الجمعة 22 أكتوبر 2021
22 C
بغداد

    النساء والكتابة (14): الكتابة غيمة تمطر سعادة، ومساحة للتواصل مع الذات والتعبير بصمت

    61

    خاص: إعداد- سماح عادل

    رغم كل الصعوبات والعوائق التي تواجه الكاتبات، إلا أنهن يمتدحن الكتابة، وتأُثيرها السحري عليهن، فهي تزيل تعبهن الشديد، وهي بمثابة غيمة تمطر رذاذا من السعادة، التي تزيل الهموم المتراكمة، وهي مساحة للتواصل مع الذات، والاستمتاع بالعزلة. ووهي الوسيلة التي تستخدمها الكاتبة للتوحد مع نفسها لتعبر بصمت عن كل ما يدور داخلها من هموم ومشاكل وحتى أحلام وطموحات وخيالات جميلة
    لذا كان لنا هذا التحقيق الذي يجمع آراء الكاتبات من مختلف بلدان منطقة الشرق حول الصعوبات التي تواجهها النساء حين يقررن أن يصبحن كاتبات، وتضمن التحقيق الأسئلة التالية:
    1. هل تواجه الكاتبات صعوبات للتفرغ للكتابة مثل عملها، ومهام الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل؟
    2. هل العوائق التي تمنع الكاتبات من التفرغ تؤثر على إنتاج الكاتبات سواء على مستوى الكم وأيضا الكيف؟
    3. هل تشعرين بالظلم حين تتم مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
    4. ما رأيك في انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء والذي قد يصل إلى حد الوصم؟
    5. هل تشعرين أن كتابات النساء مظلومة من قبل النقاد والمهتمين بالأدب؟

    تقييد حرية الكاتبة في التعبير..
    تقول القاصة العراقية “ميرفت الخزاعي” عن الصعوبات التفرغ التي تواجه الكاتبات: “يعد الوقت عاملا مؤثرا في عملية الكتابة، وهو عنصر ثمين رغم توفره لأن الصعوبة الحقيقية تكمن في إمكانية استغلاله واستثماره. ونظرا لكون جدول الحياة اليومية للكاتبة مزدحم بالواجبات والمسؤوليات التي تشغل حيزا كبيرا منه، لذا يتوجب عليها السعي الدائم والمتواصل لمسك خيوط حياتها كلها بكفٍ واحدة، لئلا تنفرط وتضيع حباتها.
    وإذا ما سألنا عن الطريقة المثلى لتجاوز هذا العائق فهي بإدارة وتنظيم الوقت. لكن هذا الأمر لا يجري بسهولة ويسر كما يعتقد. فعملية تقسيم الوقت لإيجاد تلك الفسحة المخصصة للكتابة قد تجعل الكاتبة تبادر للتخلي عن أو تقنين بعض الفقرات المهمة والضرورية في الحياة، مثل أوقات الراحة، النوم، السفر والرحلات والنزهات أو المناسبات العائلية، جولات التسوق، حضور الجلسات الأدبية أو الندوات أو المهرجانات الثقافية وغيرها).
    وعن انتقاد البعض للجرأة في كتابات النساء تقول: “قد يظن البعض أن الجرأة تعني استخدام الألفاظ الخادشة للحياء أو المثيرة للخجل أو تجسيد المشاهد الأيروتيكية أو الصور الجنسية بالكتابة. لكني أرى أن الجرأة تعني التحلي بشجاعة الطرح والتطرق لمواضيع وأحداث، قد يتحرج الكثير من التفوه عنها بكلمة أو يتحاشون الاقتراب من حدودها خوفا أو خجلا أو لأسباب أخرى.
    كالاعتراض على ورفض بعض الموروثات والعادات الاجتماعية، العقائد الدينية، التشكيك بالحقائق التأريخية والطعن بها، نقد سياسة الدولة وأنظمة الحكم وغيرها. كما تعني الجرأة أيضا تبني موقفا ما والدفاع عنه والمحاربة من أجله.
    ليس الأدب حكرا أو مقتصرا على جنسٍ معين للخوض في غماره، لكن المجتمعات العربية تنظر بنوع من الحساسية للكتابات المنفتحة والمتحررة للمرأة وهذا نابع من الخلفية المجتمعية المتراكمة، المترسبة والمتجذرة في فكرها وذاكرتها”.
    وعن تأثير على إنتاج الكاتبات كما وكيفا تقول: “هذه العوائق الملموسة منها كالوقت، أو المحسوسة كتقييد مساحة أو حرية الكتابة غالبا ما تدفع
    بالكاتبة لاستعارة أو تقمص هوية أخرى غير هويتها الشخصية (الأنثوية)، فتكتب بأسماء وهمية، أو قد تلجأ للتمويه أو الترميز في كتابتها بشكل يغلب عليه الطابع الذكري، (كاستخدام شخصيات أو ضمائر المذكر عند طرح أو مناقشة بعض المواضيع الحساسة).
    إن العراقيل التي تواجهها المرأة الكاتبة لا تنحصر في اكتظاظ برنامج حياتها اليومي بالواجبات والمسؤوليات الأسرية، بل أيضا في مساحة الكتابة المقيدة (غير الحرة) التي تقابلها مساحة لا متناهية الحدود أمام الجنس الآخر، سواء في طرح المادة أو مناقشتها أو التطرق لها.
    فهناك عيون تترصد كل حرف يصدر منها، وعدسات مكبرة تحاول التقاط ما بين السطور وتعقبها أملا في إيجاد تفسير له. وهو عبارة عن عدم الفصل بين شخصية الكاتبة ومنجزها الأدبي أو شخصياته، فكثيرا ما يتم الربط بينها وبين شخصيات عملها الأدبي أو التركيز على حياتها الشخصية والاهتمام بها. هذه الحواجز والعوائق تحد من قدرتها على التحرك بحرية أكبر فتعمل ضمن نطاق ضيق ومحدود وبحذر شديد”.
    وعن الشعور بالظلم من انحياز بعض النقاد تقول: “هناك تفاوت واضح في المعاملة بين الجنسين ليس في الحياة العملية فحسب بل والأدبية والثقافية أيضا، مما يشكل عبئا إضافيا على الكاتبة.
    فغالبا ما تكون نظرات النقاد لكتابات المرأة غير منصفة، أي أن هناك نوعا من الانحياز بمعنى أنهم يستخدمون سياسة الكيل بمكيالين. لكن بالوقت نفسه أنا ضد التمييز أو التهميش، أي الاهتمام بجنس وإهمال الآخر. مع هذا فقد لمست في السنوات الأخيرة اهتماما يُذكر من بعض النقاد لمنجزات الكاتبات الأدبية ومحاولة تسليط الضوء عليها”.


    مساحات الخلوة مع النفس للتعبير بصمت..
    وتقول الكاتبة والشاعرة السودانية “كوثر هجو”: “طبيعة المرأة مختلفة تقوم بالأدوار المنزلية وتهتم بالأسرة والأبناء، وأيضا على الصعيد المهني وحياة العمل دائما ما تكون كثيرة الانشغال وتبحث عن وقت لممارسة هواياتها المختلفة، كثير من السيدات يشعرن بالضجر نسبةً للأعمال المختلفة التي يقمن بها، ويشعرن بالبعد عن هواياتهن التي يجب أن يمارسنها في حياتهن اليومية.
    الكاتبة هي ذات المرأة التي تحدثت عنها، يومها مليء بالأعمال المختلفة لكن المبدعة التي تحب الكتابة حقاً تكون ذات إصرار، وتستطيع أن توازن بين أعمالها اليومية وهواياتها، وتظل متشبثة بالأشياء التي تحبها مثل الكتابة والهوايات الأخرى”.
    وتقول عن تأثير العوائق على إنتاج الكاتبات كما وكيفا: “نعم ضيق الوقت يؤثر على إنتاجها ويؤثر على كتاباتها أيضاً ومضمونها، الكتابة تحتاج للتفرغ أحيانا وأجواء تلاءم الكاتبة ومزاجيتها. لكن رغم هذه العوائق لابد أن تواصل في الكتابة لأنها تتطلب المواصلة والاستمرارية”.
    وتضيف عن الشعور بالظلم من المقارنة: “نعم الرجل أكثر تفرغا من المرأة يستطيع إنتاج نصوصا أكثر، لذا لا أشعر بالظلم لأن كل من الرجل والمرأة له إبداعه الخاص وظروفه الخاصة ونحن السيدات لا نحب المقارنات مع أحد وننافس فقط ذاتنا”.
    وتواصل عن انتقاد الجرأة: “الكاتبة تتعرض لبعض الانتقاد من المجتمع المحيط، وواحدة من المفاهيم المغلوطة لديهم أنهم يرون أن الكتابة تضيع الوقت وليست ذات أهمية، وأن على الكاتبة أن تبدع في أشياء أخرى في حياتها المهنية أو المنزلية، برغم أن الكتابة هي وسيلة التواصل وغذاء العقل والروح، ومساحات الخلوة مع النفس للتعبير بصمت، في لحظة يتحدث فيها فقط القلم.
    الكاتبة من حقها الأدبي أن تعبر وتشارك المشاكل المجتمعية كالرجل، ليس هناك حياء. تناول الموضوعات والقضايا هو جزء من حل المشكلة، والكاتب يطرح على القارئ المواضيع ويعبر بوجهة نظر يحترم فيها كل القيم الأخلاقية، وأحياناً يتحدث بلسان مجتمع كامل، فالكاتب سفير للمجتمع لابد أن يناقش قضاياه بجرأة ووضوح. وجرأة الكاتبة في تناول المواضيع والقضايا تعتبر حرية كتابة ما لم تخدش الذوق العام والدين والمجتمع”.
    وعن الشعور بالظلم من انحياز النقد تقول: “الناقد والكاتب الحقيقي المتمكن الذي يحب الكتابة ويستمتع بها لا يظلم ما يقرأ، إلا إذا كان هو أقل معرفة وإبداع. لكن في عصرنا هذا تطورت الكتابة وأصبحت السيدات أكثر إبداعا حتى وإن كان الإنتاج الكتابي أقل من الرجل، لكن تظل لكتاباتها طابع خاص ومميز ومختلف”.

    الكتابة غيمة تمطر سعادة..
    وتقول الكاتبة الجزائرية “عائشة جلاب”: “الكتابة قدر وموهبة، يهبها الله لمن يختارهم، كما يختار رسله، دون التحيز إن كان هذا الموهوب رجلا أو امرأة، ولكن لأن للمرأة اهتمامات كثيرة تتجاذبها من كل جهة، كمسؤولية البيت والحمل والإرضاع وتربية الأبناء، فتعتبر الكتابة أو الإبداع مشقة أخرى تضاف إلى قائمة وظائفها المادية والمعنوية. لكنها مشقة جميلة تعتبر تنفيسا لها وشغفا يضفي نوعا من الراحة على حياتها، كأنها إسفنجه تمتص عرق أتعابها، أو غيمة عطرة تذر عليها رذاذ السعادة في أيام القحط والجدب الذي يحيط بها.
    وأنا كشاعرة وفي منطقة منغلقة تقيد نوعا ما أفكار المرأة وخاصة المبدعة، وتضيق عليها الخناق في التعبير عن هواياتها، استطعت ببعض الحنكة الموازنة بين الموهبة والأمومة لترك بصمتي على سجل الكتابة في مدينتي ووطني، ولم أجعل الآخر ينظر لي نظرة دونية.
    فكنت أقتنص الوقت لأجعل من اليوم عدة أيام ومن الأسبوع شهرا، للوصول إلى مبتغاي ولسقي حديقتي الإبداعية والتي أراها تنمو يوما بعد يوم، فليس من السهل أن تتحدى مجتمعا أو عائلة تنتظر منك فقط العطاء، ومتابعتهم والاهتمام بدراستهم وأحلامهم وتذكر حتى أدق تفاصيل حياتهم، وهي ترى ما أقوم به نوعا من الترف أو الترفيه عن النفس، بينما أنا أحفر في الصخر بأظافري، كسجين ينتظر الخروج من نفق مظلم لا يعرف طوله، لكنه يرى بصيصا من النور يربت على كتفه أن الحلم قريب.
    ولأجل أن أكتب شيئا يستحق الذكر فكان علي أن أواكب الحركة الإبداعية في هذا العصر، ومتابعة الجديد في الكتابة والنقد، كي لا أكون نسخة مكررة من العديد من الأسماء، وكأنني لم أفعل شيئا”.
    وتؤكد: “فكما أنجب أبنائي أنجبت دواويني، نفخت فيهم من جيناتي ومن روحي، وأخرجتهم من رحم الصبر والمعاناة. فمن جُبل على حب شيء سيحققه برغم الصعوبات، وسيخلق له الوقت والجهد لأجله. وهناك أمثلة كثيرة عن نساء استطعن تمزيق عباءة الضعف والاستكانة والخنوع لأوامر المجتمع الجائر وللظروف، وكتبن أسماءهن بحروف من ذهب على صفحات الزمن.
    لأن الرجل يضع أولوياته قبل كل شيء، فهو باستطاعته غلق المكتب على نفسه لأيام وصب كل اهتمامه لإنهاء مشروعه، دون وضع اعتبار لأسرته أو للعلاقات الاجتماعية والتي يتركها للمرأة لتتولاها، وتعتبر المرأة كائنا أسطوريا بالنظر لما تقدمه في كل المجالات، ووضع نفسها في خط موازي للرجل، حتى كادت تلغى نظرة أو نظرية الذكورة في بعض المجالات، ومنها الكتابة، والتي استطاعت الكثير من النساء الولوج إلى عالمها بكل ما أوتين من مهارة وجدارة”.
    وعن الشعور بالظلم من المقارنة تقول: “أساسا لم أهتم يوما بمقارنة بعض النقاد بين ما يكتبه الرجل وما تكتبه المرأة، لأنها أصلا نظرة تعتبر سطحية و دونية، فالإبداع لا جنس ولا هوية، لأنه يولد من نفس بشرية مفعمة بالعطاء والجمال، خلقت لتقول ما تريده.
    وأنا أرى أنه كلما كثرت العوائق زاد إصرار المرأة على التحدي والعطاء، والوصول إلى هدفها ولو كانت تسبح ضد التيار، لتصل ولو متأخرة خير من ألا تصل”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا