيلة للصّراخ، المرأة في العالم العربي عانت كثيرا من تكميم الأفواه والعقول ومنذ أن اكتسبت مهارة الكتابة وحريّة التعبير صار بإمكانها توصيل صوتها من خلال ما تكتب.

    مواقع التواصل الاجتماعي اليوم، أوضحت لنا الصّورة بشكل أفضل حتّى و إن تمّ رفض هذه الجرأة واعتبارها جرما، صارت الكتابات حرّة منشورة على جدران صاحباتها أحيانا بأسماء حقيقيّة وأخرى بأسماء مستعارة. المهمّ هو وصول الفكرة”.

    وعن كون كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد تقول: “لا أعتقد ذلك، في تونس يحتفي النقّاد بالكتابات النّسائية ويحتفل الكاتب بكتابه من خلال جلسات وحفلات توقيع واسعة. هنالك مهرجانات خاصّة بالشعر والأدب وهذا من أساسيات المشهد الثقافي التّونسي. حتّى الإعلام المسموع يرحّب دائما بالكتابات الجديدة الصّادرة حديثا ويؤثث في مناسبات كثيرة لقاءات مع الكتاب والشعراء في مصافحات مباشرة مع المستمعين والمبدعين. يبقى اللوم فقط على جديّة النّقد أحيانا، هنالك قراءات ودراسات تصدر فقط للمجاملة ولإرضاء صاحب العمل دون التوغل الحقيقي في عمق العمل الأدبيّ المدروس، لتتحوّل الدراسة النقديّة إلى نوع من الهدايا المتبادلة بين كتاب المؤلّف ودراسة النّاقد.

    نحتاج إلى نقّاد برؤية أعمق وتحليل تشريحيّ للأعمال التّي تصدر بغزارة في تونس، نحتاج إلى نقد يسمو بالعمل إلى العالميّة لم لا؟؟”

    تهميش دور المرأة المثقفة..

    وتقول الكاتبة الجزائرية “سعاد شيحي”: “حسب وجهة نظري لا توجد صعوبة التفرغ للكتابة لدى المرأة الكاتبة، فالكتابة شعور وإحساس وهذا الشعور والإحساس يكسر كل الصعوبات والعقبات، فالكتابة مثلها مثل ممارسة الجنس بين زوجين والحب والعلاقات الحميمة والعلاقة بين الأبناء ووالديهم، وكذلك مثل الغريزة التي يملكها الإنسان مثلا أنا لما اشتاق إلى أبنائي اترك كل شيء وأحضنهم، هذا شعور لا إرادي أوأنا لما أريد زوجي أو حبيبي يواسيني في حالة الضياع أو الحزن أنسى كل شيء واندفع دون أن أسيطر على شعوري وارتمي في أحضانه.

    فالكتابة مثلهم بالضبط، لهذا لمّا تتحرك مشاعرنا أو غرائزنا أو لما نتأثر بشيء سواء أكانت هذه العوامل التي حركتنا أو تأثرنا بها إيجابية أم سلبية تدفعنا للكتابة، وتحدد لنا في نفس الوقت نمط ونوع هذه الكتابة”.

    وتضيف: “نعم أشعر بظلم كبير حين تتم مقارنة نصوص الكتابات لنساء بنصوص وإنتاج الكتاب من رجال، خاصة مقارنة الكاتبات المغاربيات مع الكتّاب المغاربة، لأن أكبر نجاح للمرأة بغض النظر عن أعمالها الأدبية هو دخولها إلى مجال الكتابة فهذا بحد ذاته نجاح وتحدّي، لأننا مازلنا نعاني من رجعية في بعض المناطق المغاربية، فالبنسبة لهم دخول المرأة عالم الكتابة هو بمثابة ارتكاب جرم أو خطيئة أو كسر للعادات والتقاليد”.

    وتواصل عن انتقاد الجرأة: “الكتابة لا يوجد بها خجل، فهي حرية مطلقة في التعبير، فالكتابة تجعل الإنسان أو الكاتب يتعرى في نصوصه ويكشف عن ذاته دون حياء أو خجل، أما الأشخاص الذين ينتقدون جرأة المرأة في الكتابة فهم مايزالون يعانون من اضطرابات وكبت جنسي وهذا أثر عليهم سلبا وأصبحوا يرون أن هذه الكلمات الجريئة بمثابة تحريك لغرائزهم الحيوانية”.

    وعن النقاد تقول: “الكتابة عند النساء مظلومة ليس من الجميع فقط بل من أشباه النقاد والمثقفين الذين هم دخلاء على ساحة الثقافية، والذين يريدون إلغاء وتهميش دور المرأة المثقفة، نظرا للتنافس الحاد الذي ظهر في الآونة الأخيرة، حيث أصبح الأدب النسوي أكثر حركة ونشاطا بل وأكثر انتشارا”.

    محاكمة كاتب النص والتفتيش عنه..

    وتقول الكاتبة الجزائرية “وفاء خالد”: “الكتابة في حد ذاتها حالة متسلطة، أنانية، تأسر من يحترفها أو من يهواها وتستحوذ عليه محاولة قطعه عن عالمه والزج به في دهاليز عالم مواز. هذه الحالة بعيدا عن أية شاعرية هي جوهر الإبداع ذاته؛ الانقطاع عن العالم الخارجي والغوص في الذات.

    للأسف هذا الانعزال المطلوب في أي عملية إبداعيّة هو حلم بعيد المنال بالنسبة للكاتبات العربيات خاصة.

    الكاتبة كثيرا ما تكون أما ومسئولة عن أسرة، ضف إلى ذلك من تعملن خارجا في مهن مختلفة. الركون إلى مكتب في مكان هادئ والاستسلام لشهوة البياض وسطوة الحبر طوال ساعات؟ هذه رفاهية أعتقد أن الكثيرات منا لا يطمحن إليها أساسا…

    من تجربتي الخاصة وكوني أما لطفلين وأستاذة في سلك التعليم، لم أتمكن أبدا من الظفر بروتين كتابة محدد أو مكان مخصص. دائما أكتب كلما استطعت اختلاس بضع دقائق أو ساعات من أيامي المزدحمة وأينما اتفق”.

    وعن تأثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا تقول: “هذه العوائق تؤثر سلبا على مستوى الكم وسرعة الانجاز أكيد، لكن لا أعتقد أن لها تأثيرا على مستوى الكيف مطلقا. صنعة الكتابة تصقل بشكل أفضل في حال التفرغ والممارسة أكثر أكيد، لكن لا يمكن تبرير الرداءة بعدم التفرغ”.

    وتضيف: الظلم في المقارنة واقع في كل المجالات التي تخوضها المرأة. فأي عمل تحترفه المرأة هو عمل ثان/ إضافي بالضرورة. كمن يعمل في وظيفتين بدوام كامل طول الوقت. في الكتابة لست من مناصري تصنيف النصوص حسب جنس كاتبها. النص يخضع لمعايير متعارف عليها تحدد جودته وتميزه من عدمهما وجنس كاتبه ليس منها قطعا. تقارن النصوص من حيث الكيف لا من حيث الكم، وكما ذكرت سابقا إتاحة الفرص وإمكانية التفرغ لا تصنع نصا جيدا بالضرورة والعكس صحيح”.

    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “هذا سببه أن مجتمعاتنا العربية تقرأ الكاتب لا النص وفي أفضل الأحوال لا تقرأ النص منفصلا عن كاتبه. فتتحول صفحات الرواية إلى محاكمة ممتدة لكاتبه. وتكون أشبه بمحاكمة عسكرية إذا كان الكاتب امرأة.

    الكتابة حرية والإبداع لا جنس له ولا يخضع لمعايير الذكورة والأنوثة.

    هناك خلل في التلقي وفي التعامل مع النص بعيدا عن أي اعتبارات أخرى. هذا الخلل أجبر الكثيرات على ممارسة رقابة داخلية صارمة أثناء الكتابة لتفادي هذا “الوصم””.

    وعن النقاد وكون كتابات النساء مظلومة تقول: “لا أبدا! حسب اطلاعي الشخصي وفي وقتنا الحالي لم ألاحظ أي ظلم لكتابات النساء، بالعكس قلم المرأة حاضر وبقوة في مختلف الجوائز العربية والمحافل الأدبية”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا